"حسام وكباريه فيولين".. حكايات الحرب والجنس في عاصمة الأسد

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

قبل شروق شمس صباح خريفي صافٍ مباشرةً، تغادر حافلة صغيرة دمشق. تنعطف في البداية حول الطريق السريع الشمالي لتجنُّب القنَّاصة الذين قد يكونون منتظرين في كمائنٍ قرب الجبهة. ستعود لاحقاً إلى الطريق السريع وتُسرِع باتجاه الشمال نحو النطاق الساحلي. إنَّها تتَّجه إلى حمص.

تحمل الحافلة على متنها صباح الخميس ستة أشخاص، يقيم جميعهم في جزءٍ من سوريا يسيطر عليه رئيس النظام السوري بشار الأسد. هُم أعضاء مجموعة "مغامرة فينكس" للتنزُّه سيراً على الأقدام، التي تتكون من ساقٍ في حانة، وطالبة جامعية، ومصمِّم، ومهتم بالرياضة، ومدرِّب رياضي، وخبير تجميل، وكلب من نوع الراعي الألماني. إنهم يخطِّطون لقضاء اليوم بالخارج في الطبيعة الرائعة.

المزاج مبتهج. فيصيح كنان حداد، صاحب الحانة، قائلاً "المغامرة في انتظارنا!" وما زال صوته خاملاً قليلاً.

صحيفة "دير شبيغل" الألمانية أشارت في تقرير لها إلى أنه في الوقت الذي تواجه الحافلة فيه صعوبات على جانب جبل قاسيون، تقف وراءه دمشق، عاصمة نظام الأسد، مثل بحرٍ ممتد إلى ما لا نهاية من المباني الرمادية البنية، وتبرز المآذن وأبراج الكنائس من وسط شبورة الصباح الباكر. ويقف القصر الرئاسي، متيناً كمستودعٍ حصين على تلٍّ محيط بالجبل القاحل، بينما تنكمش المدينة بالأسفل، ربما بسبب الخوف.

تسقط إليدا سنجر، 21 عاماً، وهي طالبة اقتصاد ذات أظافر وردية اللون، على أحد المقاعد الضيقة، مرهقةً من احتفالات الليلة السابقة. تقول إنَّها تدعم الأسد لأنَّها سعيدة بأنَّها تستطيع الاستمرار في دراسة الاقتصاد والذهاب إلى الحفلات. لا سيما في الوقت الحالي، إذ تهبط على العاصمة قنابل أقل.


الأمر الوحيد الذي يهتم بشأنه


يجلس حبيبها، صاحب الحانة، كنان، بجوارها. يبدو صغيراً، وقوياً، ومصاباً بالصلع المبكِّر، وذا ضحكة صبيانية، وهالات سوداء حول عينيه. يقول "لا تحيا سوى مرة واحدة". فرَّ كل أصدقائه تقريباً إلى أوروبا، ولكنَّه قرَّر افتتاح حانة بدلاً من ذلك، ويحتفل الآن بقدر ما يستطيع. يقول إنَّ الدولة ما زالت قائمة فقط في المناطق التي يسيطر عليها النظام. والاستقرار الذي توفِّره هو الأمر الوحيد الذي يهتم بشأنه.

لكل مَن على متن الحافلة أسباب مختلفة لتأييد النظام. ولكنَّهم يتشاركون سبباً واحداً، وهو: الخوف من تنظيم الدولة "داعش". وهذا نتاج استراتيجية الأسد الناجحة في تصوير نفسه بأنَّه أخف الأضرار التي لا تُعَد ولا تُحصَى. وحتى مع فرار الملايين من البلاد للهروب من أهوال الحرب، دفع تنظيم الدولة أيضاً بالعديد من الناس إلى أحضان الأسد.

في الوقت الذي تتوجه فيه الحافلة الصغيرة نحو حمص، كان قصف معاقل قوات المعارضة في حلب الشرقية مستمراً بخطى سريعة، مع إلقاء الطائرات والمروحيات الروسية والسورية قنابلها، بينما تغزو الميليشيات الشيعية الحيَّ تلو الآخر. (كانت الرحلة قبيل سريان اتفاق وقف إطلاق النار شرقي حلب في 6 تغ من صباح اليوم الخميس 15 ديسمبر/كانون الأول 2016).

