فرنسا تتأهب لزلزال سياسي قادم.. لوبان تشق طريقها إلى الجولة النهائية للانتخابات، هل تتحقق المفاجأة؟

تم النشر: تم التحديث:
5
5

على حوائط المقرات الجديدة للحملة الرئاسية لزعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، مارين لوبان، نرى صورة لرجل هوليوود القوي كلينت إيستوود. ربما يبدو خياراً غريباً لصورة بالنسبة لأكبر حزب يميني متطرف قومي معادٍ للأجانب في أوروبا، لكن مارين معجبة بشجاعة إيستوود في التصويت للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الشهر الماضي.

وأصبح "هاري القذر" (أحد أفلام كلينت إيستوود، وظهر فيها بشخصية هاري)، مثله مثل ترامب، تميمة للحظ الجيد بالنسبة لليمين الفرنسي المتطرف في معركته على رئاسة البلاد. وبدلاً من حمله لسلاح، يظهر إيستوود العجوز القوي في الشعار الجديد لحملة لوبان حاملاً زهرةٍ زرقاء، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

أطاح انتصار ترامب في الولايات المتحدة الأميركية بإمكانية توقع نتائج الانتخابات مُسبقاً، ودفع سياسي التيار الرئيسي (المعتدل) في باريس إلى التحذير من أن الزلزال السياسي المقبل قد يكون في فرنسا. سيكون فوز لوبان في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وهو الأمر الذي عُدَّ دائماً مستحيلاً، الصدمة الأكبر في السياسة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

8


الاعتراف بالهزيمة


تحمل هذه التحذيرات المملوءة بالذُعر في طيَّاتها شيئاً من الاعتراف بالهزيمة من جانب أحزاب اليمين واليسار الرئيسية. إذ ملأت هذه الأحزاب الأرض صياحاً لسنوات بأن الجبهة الوطنية حزبٌ خطير، وعنصري، ومعادٍ للأجانب والمسلمين، إلا أنهم مع ذلك لم يستطيعوا وقف الصعود البطيء المستمر للجبهة. بل حقيقة الأمر أن جميع الأحزاب الرئيسية قد استعارت خطاب لوبان حول الهجرة ومكافحة الإرهاب في محاولة لمنافستها. لكن، وكما يحب جان ماري لوبان، مؤسس الجبهة، والجندي المظلِّي الأجش السابق، ووالد مارين، أن يقول: "الناخبون يفضِّلون النسخة الأصلية أكثر من التقليد".

وتشير جميع الاستطلاعات حالياً إلى أن لوبان، التي تدير حملة انتخابية قائمة على معاداة المهاجرين والتحذير من مخاطر الإسلام على فرنسا، وتَعِد بالعودة إلى الدولة القومية والحمائية الاقتصادية (سياسة معاكسة لسياسات التجارة الحرة)، ستشق طريقها إلى الجولة النهائية من انتخابات الرئاسة الفرنسية في مايو/أيار المقبل.

لكن مع ذلك، تشير نفس الاستطلاعات إلى أنها لن تتمكَّن من الفوز، لأن سيلاً من التصويت التكتيكي لمواطنين من كافة التوجُّهات ضدها سيمنعها من ذلك. وتقول لوبان، مع ذلك، إنَّها تشعر"بالارتياح" لفوز ترامب، وترى في فوزه، جنباً إلى جنب مع تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، فجراً لنظامٍ دولي جديد. ويمثِّل ترامب بالنسبة لها دليلاً على أنه يمكن وضع "النخب السياسية والإعلامية" في حجمها الطبيعي، وإثبات إمكانية خطأ توقُّعات مؤسسات السياسة التقليدية.

لم يعد ناخبو الجبهة الوطنية مقتصرين على صورة نمطية معينة. فلم يعودوا جزءاً صغيراً من ناخبي الطبقة العاملة والشيوعيين السابقين في المناطق الصناعية القديمة المعروفة باسم "حزام الصدأ" في شمال فرنسا، أو الناخبين الأفضل حالاً من اليمينيين المتشددين في منطقة الريفييرا الفرنسية.

وتحرز لوبان تقدُّماً في الأوساط الأقل تعليماً، تماماً كما حدث مع ترامب، لكن ليس هذا هو العامل الوحيد. إذ ازداد نطاق تواجدها في المناطق التي تُعاني من انعدام المساواة؛ فتزداد فرص أن يصوِّت شخص للجبهة الوطنية كلما كان هذا الشخص يعيش في منطقة بعيدة عن محطات السكك الحديدية. ووسَّعت الجبهة أيضاً من نطاقها لتصل إلى الموظَّفين في الشركات الخاصة، والآن تتواصل مع كل طبقة في المجتمع، بدءاً من بلدات جبال الألب، وصولاً إلى البلدات في الضواحي. سيطرت الجبهة على أصوات الطبقة العاملة من اليسار، وتحقق تقدُّماً في القطاع العام، الذي كان في يومٍ من الأيام عدواً لليمين المتطرف. ويصوِّت الآن أكثر من نصف أعضاء الشرطة والجيش للجبهة الوطنية.

