إيران ربحت معركة حلب.. فماذا سيفعل ترامب الذي هاجم الاتفاق معها؟

تم النشر: تم التحديث:
8
8

في عام 2007 اختطفت جماعة مسلحة شيعية مدعومة من إيران، تُعرف باسم "عصائب أهل الحق"، 5 من جنود الولايات المتّحدة الأميركية في كمين بمدينة كربلاء العراقية، وقتلتهم. في ذلك الوقت كان نائب الأمين العام للجماعة هو أكرم الكعبي، رجل صرّح بعدها علناً بأنه من دواعي سروره أن ينقلب على الحكومة العراقية، في حالة طلب منه المُرشد الأعلى بإيران آية الله علي خامنئي ذلك.

اليوم، يقود الكعبي جماعة منفصلة عن الميليشيا الأصلية خاصته، تُعرف باسم "حركة حزب الله النجباء"، وهي الآن الذراع الرسمية للمؤسسة الأمنية العراقية، لكنها تُقاتل في سوريا. وقد اتّهمتها الأمم المتّحدة للتوّ بالمشاركة في المذبحة بحقّ 82 مدنياً في حلب الشرقية، من ضمنهم 11 امرأة و13 طفلاً، مجزرة ارتكبتها إلى جانب فصائل شيعية أخرى موالية لإيران ودكتاتورية بشار الأسد البعثية المدعومة من إيران وروسيا، وفقاً لتقرير نشره موقع "ديلي بيست" الأميركي.


حرب بالنيابة


إن القوة القتالية للجيش السوري مستهلكة إلى حد كبير. بدون دعم الغطاء الجوي الروسي والقوات شبه العسكرية الإيرانية البالغ عددها 6000 إلى 8000، الذين يعتمد عليهم الأسد لشنّ حربه بالنيابة عنه، فإن استعادة حلب كانت مستحيلة.

بينما لا يخفي الإيرانيون افتخارهم بالإنجاز.

سيد يحيى رحيم صفوي، وزير الدفاع الإيراني، أعلن الأربعاء الماضي أن "حلب تحرّرت بفضل التحالف بين إيران، وسوريا، وروسيا، وحزب الله اللبناني. وإيران على جانبٍ من هذا التحالف يتقدّم نحو النصر، وقد أظهر ذلك قوتنا. يجب أن يحذر الرئيس الأميركي الجديد من قوى إيران".

ولا ينبغي أن تُقرأ الجملة الأخيرة باعتبارها تحذيراً روتينياً محضاً للرئيس المنتخب دونالد ترامب. إنها حقيقةً لم يدركها ترامب والمحيطون به بعد. لقد أوضح ترامب أنه يرغب في الانضمام إلى الجانب الروسي في هذه الحرب بينما هو على عداءٍ مع إيران. لكن في عالم الواقع الحقيقي فإن إيران وروسيا هما الجانب نفسه.

وربّما كان الرئيس المنتخب متناقضاً بشدّة في العديد من سياساته طيلة فترة حملة 2016 الانتخابية والفترة الانتقالية، لكنّه كان مصمماً في الثبات على واحدة. إنه بالتأكيد، وبشكلٍ قاطع، يُعارض التساهل مع طهران، التي يرى أنّها مُنحت تقريباً دعوة مفتوحة في الشرق الأوسط خلال أعوام رئاسة باراك أوباما الثمانية، على حساب المصالح الأميركية في المنطقة.

ليس ترامب هو الوحيد الذي هاجم اتفاقية إيران التي عقدها أوباما بصفتها "واحدة من أسوأ الصفقات التي عقدتها أي دولة في التاريخ" وتعهّد بتمزيقها أو إعادة التفاوض عليها، بل كل من اختارهم لمناصب الأمن القومي في وزارته معادون بارزون لإيران.

على سبيل المثال، الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس، أو "الكلب المسعور"، كان قائداً بالبحرية الأميركية، واختاره ترامب لوزارة الدفاع. وقد أخبر مركز أبحاث بواشنطن في أبريل/نيسان الماضي أن "من بين التحديات الكثيرة التي يواجهها الشرق الأوسط، أعتقد أن إيران تأتي في المقام الأول.. النظام الإيراني، من وجهة نظري، هو الخطر الوحيد المستديم على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط".