وفيما يشقّ النظام، المدعوم من كلٍّ من إيران وروسيا، طريقه ببطءٍ نحو انتصارٍ عسكري في مدينة حلب شمالي سوريا، ما قد يمثِّل نقطة تحوُّل للبلاد. لا تقدِّم المجموعة سوى إجابات جافة عند سؤالها عن القنابل التي تسقط الآن على مدارس حلب ومشافيها.

يقول كنان: هكذا هي الحرب.

وتقول إليدا: ماذا يمكن للحكومة فعله سوى ذلك؟ عليها أن تدافع عن دمشق. علينا أن ننجو.

ويقول قائد المجموعة: المدنيون في حلب هُم الملامون، فهُم يوفِّرون مأوى للإرهابيين.


أحب دمشق


تبدو الحياة في دمشق، موطن مجموعة "التنزه سيراً"، الواقعة على بعد 350 كم من حلب جنوباً، للوهلة الأولى طبيعية لأقصى حدٍّ. في مركز المدينة، الإشارة الوحيدة إلى وجود حرب قائمة هي نقاط التفتيش المتعددة وملصقات صور الشهداء المعلَّقة في كل مكان. فالأسواق في الشوارع المتعرِّجة في البلدة القديمة مليئة بالناس. السجاجيد وأغطية الهواتف المحمولة معروضة للبيع، وثمة ذهب وفضة للبيع، إلى جانب حوامل تبيع ملابس داخلية من الدانتيل وحمَّالات صدر تنفتح مشابكها عندما تصفق بيديك.

يشوي الطهاة في البلدة القديمة كبابهم الشهير، وتُسخَّن الأرضيات الرخامية في فناءات الفنادق والمحال التجارية مرة أخرى من أجل الشتاء، ويواصل الحُجَّاج الوفودَ من مناطق بعيدة لزيارة المسجد الأموي. يرتدي زوار دار الأوبرا الفخمة بذلات وفساتين سهرة، بينما ما زالت الإعلانات تُقال بالإنكليزية والفرنسية والعربية، وكأنَّ دمشق لا تزال تقريباً العاصمة العالمية التي كانتها سابقاً.

في الميدان المواجه لدار الأوبرا، عُلِّقت مؤخراً لوحة ذات نقشٍ يقول "أنا أحب دمشق". وُضِعت هناك بوصفها جزءاً من حملة إعلانية يديرها قسم التسويق بالمدينة، وهي تُستخدَم كذلك من أجل عقد ماراثون. صُنِعت فيديوهات مُصوَّرة بالطائرات باحترافية للزهو بالمدينة. العاصمة هي حصن الأسد وجبهته الأقوى في الحرب الدعائية. الرسالة واضحة: دمشق عادية والحياة تستمر حيثما يسيطر النظام.

لذلك أيضاً ليس ثمة دمار ظاهر في مركز المدينة. فعندما تسقط القنابل على البلدة القديمة والأحياء المحيطة بها، يُسرِع الحرفيون مع رجال الإسعاف لتغطية آثار الحرب. يفعل الأسد كل ما في وسعه لتصدير صورة عن عاصمة مزدهرة أمام بقايا بلده المدمَّر. بلد كان يوماً ما يُدعى سوريا.

بعد ساعتين، والشمس ساطعة في السماء، تطوف حافلة مجموعة "التنزه سيراً" مدينة حمص، حيث ازدهر التمرُّد يوماً ما، التي عاقبها الأسد بدوره عقاباً وحشياً. صارت أجزاء كبيرة من حمص اليوم تشبه إلى حد كبير بلدة أشباح، بينما يصعد الدخان من البقايا التي تمرّ بنا على مسافةٍ بعيدة. لا يلاحظها أي شخص من مجموعة فينكس، بل يفضِّلون الثرثرة حول الجعة، وخاصةً حول حقيقة أنَّهم مضطرون إلى تناول جعة من لبنان، التي يشكون أنَّ جودة طعمها لا تقارب جودة طعم البيرة السورية؛ وذلك بسبب تدمير كل مصانع البيرة السورية.


