"كيف تطهو لاجئاً في الفرن".. هل تواطأت شرطة الولاية الأكثر عداء للاجئين في ألمانيا مع الإرهابيين ضدهم؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

لشهورٍ عدة، كان أعضاء خلية إرهابية يمينية يقضون مساءهم بمحطة وقود في مدينة فرايتال بولاية ساكسونيا الألمانية، يشربون الجعة، ويأكلون البوكفورست (نوع من السجق الألماني)، ويخططون لشنِّ هجمات على اللاجئين والمعارضين اليساريين.

كل هذا كان يحدث مباشرةً أمام أعين الشرطة المحلية، التي يقع مقرها في الجهة المقابلة بنفس الشارع. والآن، اتضح أن أحد أفراد الشرطة كان يساعدهم طوال الوقت.

ويخضع حالياً الشرطي البالغ من العمر 51 عاماً، الذي فُصل من الخدمة الأسبوع الماضي، للتحقيقات بشأن تزويد هذه المجموعة الإرهابية بمعلوماتٍ حول الأوقات والأماكن التي تنتشر فيها عناصر الشرطة بالمدينة.

وتُعَد هذه المعلومات مفيدة لهؤلاء الذين يريدون تفجير سيارة عضو مجلس المدينة المنتمي لحزب اليسار، أو إطلاق ألعاب نارية عبر نافذة منزل أحد طالبي اللجوء.


كيف تطهو لاجئاً في الفرن؟


بعد مظاهرةٍ اندلعت صيف 2016، تجمَّع عامل في خدمة رعاية كبار السن، وبعض سائقي الحافلات، ومتدرب في السكة الحديد، وعامل بالمخازن، وشاب عاطل ينتمي لمجموعة "الهوليغانز" المشاغبة المعروفة باسم "قبضة الشرق"، في حانةٍ كئيبة بمدينة فرايتال، وقرروا تأسيس خليتهم الإرهابية.

وسرعان ما تصاعدت وتيرة عنف هجماتهم. وعندما فجرت المجموعة نوافذ المطبخ بإحدى منازل طالبي اللجوء في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، نجا أربعة شباب سوريين من الموت أو الإصابة البالغة، بفضل سرعة رد فعلهم وخروجهم للتو من المطبخ نحو الرواق.

كان شاهد مجهول قد زوَّد الشرطة قبل الهجوم بأيام بصور محادثات المجموعة الإرهابية على تطبيق "كاكاو توك" الكوري. دارت محادثات المجموعة حول متفجرات "كوبرا 12"، التي كانوا يشترونها من الشيشان، ويطلقون عليها اسماً مستعاراً وهو "الفاكهة"، ويتمازح أفراد المجموعة بشأن الهجمات المحتمل تنفيذها.

وفي إحدى الرسائل، كتب قائد المجموعة، تيمو إس، يقول إنَّ قدوم آلاف اللاجئين إلى مدينة درسدن أمر جيد، وأضاف أنه سيأخذ حفنة منهم لطهوهم وتنظيفهم، وأنه بمناسبة ذلك لديه فرن يحتاج إلى شيءٍ ليُحرَق فيه.

في مساء إحدى أيام الجمعة، كانت محطة وقود آرال، التي دأبت المجموعة على الالتقاء فيها مهجورةً تقريباً، وتمت إزالة ملصق لفريق كرة القدم دينامو درسدن، كان معلقاً في ممر السيارات، ويحمل شعار "خلّاقون بعنف".

ورداً على سؤاله عن المجموعة الإرهابية، قال موظف الخزينة بالمحطة: "لم يكونوا بالداخل! كانوا يقفون في الخارج، وكانوا هادئين".

وبدأ النائب العام المحلي بالولاية التحقيق مع أربعة من أفراد المجموعة بشكلٍ فردي على خلفية اتهامهم بتنفيذ تفجيرات (لم يُقتل أو يُصاب أحد على نحو بالغ في هذه التفجيرات). بعدها في أبريل/نيسان 2016، طلب النائب العام الفيدرالي ملفات القضية، وتولى مهمة التحقيقات.


هل تم بالفعل التحقيق معه؟


عندما أُلقِيَ القبض على أعضاء مجموعة فرايتال بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية، بدت المدينة كما لو كانت ستصبح نموذجاً لمحاربة إرهاب التيار اليميني في ألمانيا، في وقتٍ ارتفع فيه عدد الهجمات الإرهابية ضد اللاجئين على نحوٍ بالغ خلال العامين الماضيين.

