تكاد تشعل نزاعاً عالمياً.. ما هي "الصين الموحدة" التي هددتها مكالمة هاتفية؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

عندما تلقى الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب اتصالاً من الرئيسة التايوانية تساي إينغ-وين أصبح أول رئيس منتخب يتحدث إلى رئيس تلك الجزيرة منذ 40 عاماً.

لكن تلك المكالمة أدخلت القوى العالمية في خلاف دبلوماسي حول أحد أسس العلاقات الأميركية-الصينية: إنه الدعم الأميركي لسياسة "الصين الموحدة"، وفق تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية، الأربعاء 14 ديسمبر/كانون الأول 2016.

لجزيرة تايوان حكومة ديمقراطية، وتحتل مراتب عليا في مجالات الرعاية الصحية وحرية الصحافة والتربية والتعليم الحكومي، بيد أن الصين تعدها مقاطعة شردت عن طوق الوطن الأم، لا دولة مستقلة حرة تجري مكالمات مع المجتمع الدولي الرحب.

وخلال 24 ساعة من تلك المكالمة انتقدت بكين أسلوب الرئيس المنتخب الجديد الخارج عن الأعراف الدبلوماسية، وذكَّرته بالتزام بلاده الولايات المتحدة التاريخي بالتعامل مع دولة "الصين الموحدة"، وأرسلت صحف موالية لبكين تحذيرات وانتقادات لاذعة لترامب الذي وصفته بأنه "جاهل كطفل"، ودعت بلادها إلى زيادة التسليح النووي، كما شدَّد مسؤولون صينيون أن قضية تايوان هي قضية "سيادة" غير قابلة للمساومة.

لكن ترامب في مقابلة الأحد الماضي على قناة فوكس نيوز قرَّر المغامرة قائلاً إن موقف الولايات المتحدة المستقبلي حيال تايوان قد يرتبط بالاتفاقات التجارية. وقالت الحكومة الصينية إنها "قلقة جداً" من هذا التغير في السياسة الخارجية المتبعة.


فمَاذا تعني "الصين الموحدة"؟


منذ الحرب الأهلية الصينية عام 1949 وتايوان تؤوي مقر حكومة جمهورية الصين ROC التي فرَّت إلى تلك الجزيرة بعد هزيمتها على أرض الوطن الأم على يد ماوتسي تونغ وحزبه الشيوعي.

لكن جمهورية الصين الشعبية PRC التي انتصرت في تلك الحرب والتي اتخذت لها مقعداً في مجلس الأمن عام 1971 ادعت ملكيتها لتايوان، ما أجبر المجتمع الدولي على قبول صين منقسمة والالتزام بعلاقات دبلوماسية، إما مع هذا الطرف أو ذاك.

أثناء الحرب الباردة، حافظت الدول الغربية على علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة جمهورية الصين ROC التي كانت ترى في نفسها آخر قلعة صامدة في البلاد التي سيطر عليها الشيوعيون، أما الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه فقاموا بدعم جمهورية الصين الشعبية الشيوعية، والتعامل معها تجارياً.

ثم كان في عام 1992 أن عقد الطرفان اتفاقاً رسمياً على أن هناك صيناً واحدة، لكنهما اتفقا أيضاً أن يظل موضعَ خلافٍ بينهما موضوعُ أيّ الحكومتين هي الشرعية.

وينص دستور جمهورية الصين الشعبية PRC على أن "الواجب النبيل لكل الشعب الصيني وإخوته المواطنين في تايوان هو تحقيق الغاية السامية في إعادة توحيد الوطن الأم" كما ينص بإصرار على أن أي دولة تسعى لإقامة علاقات دبلوماسية معهما ينبغي عليها الموافقة على نموذج "الصين الواحدة" المتفق عليه.

وبهذا تنقطع كافة العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، وبالتالي لا تعترف بتايوان رسمياً سوى 21 دولة إلى جانب الفاتيكان، ومن أهم تلك الدول الباراغواي التي تحتل المركز 100 على لائحة أكبر اقتصاد عالمي حسب إحصاء البنك الدولي.