لا شيء في المنتصف


تعالوا إلى اللاذقية، قال أحدهم من مؤخرة الحافلة. اللاذقية هي معقل الأسد، وهي مثيلة إبيزا في سوريا، حيث تقع على ساحل البحر المتوسط. يصيح قائد المجموعة قائلاً "ما زالت هناك حفلات رائعة في حلب أيضاً!" كما يضيف أنَّ المقاطع التسويقية للسهرات في حلب الغربية، التي أصدرها النظام ضمن حملته الدعائية، صحيحة. تُظهِر الفيديوهات السياحية الغريبة حلب الغربية غير متأثرة، من خلال إظهار ساحاتها الخضراء النقية، ومسابحها الفيروزية التابعة للفنادق، والملاهي الليلية المزدحمة.

بيد أن الفجوات لا يصعُب العثور عليها في هذه السردية، حتى في دمشق. فالاقتصاد هالك، ويشكو الباعة من انهيار الأرباح، ويخشى اللاجئون الذين اتخذوا من المدينة وضواحيها مأوى لهم، والبالغ عددهم 1.8 مليون لاجئ، من فصل الشتاء. لا يستطيع تحمُّل تكلفة الزيت اللازم لتشغيل المواقد المعدنية الصغيرة، التي يستخدمها الفقراء هنا للتدفئة، سوى القليلين. يسكن ما يصل إلى 10 أُسَر في بعض الحالات داخل منزلٍ واحدٍ في البلدة القديمة.

يدوِّي زئير مولِّدات الديزل في شوارع المدينة؛ نتيجة عدم توفُّر الكهرباء سوى بضعة ساعات في كل مرة. في الأحياء الفقيرة، يخزِّن السكَّان الكهرباء القليلة التي يحصلون عليها في بطاريات سيارات من تايوان. فيما يلتهم التضخُّم رواتب الناس ويدمِّر الطبقة الوسطى، إذ تبلغ قيمة العملة السورية عُشر قيمتها قبل الحرب فقط. الناس في دمشق إمَّا أغنياء أو فقراء. لا يوجد سوى القليلين في المنتصف.

يواصل الأسد، الذي يمكث فوق التلّ، محاولة تصوير نفسه بأنَّه الأب الحامي. لكنَّ الناس بالأسفل فقدوا استقرارهم. يقول اختصاصي نفسي إنَّ الطلب على العقاقير نفسية التأثير ازداد بدرجةٍ كبيرة، ويتحسَّر على العقوبات التي تمنع وصول إمدادات جديدة. ويقول الناس في المقاهي إنَّ الكثير من المدنيين حصلوا على ترخيصات للسلاح لأنَّ المجرمين ازدادوا وقاحةً.

ما زال مئات المقاتلين من تنظيم داعش والجماعة الإسلامية الراديكالية المعارضة كجبهة فتح الشام داخل ما كان سابقاً مخيم اليرموك الفلسطيني، الواقع في دمشق على بُعد أربعة كيلومترات فقط من ساحات الرقص والحانات. لقد حفر المقاتلون أنفاقاً أسفل الحي بأكمله، مستخدمين إياها في الزحف تحت مواقع خصمهم. يدوي صوت طلقات القنَّاصة أحياناً وسط المباني المدمَّرة.

يحاول أولئك الذين لا يُضطرون إلى النظر إلى العُنف حجبه عنهم. لم يعُد العديد من الشباب الذين سوّوا أمورهم مع الحرب يقرؤون الأخبار، لا يريدون أن يعرفوا ما يحدث بالضبط في حلب. يقول كنان الساقي "كلَّما قلَّ ما تعرف، صارت حياتك أفضل". يفرُّون إلى عوالمهم الخيالية، يذهبون للتنزُّه سيراً، يدخِّنون الماريجوانا، ويتناولون المهدِّئات، ويسكرون في الحفلات، أو يعزلون أنفسهم. وقد غادر معظم الآخرين البلد بالفعل.

غير أن كثيراً من الآخرين بالمدينة فقدوا قدرتهم على الابتسام. إنَّهم مَن يستمرون في متابعة الأخبار. يقولون إنَّ الحياة صارت بالأبيض والأسود، ولا يهم أيَّ طرفٍ يقفون في صفه، فهُم متعبون، وحزانى، ومكتئبون؛ لأنَّ بلدهم يحتضر.

في هذه الأثناء، ثمة عشرات الآلاف الذين لا يمكننا رؤيتهم في الشوارع إطلاقاً. فهُم يختبئون في الشقق والأقبية من الخدمة العسكرية والأمنية السرية. يختبئون من التعذيب والموت.