5


شعور واحد يجمعهم


ويقول جويل جومبان، الخبير بشؤون اليمين المتطرف، وأستاذ السياسيات في جامعة بيكاردي جول فيرن، إنَّ ما يجمع ناخبي الجبهة الوطنية هو "شعورهم بأنهم غير ممثَّلين في آليات النظام السياسي الحالي". لقد اكتفوا من الأحزاب التقليدية التي فشلت في حمايتهم من الأزمة الاقتصادية، ومن الهجرة التي يرى الكثيرون أن لها خطراً شديداً، والهجمات الإرهابية الأخيرة.

ما زالت فرنسا تحت حالة الطوارئ بسبب المخاوف من هجماتٍ جديدة وتأثيرها المحتَمل على التصويت. وما زال يجب على الحزب الاشتراكي الحاكم، الذي لا يتمتع بشعبيةٍ كبيرة حالياً، اختيار مرشحه الرئاسي، في ظل الخوف من الهزيمة في الانتخابات، كما أن التيار اليساري مُتَفَتِّت.

ويؤشِّر الموقع الجديد لمقر لوبان، الواقع في أحد أغلى شوارع باريس على بعد مسافةٍ قصيرة من القصر الرئاسي، على ثقتها المتنامية. وقال برنار برادلوند، ذو التسعة وستين عاماً، وهو عامل مؤيد للجبهة الوطنية من ضواحي باريس، أثناء هتافه لمارين في أحد الاجتماعات الحزبية بعد أن ارتدت قبعةً لرعاة البقر لامتطاء أحد الخيول خلال عرض فروسية، وهو يبتسم: "فوز ترامب أعطانا الكثير من الأمل". (ويبدو أن امتطاء الخيل باعث على التفاؤل؛ إذ فاز نيكولا ساركوزي بالرئاسة بعد أن امتطى أحد الخيول مرتدياً قميصاً لرعاة البقر في مقاطعة كامارج).

اعتاد براندلوند العمل في مجال الميكانيكا، ويقول عن عمله إنَّ الشركات متعددة الجنسيات "ابتلعت الشركات الصغيرة". بالنسبة له، يمثِّل كل من ترامب ولوبان "معاناة المواطنين في مواجهة الأوليجاركية (أصحاب الثروة)". ويقول: "الأمة والعائلة هم أساس كل شيء". ويضيف: "لا يمكنك أن تعيش وحدودك مفتوحة؛ فالثقافة ليست شيئاً يمكن تغييره. العولمة تشبه الجلوس على أريكتك تاركاً أبوابك مفتوحة، وداعياً الآخرين للدخول وأخذ ما يريدون".

يبقى مقدار استفادة لوبان من "دَفعة ترامب" غير معروف حتى الآن. فالنمو الذي حقَّقته الجبهة الوطنية خلال فترة الخمس سنوات منذ تولِّي لوبان مقاليد الأمور بدلاً عن والدها يُعَد غير مسبوق في تاريخ الجبهة. إذ حلَّت الجبهة في المقدمة في سلسلة من الانتخابات المحلية، ما قادها إلى نيْل لقب "الحزب الأول في فرنسا"، من حيث نتائج الانتخابات.

وقفزت أعداد المسؤولين المُنتَخبين من أعضاء الجبهة في مختلف المناصب: بدءاً من مناصب العُمداء، وصولاً إلى أعضاء المجالس الإقليمية، وكذلك أعضاء مجلس الشيوخ للمرة الأولى. تُعَد الجبهة الآن هي الوِجهة التصويتية الأولى للناخبين الفرنسيين في الفئة بين 18 و24 عاماً، رُغم كون هذه الفئة هي الأكثر ميْلاً للتغيُّب عن التصويت.

وحتى إذا لم تفز لوبان بالرئاسة، فإن الجبهة تبدو مرشَّحة لزيادة عدد نوَّابها في البرلمان من عضويْن فقط إلى ما يربو على 60 عضواً في الانتخابات البرلمانية التي تجري في يونيو/حزيران المقبل، وهو ما من شأنه أن يعطيها نفوذاً كبيراً في البرلمان.