أما مايك بومبيو، عضو مجلس النواب الذي انتقد الاتفاقية الإيرانية، والذي اختاره ترامب مديراً لوكالة الاستخبارات الأميركية، فقد طالب الكونغرس سابقاً بـ"الوقف الفوري لكل شحنات النفط الخارجة من إيران، وإعادة تفعيل العقوبات الاقتصادية، ومطالبة حلفاء الولايات المتّحدة بفعل المثل".

وقد ربط بومبيو الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني بالتوسُّع الإيراني، مُشيراً إلى عدم وجود أي شيءٍ في البروتوكول يحظر على إيران "التمويل المستمر للأنشطة الإرهابية، من حزب الله إلى حماس، ومن الحوثيين في اليمن إلى الميليشيات الشيعية في العراق".

ويتفق جون بولتون، الذي يُرتقب اختياره نائباً لوزير الخارجية الأميركي؛ مع ماتيس على أن إيران هي أكثر اللاعبين الدوليين تدميراً في الشرق الأوسط، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: قال بولتون للموقع اليميني بريتبارت الشهر الماضي إن تغيير النظام الإيراني هو "الحل الوحيد على المدى الطويل".


مايكل فلين وميدان القتال


أخيراً، فإن مستشار الأمن القومي المعين من قبل ترامب، الفريق مايكل فلين المثير للجدل، هو أيضاً من أنصار إجراء عملية تغيير لنظام "الجمهوريات" المعادية للمصالح الأميركية، واختار إيران أول هذه البلاد في كتابه الأخير، "ميدان القتال: كيف يُمكن أن نربح الحرب ضد الإسلام المتطرّف".

طرد الرئيس أوباما فلين من رئاسة وكالة الاستخبارات الأميركية في عام 2014 بعد تشكيكه في المنظور الوردي الذي يرى به البيت الأبيض حالة الجهاد العالمي، التي كانت موضوعاً ساخناً وقتها. الآن يلوم رئيسه السابق على الانسحاب العسكري من العراق، والسماح لداعش بالاستيلاء على ثلث البلاد وتسليم الباقي إلى فيلق القدس الإيراني، بقيادة قاسم سليماني.

يتّهم فلين أوباما أيضاً بالترحيب بعدو أميركا الإقليمي في "احتضانٍ دبلوماسي واستراتيجي"، ويذكر أدلّة حكومية على الروابط العملياتية بين إيران وعددٍ من المجموعات الجهادية السنّية المسؤولة عن مقتل أميركيين؛ ليس فقط القاعدة ومؤسس تنظيمها في العراق، أبومصعب الزرقاوي، بل وجماعة طالبان في أفغانستان أيضاً.

لكن فلين يختلف عن بقية فريق ترامب في جانبٍ شديد الأهمية، وهو علاقته الوثيقة بموسكو، التي أدهشت البعض في الدوائر المحافظة. جلس فلين في مشهدٍ شهير إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الاحتفال الروسي بمرور 10 أعوام على إنشاء قناة روسيا اليوم الحكومية.

وتحدّث عدد من المصادر المقرّبة من فلين إلى موقع "ذا دايلي بيست"، مؤكداً أنه يرى ضرورة إشراك روسيا في الحرب على الخلافة المزعومة. إلا أنّه هو نفسه يعترف في كتابه بما صرّح به رحيم صفوي الإيراني بمنتهى الوضوح. من أجل كل نواياهم وأغراضهم، فإن فيلق القدس، وحزب الله، والروس في عناقٍ دبلوماسي واستراتيجي في العالم العربي.