لقد صارت دمشق وحدة ثلاثية، قوامها: اللذة، والخوف، والحطام.

تتوقَّف حافلة مجموعة "التنزه سيراً" في وادي النصارى، عند ديرٍ قديم. سفوح التلال خضراء والوادي القريب من الحدود مع لبنان ممتلئ بالقرى الصغيرة. لم يحدث قتال مهم هنا منذ بعض الوقت. ومقصد النزهة هو القلعة الصليبية حصن الأكراد.

ظلَّت المجموعة تكافح لشقّ طريقها عبر غابة البلوط اللبناني والشجيرات الصغيرة الشائكة لأربع ساعات. ولكن وسط كثير من الضحك، تضحك المجموعة من الانزلاق في الأرض الموحلة، ومن برونو، الراعي الألماني، ومن إليدا، التي ظلَّت تسأل "كيف أبدو؟" جلبَت معها سماعة بلوتوث يخرج منها صوت الموسيقى. تُحلِّق مروحيتان روسيتيان ناقلتان من طراز Mi-8 فوق أنحاء الوادي، ولكن لا يعلم أحد إلى أين تتجهان. تدوِّي أصداء طلقات النيران عبر التلال بين حينٍ وآخر، ولكن لا يعلم أحد من أين تأتي.

بعد انغماس الشمس خلف التلال بقليلٍ، تسير المجموعة عبر قرية الحَسَن التي صارت أطلالاً. فالمنازل مهجورة ومليئة بالثقوب. تتشابك أيدي إليدا وكنان، اللتان ما زالتا تحملان على ظهريهما أختاماً من الحفلة التي ارتادها الحبيبان في الليلة السابقة.

تسير الحافلة مرة ثانية على الطريق السريع لاحقاً، عائدةً إلى دمشق هذه المرة. الآن مساء الجمعة، وسيتدفَّق الشباب والشابات إلى الحانات في باب شرقي وباب توما. ينبغي على كنان أن يعمل في الحانة، وتميل إليدا إلى تدخين سيجارة حشيش.

سمَّى كنان حانته نوستالجيا، لأنَّه يريد أن يذكِّر ضيوفه بالأيام الأفضل التي سبقت الحرب. علَّق على جدرانها ورق حائط على شكل الطوب، ثم زيَّن الجدران بصورٍ لبوب مارلي والبيتلز وجيمي هندريكس.

يقول إنَّ الحياة الليلية لم تكُن نشِطة كثيراً منذ عامٍ واحد فقط "فالجميع كان يخشى مغادرة منزله". كانت القنابل لا تزال تُطلَق بانتظامٍ من الأحياء الواقعة تحت سيطرة قوات المعارضة. أمَّا الآن، فالجانب الشرقي من البلدة القديمة مليء بالحانات، ولدى كنان نظرية لتفسير ذلك: كل شيء أكثر إحباطاً بكثيرٍ عندما يكون المرء مستفيقاً. وأردف: "يدخِّن الناس الحشيش بجنونٍ، ويشربون ويتعاطون الكوكايين ويتناولون الكبتاجون".


حانة في مستودع


يقول مبتسماً "لم أعُد أنتبه إلى ما يخبئه المستقبل". يعي تماماً أنَّ الاحتفال المتواصل في دمشق ربما يبدو للكثيرين أمراً غير متَّسم بالاحترام. لكنَّ الشباب لا يأتي سوى مرة واحدة كما يقول.

في تلك اللحظة بالتحديد، تُضرب ثلاث قنابل في مكانٍ ليس بالبعيد، واحدة تلو الأخرى، انفجارات قوية مدوية. لا يرمش لكنان جفن حتى، بل فتح زجاجة جعة. يقول "حانة في مستودع، ذلك حلمي".

اتَّضح لاحقاً أنَّ القنابل قُصفت على بُعد حوالي مئتي متر. قصفت الأولى منزلاً تتشاركه أربع من الأُسَر اللاجئة. وهبطت الثانية في ملعبٍ. بينما ضُربت الثالثة أمام محل مصفف شعر، ومزَّقت شظيةٌ ساقَ المصفف. وفقدت خادمة فلبينية ساقاً أيضاً. أطلق المتفجِّرات المقاتلون الموجودون في جوبر، وهو أحد أحياء دمشق التي زادت فيها قوات الحكومة مؤخراً حدّة هجماتها.