كيف كان موقف الولايات المتحدة من "الصين الموحدة"؟


عام 1972 وقَّع الرئيس ريتشارد نيكسون أول ثلاث "بيانات مشتركة" ترسي أسس الموقف الأميركي الرسمي إزاء تايوان، وجاء في ذلك البيان "إن تايوان جزء من الصين، وأن الولايات المتحدة لا تتحدى هذا الوضع."

لكن الولايات المتحدة مع ذلك استمرت في التعاطي مع حكومة جمهورية الصين ROC في تايبيه حتى عام 1979، عندما قام الرئيس جيمي كارتر بتغيير وجهة القنوات الدبلوماسية الأميركية من تايبيه إلى بكين.

احتفظت إدارة كارتر بالعلاقات مع تايوان، بيد أنها أحجمت عن الاعتراف بجمهورية الصين دولة رسمية. وبهذا كان الرئيس كارتر آخر رئيس أميركي يتحدث إلى قائد تايواني.

وفي عام 1989 قال الرئيس بوش الأب على مأدبة عشاء رسمي في الصين "بناء على حجر أساس مبدأ علاقتنا القائم على "صين واحدة" فقد وجدنا لأنفسنا طرقاً للتعاطي البناء مع تايوان دون إثارة ضغائن".

وحتى رغم أن أوباما أغضب السلطات الصينية بتكرار لقاءاته مع الدالاي لاما الزعيم الروحي لمقاطعة التبت المتنازع عليها فإن متحدثاً باسم البيت الأبيض قال لصحيفة Taipei Times التايوانية في سبتمبر/أيلول 2016 "إننا نظل ملتزمين جداً بسياستنا: الصين الموحدة.. وهو الموقف الذي يبدو أن ترامب عازم على تغييره".


ماذا يأمل ترامب أن يستفيده من تايوان؟


يرى ترامب في نفسه الرجل صانع الاتفاقات الكبرى، ولعله يأمل أن يستخدم تايوان كي يحصِّل تنازلات تقدمها له بكين في مجالات ونواحٍ أخرى.

لقد اتسمت لهجة ترامب في حملته الانتخابية بالعدوانية تجاه الصين، ففي مايو/أيار 2016 اتهم ترامب الصين بأنها "تغتصب بلادنا" مستغلة عجز الولايات المتحدة التجاري، كذلك لجأ ترامب إلى موقع تويتر كعادته للتعبير والتنفيث عن عدوانيته عقب المكالمة الهاتفية من تايبيه، فغرد قائلاً: "هل أخذت الصين رأينا في تقليل قيمة عملتها (ما يصعّب التنافس على شركاتنا) وفي فرض ضرائب باهظة على منتجاتنا التي نصدرها إلى بلادهم (مع العلم أن أميركا لا تفرض على صادراتهم لنا أي ضرائب مماثلة)، أو في بناء قاعدة عسكرية ضخمة في بحر الصين الجنوبي؟ لا أظن ذلك! (5 ديسمبر/كانون الأول 2016)

إن ترامب بإعادته فتح ملف تايوان القديم المغلق يتخذ لنفسه موقعاً على طاولة المفاوضات ويستخدم ورقة سياسة "الصين الموحدة" في يده وسيلة ضغط في المفاوضات.

وعن هذا الموضوع قالت جوانا لي رئيسة معهد دراسات وأبحاث Chung Hua 21th Century في تايبيه متحدثة لـCNN "ليس من مصلحة تايوان أن يكون دورها ورقة ضغط على الطاولة".

لكن لعل تايبيه قد تتنفس الصعداء في ارتياح إن أقنعت نفسها أن عودة ملفها وحساسية وضعها إلى الأضواء ما هو إلا مجرد عامل من عوامل أسلوب ترامب الذي ينقصه الوقار والذي انتدب نفسه ليحدث تغييراً جذرياً في النظام المتبع.

وقالت زينيا ويكيت رئيسة مشروع الولايات المتحدة والأميركتين في معهد العلاقات الدولية والدراسات الملكية تشاتام هاوس "علينا أن نندهش" من تصرفات ترامب حيال تايوان.