وتُعد حملة لوبان العامة الأخيرة لـ"إزالة السموم" (في إشارة إلى آثار الهجرة) وتوسيع نطاق القبول لحركة معاداة الأجانب هي الأخيرة ضمن كثير من حملات العلاقات العامة والدعاية على مدار تاريخ الجبهة، الذي يمتد إلى 45 عاماً، لمحاولة جعل نفسها أكثر قبولاً لدى الناخبين.

لكن في حين أن لوبان حاولت العمل على التخلُّص من الصورة الذهنية العنيفة للجبهة وخطابها المعادي للسامية، إلّا أنها حاولت الحفاظ على توازنٍ صعب للتشبُّث بأفكارها الأكثر تطرُّفاً، بما في ذلك فكرة أن "فرنسا للفرنسيين"، وهي التي تعني أن الفرنسيين الأصليين ستكون لهم الأولوية للحصول على الإعانات والسكن والوظائف، وكذلك تصويرها للإسلام على أنه الخطر الأكبر على البلاد.

وقد سارت الأمور في فرنسا لصالحها. ففي دولة وقع فيها أكثر من 230 قتيلاً جرَّاء هجماتٍ إرهابية في أقل من 18 شهراً، وبها أكثر من 3 ملايين شخص عاطل عن العمل بعد عقود من البطالة المتفشِّية، أصبح هناك جمهورٌ متنامٍ داعم لنهجها المتشدد في الأمن والهُوية الوطنية واستهدافها للإسلام والهجرة.

ومع ذلك، مازال العديد من الناخبين خائفون من الجبهة، وهو الأمر الذي تعيه لوبان تماماً. ورصدت نونا ماير، عالمة السياسة والخبيرة في شؤون اليمين المتطرف أن "ثلث الفرنسيين فقط يعتقدون أن بمقدور الجبهة الوطنية الحكم، وأن لوبان يمكنها أن تصبح رئيسةً للبلاد".

8


إعجاب ببوتين


ولا تزال إمكانية تعزيز فوز ترامب من فرص لوبان لوجود تشابه بين أفكارهما غير مؤكَّدة. فهي تشاركه بعضاً من وجهات نظره، سواءً في موقفه المعادي للهجرة، والتزامه بالحمائية الاقتصادية، وطموحه المناهِض للسياسات التقليدية والهادف إلى الوقوف في وجه الطبقة السياسية الرئيسية، ورغبته المعروفة في "تجفيف منابع" النخبة وجماعات الضغط (اللوبيات) والمصالح الخاصة. وهي أيضاً معجبة ببوتين مثل ترامب.

لكن لا تزال هناك اختلافات جوهرية. فترامب كان مرشِّح الحزب الجمهوري الأميركي، وهو حزب رئيسي، أمّا لوبان فتتزعَّم حركة دخيلة (ليست من التيار الرئيسي). وترامب سياسي ناشئ، أمَّا لوبان فقد وُلِدت لعائلةٍ سياسية، فهي الأصغر من بين 3 أخوات شقراوات قدَّمهنّ أبوهنّ في سنٍ صغيرة ليكنَّ رموزاً للأمة الفرنسية الحقيقية، وتولت لوبان المناصب السياسية لما يقرب من 20عاماً.

وبينما قام ترامب بتصريحاتٍ خارجة أثناء تجمُّعاته الانتخابية في إفسادٍ للخط السياسي لحزبه وثورةٍ على اللياقة السياسية، خفَّفت لوبان من حدَّة خطابها في بعض القضايا، ليمكِّنها نقل حزبها إلى زمرة الأحزاب الرئيسية. كان والد لوبان هو من اعتاد لعب دور ترامب في الاحتجاج الصاخب الخارج، لكن ابنته وضعت حدَّاً لذلك بإخراجه من الجبهة العام الماضي بعد نزاعٍ مثيرٍ بسبب استهانته المتكررة بالهولوكوست.

ويقول جومبان: "لوبان من خارج التيار الرئيسي لكنها تحاول استخدام أدواته، بينما ترامب هو من الداخل أساساً ويحاول تقديم نفسه على أنه شخص من الخارج".

ويكمن الاختلاف الجوهري بين ترامب ولوبان في النظام الانتخابي لكلٍ منهما. فالرئيس الفرنسي، الذي يسيطر على أكبر قدر من السلطة التنفيذية في أي من البلاد الغربية، يُنتَخب مباشرةً في انتخاباتٍ من جولتين. ويتواجه مرشحان في الجولة النهائية، ويحتاج أي منهما إلى أكثر من 50% من الأصوات الشعبية للفوز. أمّا ترامب، الذي فاز ضمن إطار النظام الانتخابي الفريد للولايات المتحدة، فقد حاز نحو 46% من الأصوات الشعبية. وبالتالي، ما كان ترامب ليفوز لو كان في فرنسا.