عمل كنان سنوات طويلة قبل الحرب في وحدة مكافحة الاحتيال بأحد المصارف. ولكن عندما صفع كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سوريا بعقوباتٍ جديدة في ربيع 2011، وعندما اقتربت الحرب الأهلية السورية كثيراً جداً من دمشق، لدرجة أنَّ كثيرين بدؤوا يشكُّون فيما إذا كان الأسد قادراً على الصمود، انهار الاقتصاد.

لم يعُد كونه مصرفياً أمراً منطقياً. انتظر كنان خمس سنوات، ثم افتتح الحانة أخيراً في يوليو/تموز الماضي 2016.

يصل أوائل الضيوف مبكراً في المساء. وتطلب مجموعة من الطالبات الجامعيات زجاجةً من الويسكي، فتقف إحداهن بعد أقل من ساعة على الطاولة وتسكب المشروب الكحولي في كؤوس صغيرة. وفي حوالي التاسعة مساءً، يأخذ كنان سترته ويتَّجه إلى الخارج ليبدأ هو نفسه في الاحتفال. لا يتحدَّث أحدٌ عن الهجمات التي حدثت في وقتٍ سابق من اليوم نفسه.


قتال في النهار.. واحتفال في الليل


يسير نحو باب توما، أحد أقدم الأبواب المؤدية إلى البلدة القديمة. تندفع السيارات في الشوارع الضيقة، تتَّجه جميعاً نحو باب شرقي، مقاطعة الحياة الليلية الجديدة، حيث تقف الكنائس والمساجد مجاورةً للمنازل ذات الطابقين والنوافذ المقوسة. وهي تمثِّل المقاطعة الأهم لمسيحيي المدينة.

لم تستطِع القنابل والقذائف إزاحتهم وظلُّوا موالين للحكومة. ولكنَّ الكنيسة بدأت الآن تحتجّ على الضوضاء التي صاحبت الحياة الليلية. فالحشود وسيارات أفراد الميليشيا الذين يقاتلون لصالح النظام نهاراً ويحتفلون هنا ليلاً صاخبة للغاية في رأي الكنيسة. يقول أحد الكهنة إنَّه منذ بدأت الحانات في الافتتاح، غادرت أعداد متزايدة من المسيحيين الحي. يظنُّ أنَّ ذلك جزءٌ من خطةٍ لإبعادهم. ويقول إنَّه تعرَّض مؤخراً لهجومٍ من قبل أحد أفراد الميليشيا، وكان حينها ثملاً.

في La Marionnette، الحانة ذات الإضاءة الخافتة وملصقات الأفلام القديمة المعلَّقة على الجدران، كل الطاولات ممتلئة، والمنطقة المحيطة بالحانة مزدحمة. تخرج من السماعات موسيقى من إنتاج شركة التسجيلات Bar25، ومقرها برلين. يطلب كلٌّ من كنان وإليدا كؤوس خمر.

سوريا التي يعيشون فيها ليست تلك التي نسيها العالم. ليست سوريا التي يقصف حاكمها مواطنيه ويجوِّعهم. ليست سوريا ذات الضواحي المحاصَرة المحيطة بالعاصمة. دمشق كنان وإليدا يساعدها حزب الله وروسيا وإيران.

لكنَّ الحرب قسَّمت المدينة إلى جزئين، تماماً مثلما قسَّمت البلاد، لتفصل بين أولئك الذين تقبَّلوا النظام، وأولئك الذين لم يتقبَّلوه أو لا يستطيعون تقبُّله أو لا يريدون تقبُّله. أولئك هُم مَن لم يعُد يساعدهم أحد، الناس الذين بدؤوا يتظاهرون بسلميةٍ ضد الحكومة عام 2011، وأنجبوا ثورةً تحتضر حالياً بينما يشاهدها العالم.

يعيش أحدهم في جرمانا، وهو حي فقير يقع جنوب شرقي مدينة دمشق، حيث تتقاطع أسلاك الكهرباء وسط المباني المجيَّرة. وقد طلب أن نُطلِق عليه في هذا التقرير اسم "حسام". كانت أطول مسافة قطعها خلال العام الماضي هي الرحلة القصيرة إلى المتجر الواقع في آخر الشارع. لا يمكنه أن يذهب إلى أبعد من ذلك لأنَّه مختبئ، مثل عشرات الآلاف من الشباب الآخرين المتواجدين في المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة الأسد.