وهذه هي المرة الأولى التي يقرر فيها النائب العام -الذي يهتم أكثر بالتحقيق في جرائم الإسلاميين ومتطرفي تيار اليسار- فتح تحقيقٍ في هجماتٍ لتيار اليمين باعتبارها هجماتٍ إرهابية.

لكن الكشف الأخير عن تآمر أحد أفراد الشرطة مع الجماعة الإرهابية يزيد من الضغوط التي تواجهها الشرطة والسلطة القضائية، بسبب الطبيعة الغامضة للتحقيقات، وفقاً لما جاء بموقع "ديلي بيست" الأميركي.

ويقضي فالنتين ليبمان، المتحدث باسم حزب الخضر في ولاية ساكسونيا، معظم وقته في إزعاج الحكومة الألمانية المحافظة بالاستِجوابات البرلمانية. ويشعر ليبمان "بالانزعاج"، على حد وصفه، بسبب هذه القضية، ويعتقد أن النائب العام يحاول احتواء القضية المتهم فيها جماعة فرايتال. كما يزعجه نقص المعلومات التي تُنشَر عنها.

وفي الأسبوع الماضي، وجَّه حزب الخضر استجواباً للحكومة، يطالب فيه بمعرفة متى تحديداً فُتِحَ التحقيق مع ضابط الشرطة. وأثار الحزب هذا السؤال لأن هناك معلومات تفيد بأن "تيمو إس"، قائد المجموعة الإرهابية، والبالغ من العمر 27 عاماً، أبلغ السلطات عن اسم الضابط في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي 2015.


جرائم "ساكسونيا"


وفي ساكسونيا، وغيرها من الولايات التي كانت خاضعةً للاحتلال السوفيتي في ألمانيا الشرقية سابقاً، لم تنشر الصحافة، لالتزامها بالأيديولوجية الرسمية للدولة، معلوماتٍ عن أية حوادث ارتكبها متطرفو التيار اليميني.

وقبل انهيار حزبه مباشرة في عام 1989، ادَّعى إريك هونيكر، رئيس الحزب الشيوعي، أن "رهاب الأجانب متجذر في العقلية الألمانية. لكن هنا في ألمانيا الشرقية أو جمهورية ألمانيا الديمقراطية، تغلّب المواطنون على هذا الأمر".

لكن في الواقع، لم تكن الولاية يوماً مُحصَّنةً ضد تطرف تيار اليمين.

إذ كانت درسدن، عاصمة الولاية، مهداً لاحتجاجات حركة "بيغيدا" المعادية للهجرة، ومركز جذب لكل من يبحث عن ضالته في أفكار تيار اليمين المتطرف، وذلك منذ انتخاب الحزب الوطني الديمقراطي القومي المتطرف في برلمان الولاية عام 2004.

في عام 2011، كُشف النقاب عن خلية إرهابية للنازيين الجدد، مسؤولة عن قتل تسعة مهاجرين في مدينة تسفيكاو القريبة من العاصمة درسدن. كانت الخلية المكونة من ثلاثة أشخاص، التي أطلقت على نفسها اسم "The National Socialist Underground"، مختبئةً وتنفذ عمليات السرقة والقتل ضد المواطنين على مدار عقدٍ كامل.

لم تكن ساكسونيا أيضا بمنأى عن رهاب الأجانب والعنف المصاحب له في العام الماضي، عندما وصل مئات آلاف اللاجئين إلى ألمانيا. فقد سُجل 64 هجوماً على مساكن اللاجئين في الولاية، وهو أعلى معدل بين جميع الولايات الألمانية. كما ارتكب متطرفو تيار اليمين نحو 201 حادث اعتداء ضد المهاجرين، وهو ثاني أعلى معدل بعد ولاية شمال الراين- وستفاليا المكتظة بالسكان.

وبرزت مدينة فرايتال كواحدة من المناطق التي استقبلت طالبي اللجوء بالإشارات البذيئة، وقطع الزجاج المكسور، والمتفجرات، بدلاً من استقبالهم بالشموع والورود مثلما حدث في مدنٍ ألمانية أخرى.

وتطايرت الزجاجات، والبيض، والألعاب النارية في الهواء في يونيو/حزيران العام الماضي، عندما تجمَّع الناس على نحو متكرر للتظاهر أمام فندق قديم، أُعِدَ لاستقبال طالبي اللجوء مؤقتاً. بعدها في يوليو/تموز 2015، التقط مراسلٌ صورةً لرجلٍ متقاعد يجلس على كرسي أمام حانته، بينما يلوِّح بيديه بتحية هتلر الشهيرة أمام مظاهرة مؤيدة للاجئين. اعتذر الرجل لاحقاً وتعلَّل بأنه كان "مخموراً".