وعن فرص فوز لوبان بالانتخابات الرئاسية عام 2017، يقول جومبان: "لن أقول إنَّها مستحيلة، لكنني سأقول إنَّه أمرٌ غير مرجَّح للغاية". فالحزب الدخيل (الجبهة الوطنية) ليس له حلفاء لتكوين ائتلاف في الجولة الثانية، والتصويت التكتيكي من الأحزاب الأخرى أوقفه من قبل. عندما تمكِّن جان ماري لوبان من المرور إلى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة في 2002، كان الأمر بمثابة صدمة صاعقة. لكنه هُزِم بشكل قوي عندما صوَّت الناخبون من كل الأحزاب لصالح جاك شيراك للإبقاء على عُزلة جان لوبان. هذه المرة لن يكون الأمر صادماً؛ إذ إن فرص مارين لوبان بالفوز أكبر، وسيكون الأمر متقارباً.

يكمن التحدي الأكبر في مقر حملة لوبان في الفوز بأصوات ناخبين جُدُد، خصوصاً من الناخبين كبار السن. وبشكلٍ عام، فإن الناخبين فوق الستين عاماً يذهبون إلى صناديق الاقتراع، إذ فعلوا ذلك مع ترامب، لكن في فرنسا هذه الفئة هي الأكثر ارتياباً والأقل احتمالاً للتصويت لوبان، مدفوعين في ذلك بمخاوف انتشار الفوضى في حال فازت لوبان، والقلق من تأثير سعيها للخروج من الاتحاد الأوروبي على مدَّخراتهم.

لوي أليو هو عضو في البرلمان الأوروبي عن الجبهة الوطنية من جنوب غرب فرنسا، وأحد مساعدي لوبان. وهو شريكها العاطفي أيضاً منذ 7 سنوات. يُعَد أليو، مقارنةً بشريكات المرشحين الآخرين للرئاسة، بما في ذلك الزوجة الويلزية لمرشح اليمين فرانسوا فيون، أو زوجة المرشح المستقل إيمانويل ماكرون، التي تكبره بـ24 عاماً، وقابلته عندما كانت أستاذته، أقل استهدافاً من مجلات المشاهير وهو ما يسمح له بتأدية عمله. ونادراً ما تأتي لوبان، المُطلَّقة مرتين، على ذكر حياتها الشخصية، وحتى عندما نشرت في إحدى المرات صورةً لها تقبِّل فيها أليو في حديقة، فإنها كانت للرد على شائعاتٍ أطلقتها مجلةً حول انهيار علاقتهم.


وسائل الإعلام والنخب


يقول إليو إنَّ الدفعة المعنوية التي أعطاها ترامب للوبان منبعها حقيقةً أن حملة ترامب أثبتت الخطأ الكبير لتوقعات المؤسسات السياسية التقليدية. ويقول: "الناس شاهدوا عندما قالت جميع وسائل الإعلام وعالم النخبة والاقتصاد: احذروا. كل هذا ذهب أدراج الرياح في النهاية. الناس يعتقدون أنهم (وسائل الإعلام والنخب) قالوا إن شخصاً ما لن يصل للحكم لكنه وصل، ولذا يقول الناس لأنفسهم أن شخصاً آخر ربما بإمكانه الوصول للسلطة أيضاً. إن هذا يغيِّر الطريقة التي يفكر بها الناس".

السؤال الرئيسي هو من ستواجه لوبان إذا نجحت ومرَّت إلى الجولة النهائية. تُظهِر الاستطلاعات أنه من المرجَّح أن يكون هذا المنافس هو فرانسوا فيون، اليميني ورئيس الوزراء السابق في عهد ساركوزي، وهو المرشِّح عن حزب المحافظين. توجُّه فيون اليميني المتشدد، والاجتماعي المحافظ حول قيم الأسرة و"جذور فرنسا المسيحية"، وتأكيده على "الوطنية"، وكذلك توجُّهه المتشدد تجاه الهجرة والإسلام، وأجندته الداعمة لبوتين، يتداخلون مع بعضٍ من الأفكار الأساسية للوبان، وهو ما يمكن أن يمثِّل خطراً عليها.