مُحاصَر في شارعٍ


يُلاحَق كثيرون لأسبابٍ سياسية، ولكنَّ أكثر منهم يختبئون لتجنُّب التجنيد الإلزامي. ينتمي حسام إلى المجموعة الثانية، فلا يريد أن يقاتل لحساب النظام الذي قضى 16 عاماً محتجّاً عليه. كان عليه الانضمام إلى الجيش منذ أربعة أعوام، حسب القوانين. ومنذ 18 من أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، عندما مشط الجنود في الملابس المدنية الشوارع وجمعوا آلاف الشباب، لم يغادر شارعه الصغير.

كان حسام محامياً. عندما بدأت المظاهرات عام 2011، استيقظ من سباته السياسي الذي كان قد غرق فيه نتيجةً للمدة التي قضاها في السجن. خرج إلى الشوارع وانضم إلى المظاهرات، وهو خيار مؤلم، لأنَّ ركبتيه وكاحليه كانت تعرَّضت لإصابات بالغة بفعل أنابيب بلاستيكية خلال فترة سجنه.

ثم بدأت الحرب، فاعتُقِل ثانيةً، وتعرَّض للتعذيب وأُطلِق سراحه. لا يستقبل حسام زواراً في منزله، لأنَّها مخاطرة كبيرة، ولكنَّه يتلقَّى مكالمات هاتفية، وتحدَّثنا معه يومياً لمدة أسبوع.

يقول إنَّه يجلس يوم الأحد كما يفعل كل يوم في الشقة الصغيرة حيث يقيم مع زوجته وابنته. يعيش على المال الذي يحصل عليه من والديه، ومن أصدقائه أحياناً. يقول "الشتاء قادم. كيف يمكنني أن أحصل على المال اللازم لزيت التدفئة؟" إنَّه سؤال يطرحه على نفسه كل يوم تقريباً: لا يملك ما يكفي من مالٍ للطعام ولا للإيجار ولا للزيت. ولكنَّ همَّه الأول هو النجاة.

يقول "إمَّا أن تكون مع النظام أو تكون عدواً. إمَّا تكون جزءاً من ميليشيا، أو تكون رجلاً ممتلئاً بالخوف". يواصل قائلاً إنَّ النظام يراقب أراضيه بدون رحمةٍ. "إذا لم تكُن الهيئات السرية تراقب ما تفعل، إذاً فالمجتمع والجيران هُم مَن يفعلون". يذكر مقولةً في مصر تقول: نجتمع لنشرب، ونشرب بفعل الخوف من الآخرين.

يقول إنَّه لم يُرِد مغادرة بلاده قط. "كنتُ أعتقد أنَّ علينا واجباً هو ملء الشوارع حتى يختفي النظام. ولكنَّني لم أعُد أعتقد ذلك". ويضيف أنَّه من بين الخمسين شخصاً الذين اعتاد لقاءهم بانتظامٍ في المجالس للحديث عن السياسة في بداية الانتفاضة، ربما عشرةٌ فقط هُم مَن لا يزالون في دمشق. وعن ذلك يقول "أُرسِل الآخرون إلى الجبهة للتخلُّص منهم".


أقرب وأقرب


يقول إنَّ زوجته جلبت معها إحدى صديقاتها يوم الأحد. يبلغ ابنها ثمانية أعوام وماتت ابنتاها في هجوم بمدافع الهاون. يواصل قائلاً إنَّ الصبي يعاني من اكتئاب حاد، لقد حاول قتل نفسه عدة مرات ولم يعُد يتحدَّث. يقول حسام إنَّه ترك الغرفة عندما كانت زوجته وصديقتها تتحدَّثان: "لم أعُد أستطيع الاستماع إلى قصصٍ كهذه".

كما يشير إلى أنَّه تلقَّى أخباراً اليوم من أحد معارفه، وهو يقيم في ضواحي المدينة. يتابع قائلاً: "لقد بدأت الحكومة في التفتيش في المباني المجوَّفة هناك". هذه البِنى هي التي يتَّخذها كثير من اللاجئين مأوى لهم، رغم افتقارها إلى الأبواب أو النوافذ أو المياه أو الكهرباء. يبلغ إيجار بقعة كهذه 50 دولاراً شهرياً. يقول حسام "ينتزعون الآن الرجال في سن التجنيد". ويضيف قبل أن يغلق الهاتف "إنَّهم يقتربون أكثر وأكثر".