وتابعت ويكيت للإندبندنت "يقول [ترامب] إنه ليست لديه أفكار أو تصورات مسبقة مخططة ولا أيديولوجية فكرية مرتبة، لذا علينا أن نندهش كثيراً إن هو قال: لم لا أتحدث إلى تلك البلاد الأخرى؟ ليس بيني وبينها أي ضغائن".

وتضيف: "إن الدخول بلا خطط وتصورات مرتبة مسبقاً ومن دون إحساس بأن الماضي مهم، كل هذا يمنحه بالفعل مصدر قوة، والآن نرى الصينيين يمنحونه مجالاً كي يلعب ويتحرك لأنهم لا يعرفون مقدار جديته، ما يرضي رغبته في التصرف على نحو غير قابل للتكهن".

لعل صعوبة التكهن بتحركات ترامب وما يجول في فكره قد يخدع خصومه ويقودهم إلى ارتكاب غلطة أو خطوة في الاتجاه الخاطئ مبدئياً على المدى القصير، لكن ويكيت ترى أن اتباع أميركا أسلوب التذبذب هذا الذي يصعب التكهن به أمرٌ يصب بنهاية المطاف في مصلحة الصين، موضحة "ترامب يلعب على المدى القصير، أما الصين فتلعب على حبل المدى البعيد".


هل يفعلها ترامب؟


لقد أوضح الملياردير رجل الأعمال الثري تواً أنه لا يوجد لديه أي موضوع غير قابل للتفاوض عنده، لكن مقالة رئيسية أفردتها صحيفة Global Times الصينية الرسمية المتحدثة بلسان الحزب الشيوعي شبهت أي عملية تفاوض على سياسة "الصين الموحدة" بأنها مثل تسعير الدستور الأميركي للبيع.

فقد جاء في المقال "إن سياسة "الصين الواحدة" ليست للبيع" ووصفت ترامب بأنه "ساذج" ودعت إلى "نضال كبير كي يفهم [ترامب] أن الصين وغيرها من قوى العالم ليست لقمة سائغة سهلة".

وقالت د. روزميري فوت من جامعة أوكسفورد لصحيفة الإندبندنت، إن "الولايات المتحدة وضعت الكثير من مصالحها المحققة في الصين، وبالتالي يصعب على ترامب أن يحول أقواله وكلماته إلى أفعال. فالعديد من الولايات الأميركية منفردةً ترى الصينَ سوقاً اقتصادية مهمة جداً".

وتابعت فوت: "كذلك فالصين تعرف أن العديد من جيرانها لا يريدون مشاهدة المنافسة تحمى وتشتد بينها وبين الولايات المتحدة، فإن مضى ترامب وصعَّد من التوتر، عندئذٍ ستتوقف تلك الدول عن اعتبار الولايات المتحدة مصدر الاستقرار في المنطقة، وهنا ستتقارب أكثر مع الصين".

في نهاية الأمر، حسب قول فوت "إن الصين غير مهتمة بعقد مساومة تجارية في هذا الشأن، فاسترجاع تايوان بالنسبة لها قضية ومصلحة أساسية".

كما أن مقالة رئيسية أخرى في صحيفة Global Times الصينية نفسها حذرت يوم الإثنين 12 ديسمبر/كانون الأول 2016 من أن "فارق القوة بين الصين والولايات المتحدة في اللحظة الحالية هو الأصغر تاريخياً".

ونقلت الإندبندنت عن المقالة الصينية تكهناتٍ حول ما قد تفعله الصين رداً على جس أميركا نبض تايوان، فتوقعت سيناريوهات مثل توسيع الصين لدائرة مساعداتها الاقتصادية لكوريا الشمالية، أو ربما تعمد إلى الإضرار بالمُصدّرين الأميركيين عن طريق خفض قيمة عملتها، كما ذهبت الصحيفة الصينية أبعد من ذلك لتلمِّح إلى "استخدام القوة العسكرية" وسيلةً لـ"تحقيق الوحدة" ووضع نهاية لمسألة "الصين الواحدة".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.