وهنا يكمن التناقض بين أهداف ترامب السياسية الخارجية الواضحة. قال ترامب مراراً إنه يريد العمل مع الأسد وبوتين، اللذين يوقرهما، على هزيمة جنود داعش بقيادة أبوبكر البغدادي. (لا يهم أن الأسد وبوتين لا يمكنها حتى إخراج قوات الدولة الإسلامية من مدينة تدمر، لانشغالهما بمقاتلة المعارضة في أكثر المدن السورية سكاناً، حلب). كيف يزعم أنه سيفعل هذا ويحتوي إيران ويردعها في الوقت نفسه؟

وحتى لو أمكن، بمعجزة ما، إقناع بوتين بمساعدة الولايات المتحدة في القضاء على الجهادية السنّية وسحب نظيرتها الشيعية المدعومة من إيران، هل سيتمكن الرئيس الروسي من فعل ذلك؟
الأربع وعشرون ساعة الأخيرة علّمتنا كيف يُمكن لاستراتيجية متناقضة من الاسترضاء والعداء في التعامل مع تحالف الأسد؛ أن تبدو فوضوية.


وقف هش لإطلاق النار


اُعلن وقف إطلاق النار في حلب ليلة الثلاثاء، وانحلّ صباح الأربعاء فقط ليُعاد فرضه مساء الأربعاء. انعقد الاتفاق حصراً بين تركيا وروسيا، وخرقه النظام الأسدي والميليشيات الإيرانية. ويوم الأربعاء، استمر قصف الأحياء المدنية ورفضت الميليشيات الإيرانية السماح بدخول قافلة إخلاء طبية إلى المدينة، مطالبين أولاً بإخلاء الجرحى من قريتي كفريا والفوعة، اللتين استهدفتهما المعارضة.

لم تُشارك دمشق ولا طهران في المفاوضات التركية الروسية، لذا انصرفتا لإعادة كتابة بنود الاتفاق بالحديد والنار.

أول علامات انهيار اتفاقية وقف إطلاق النار جاءت فوراً بعد توقيعها، وفقاً لفاروق أبوبكير، مسؤول المعارضة عن التفاوض وواحد من الموقعين إلى جانب ممثلي روسيا والنظام. أخبر قناة "أورينت تي في" المعارضة بأن الثوار جلبوا مجموعة من الجرحى إلى أحد المعابر إلى حلب الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام، لكن أعضاء الميليشيات الشيعية منعوهم من المرور عند إحدى نقاط التفتيش. وتكرر المشهد في نقطة تفتيش ثانية.

وما زال نحو 80 ألفاً من المدنيين عالقين في المنطقة التي تعرضت للقصف، تقريباً بلا طعام، أو كهرباء، أو تدفئة، وهناك عدد هائل من الجرحى في انتظار الإخلاء، وآخرون عالقون تحت الركام. أُعلن عن وقفٍ ثانٍ لإطلاق النار ليلة الأربعاء، لكن لا ضمانات على أنه سيختلف عن الأول في أي شيء.

ليست وزارة ترامب القادمة مخطئة بالضرورة في تقديرها لنفوذ إيران المتوغّل في المنطقة، رغم امتناعهم الغريب عن استخدام الأزمة السورية في دعم وجهة نظرهم.

وقد اعترف مسؤولون بإدارة أوباما بأنّ سعيهم في سبيل اتفاقية نووية مع طهران كان سبباً رئيسياً في نفورهم من التدخل في الحرب الأهلية السورية لحساب المعارضة. وسقوط حلب كان نتيجة مباشرة لهذا الخيار. احترام "الأملاك الإيرانية" في بلاد الشام، كما سمّاها أوباما نفسه، كان متكاملاً مع مساعيه الطويلة للتسوية السياسية للصراع الذي دام 5 أعوام ونصف، والتي تضمنت عدم مواجهة قاسم سليماني والاتفاق على أي عددٍ من المشاريع المضيّعة للوقت بين جون كيري وسيرغي لافروف في سويسرا.

هذه "الأملاك الإيرانية" تطلق النار على النساء والأطفال في شوارع حلب، وتقتلهم بينما القيادة المركزية الأميركية تعمل كحليفها الفعلي في الحرب الدائرة ضد داعش في العراق.

المثير للسخرية أن سياسة ترامب الخارجية، بعد كل الاستعراض وكل هذه الاتهامات التي وجهها لأوباما بسبب مدّه أواصر الصلة مع الإيرانيين أعداء أميركا، ربما تنتهي به إلى محاولة فعل ما حاول سلفه فعله بالضبط، والفشل في فعله كذلك.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.