لكن أيضاً إعلان فيون عن إعجابه بمارغريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، وخطته لإصلاح السوق الحر للتقليص الجذري لدور الدولة الموجود في فرنسا، يمثِّلان هدية للوبان التي تتَّبع نهجاً اقتصادياً يسارياً يقوم على حمائية الدولة والتعهُّد بحماية الضعفاء من الآثار التدميرية للطبقة العليا التي ينتمي إليها فيون. ويقول إليو عن فيون إنَّه "بصراحة، إنه مرشحٌ أفضل من آخرين كثيرين بالنسبة لنا"، محذِّراً من أن المواقف المتشددة لفيون تجعله مُستَهجَناً من اليسار، وهو ما يجعلهم يُحجِمون عن الحشد للتصويت التكتيكي لصالحه من أجل منع نجاح لوبان.

ويقول جان ييف كامو، مدير مرصد السياسات الراديكالية في مؤسسة جان جوريس في باريس، إنَّ "الحاجة إلى إحراز أكثر من 50% للفوز بالجولة النهائية لانتخابات الرئاسة في فرنسا هو شيءٌ أعتقد أنه لا يزال غير ممكن بالنسبة للوبان. لكنَّ هذا لا يعني أن لوبان ليس لديها سبب يدعوها للأمل".

نجحت لوبان في جذب اهتمام مزيد من النساء أكثر من أيام والدها التي غلَّفها طابع الهيمنة الذكورية، لكنَّها مع ذلك لازالت بحاجة إلى بذل المزيد. ويقول كامو: "فئة النساء اللائي يصوِّتن لصالح الجبهة الوطنية هنَّ في أغلبهنَّ من العاملات بالمتاجر، بما في ذلك عاملات التحصيل".

ويردف: "ربما يكُنَّ في أوضاعٍ صعبة، فساعات عملهن مرنة، وعقودهن قصيرة، ويحصلن على رواتب مزرية، مع مستويات أدنى من التعليم وكوْنهنَّ العائلات الوحيدات لأسرهن، وهذه هي الفئة التي تواجه المعاناة الأكبر في الأزمات الاقتصادية".

ويُعَد الادِّعاء بأن الإسلام خطرٌ على حقوق المرأة في فرنسا، وأن مجرد وجود الإسلام يَحُد من حقوق المرأة، إحدى الرسائل الأساسية لحملة لوبان. وتبنَّت لوبان موقفاً متروّياً ومتسامحاً تجاه قضية الإجهاض في محاولة لاستمالة الناخبات الشابات (اللاتي حصلن حديثاً على حق الانتخاب).

لكن قضية الإجهاض أدَّت إلى نزاعٍ مدمِّرٍ داخل عائلة لوبان، وهو ما كشف عن تصدُّعٍ داخل الحزب. فابنة شقيق مارين لوبان، ماريون مارشال لوبان، الأكثر التزاماً ونزوعاً إلى اليمين، والأكثر محافظةً، معارضة للإجهاض، ولا تخشى إعلان ذلك.

وتُعَد ماريون (27 عاماً) أصغر أعضاء البرلمان في فرنسا، ولها شعبية طاغية بين أعضاء الجبهة، وتطمح في دورٍ قيادي فيها. وأعربت ماريون عن رغبتها في عودة الجبهة الوطنية بوضوح إلى التوجُّه المحافظ الاجتماعي والديني الواضح لتراثها اليميني المتشدِّد. لكن عمتها، مارين لوبان، ترى أنه للوصول للسلطة يتعين على الجبهة استمالة قدر مهم من الناخبين اليساريين، وذلك من خلال إظهار مرونة في القضايا الاجتماعية. ويمكِّن أن يشكِّل التوتر بين السيدتين تحديّاً للحملة.

الجبهة الوطنية ليست خالية من المشكلات. فهي تواجه تحقيقات قانونية حول مخالفاتٍ مزعومة شابت الحملة، وهو ما تنكره الحملة الانتخابية للجبهة، لكن يبدو أن منافسيها سيحاولون استخدامه ضدها. وكما أشار عالم السياسة الهولندي كاس موديه: "لم يفز أي مرشَّح شعبوي يميني متطرِّف بأغلبية انتخابية صريحة في أيٍ من الديمقراطيات الراسخة في فترة ما بعد الحرب".

لكن لوبان، التي حلَّت ثالثةً في الانتخابات الرئاسية الماضية بأكثر من 6 ملايين صوت، تقول إنَّها تحب التحدي. ويقول إليو: "إنَّها تُعِد لمعركةٍ صعبة". ويشير شعارها الجديد من خلال الوردة الزرقاء التي يلوِّح بها إيستوود، وهو الأمر الذي لم يحدث حقيقةً (إذ لم يقم إيستوود بالتلويح بوردةٍ زرقاء)، لكنه تم اختلاقه، إلى "المستحيل الذي يمكننا جعله ممكناً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.