تربة خصبة لرعاية الإرهاب


يصعب على السكان تحمُّل نظام الفحص الوطني الألماني الجديد في ولاية طموحة كساسونيا. فمنذ توحيد ألمانيا عام 1989، حرصت الولاية على أن تكون نموذجاً لدولة ألمانيا الحديثة، عن طريق التقييم المدرسي الممتاز، والتفوق على الولايات الألمانية الشرقية سابقاً اقتصادياً. لكن الآن، أُلصقت بالولاية شهرة جديدة عبر عناوين الصحف التي حملت عباراتٍ مثل: "لدى ساسكونيا مشكلة"، و"لهذه الأسباب تعد ساكسونيا تربةً خصبة لرعاية رهاب الأجانب"، و"الولاية الفاشلة".

ويعتقد ليبمان، المتحدث باسم حزب الخضر، أيضاً أن ساكسونيا من أكثر الولايات التي تعاني مشكلات رهاب الأجانب. فقد قال لموقع "الديلي بيست" الأميركي: "كل الولايات تشير بأصابع الاتهام إلى ساكسونيا، حتى وإن كانت ترتكب هذه الولايات نفس الأخطاء".

كما يرى أن جزءًا من هذه المشكلة تسببت فيه حالة الرضا عن النفس التي ينعم بها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي قضى فترة طويلة في الحكم، وكذلك الشرطة والسلطة القضائية، إذ لا يرغب أىٌّ من هذه الكيانات في الاعتراف بأخطائه.

وتابع بقوله: "هذه المشكلات باتت تحيط بنا. بالتأكيد لدى الحكومة مشاكل في التعامل مع كيانات تيار اليمين المتطرف، وهي لا تفعل أي شيء حيال هذا الأمر".


حتى الألمان لم ينجوا منهم


في مدينة فرايتال، اختار حزب اليسار مقره بالقرب من محل طباعة مهمل. معلقٌ على نوافذ الحزب ملصقات تقول "100% اجتماعي".

كان الحزب اليساري هدفاً واضحاً لتيمو إس ورفاقه. فبالإضافة إلى تفجيرهم سيارة عضو المجلس المحلي، الذي تحدث مدافعاً عن اللاجئين، فإن أعضاء الخلية الإرهابية متهمون أيضاً بتخريب مقرات الحزب، ومحاولة تفجير مشروع سكني بديل في مدينة درسدن.

وفي محطة الحافلات، بينما كنَّا منتظرين، اشتكت شابتان من السمعة السيئة التي التصقت بالولاية. وقالت إحدى السيدتين: "يشير الجميع بأصابع الاتهام إلينا، رغم أن كل ألمانيا مدانة".

كانت هذه السيدة تشير في حديثها تحديداً إلى إرهابي يميني ليس من ساكسونيا: رجل يبلغ من العمر 44 عاماً من مدينة كولونيا، اتُّهم بطعن هنرييت ريكر، حليفة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في رقبتها، باستخدام سكين في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2015. أصيبت ريكر على نحوٍ بالغ، لكن لم يطلق أحد على كولونيا "المكان الذي تخجل منه ألمانيا"، مثلما قالت صحيفة ألمانية عن مدينة فرايتال العام الماضي.

تقول السيدة الشابة "ما يكتبونه عنّا غير صحيح. لسنا كلنا نازيين جُدداً. ولكن نحن سكان ألمانيا الشرقية سابقاً دائماً مستهدفون".

لا تأتي كتب الرحلات والسفر على ذكر مدينة فرايتال. باتت المطاعم، والملاعب، وأماكن انتظار السيارات، ومحطات الوقود شبه خاوية. وأصبحت المدينة الصناعية سابقاً مدينة أشباح، ليس فقط منذ العام الماضي، بل على مدار القرن الماضي. لا تشبه الحياة في فرايتال العاصمة درسدن، ولا تشبه أيضا حياة القرية، ويميل الناس إلى الرحيل عنها بدلاً من السفر إليها.

وكانت فرقة مناهضة للعنف تدعى "Loud against Nazis" قد عرضت تقديم حفلٍ في مدينة فرايتال في فبراير/شباط القادم، لكن محافظ المدينة رفض. لم يكن رفضه لأسبابٍ شخصية، ولكنه برَّر رفضه للمراسلين قائلاً: "فرايتال مدينة هادئة ليلاً".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.