أولئك الذين يتربَّحون من الحرب قريبون إلى حدٍّ ما بالطبع، على بُعد حوالي بضعة أمتار فقط من منزله، ونقودهم سهلة وسريعة. إنَّهم أفراد الميليشيا الذين يخوضون الحرب نيابةً عن الأسد لأنَّ جيشه النظامي بدأ يلعب دوراً ثانوياً منذ وقتٍ طويل. تدعم الميليشيات النظام وتتصرَّف في دمشق وكأنَّهم أسيادها.

على شريط متجه إلى جرمانا على حافة المدينة، بعد خيطٍ من المباني المتفجِّرة، ثمة صفٌّ كاملٌ من بيوت الدعارة، واحد تلو الآخر: الهاون، ميامي، كليوباترا، زهرة فوات. تحارب السيارات الرياضية الضخمة متعددة الأغراض سيارات الأجرة البالية من أجل الحصول على مساحة للوقوف، وتزحف سيارات المرسيدس كبيرة الحجم في الشوارع، ونوافذها ملوَّنة.

لطالما وُجِدت بيوت الدعارة في دمشق. كان القوَّادون يهمسون خلسةً قائلين "استراحة؟" في آذان المارة في ساحة المرجة، خارج البلدة القديمة، وكانت الطوابق العُليا في الفنادق محجوزة للعاهرات.
لكنَّ الأسد الشاب لم يوافق على هذا، وحظر الدعارة في منتصف الألفينيات. ومنذ دخلت الحرب إلى سوريا، ازدهرت تجارة الجنس ثانيةً.

بيوت الدعارة هي المرحلة الأخيرة من نزعة الهروب. هنا يبحث أولئك الذين يقاتلون في الحرب عن شيء ما، أولئك الذين يُقتلون ويعذَّبون وينهبون ويسرقون، يبحثون عن السلوان.


لا يبدو أنَّ أحداً يهتم


في كباريه فيولين، تصعد فتاة ليل هزيلة مرتديةً تنورة وردية على إحدى الطاولات. يجلس هناك رجلٌ يرتدي سترة سوداء، وياقة قميصه مفتوحة. قطَّع الكوكايين وشكَّله في سطرٍ طويل على الطاولة، مستخدماً بطاقة ائتمانه، وتعاطاه عبر ورقة نقدية مطوية قيمتها 1000 جنيه. يقطِّع سطراً ثانياً لفتاةٍ ثانية ويدلِّك لثته ببقية المسحوق في حركةٍ متمرِّسة. لا يبدو أنَّ أحداً يهتم.

تتمايل امرأةٌ بدينة على المسرح مرتديةً فستاناً أسود ضيقاً، ووجهها مختف خلف قناعٍ سميك من مستحضرات التجميل. تُغنِّي عن الحُب.

تقبض أحزمة الرجال على مسدَّسات 9 ملم. يحمل بعضهم حزماً من الأوراق النقدية في أياديهم، يلقونها من حينٍ لآخر على المسرح للمغنية السمينة. وهذا رمز لقوتهم.

بعض الرجال ضباط جيش، ولكنَّ معظمهم من قوات الدفاع الوطني، وهو تكتُّل من الميليشيات المتطوِّعة تحت سيطرة الحكومة تعمل بشكلٍ لا يختلف عما يمكن وصفه بـ"نقابةٍ للجريمة". ينهب أعضاء قوات الدفاع الوطني ويسرقون ويخطفون ويبيعون المخدِّرات، والنظام عاجز عن فعل أي شيء حيال هذا الأمر. في حوارٍ مع صحيفة "شبيغل"، قال علي حيدر، وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية، إنَّ الجيش ليس قوياً بما يكفي لمنعهم.

تُنتِج الحرب دائماً اقتصاد الحرب، الذي يضع الأموال في جيوب التوابع والأنصار السياسيين. تغتني الميليشيات من انهيار الدولة.


نهاية التابوهات


لدى ريم، فتاة الليل الجالسة على طاولة رقم 2، حاجبان مرسومان وشفتان نحيفتان ملأَتهما بقلم الشفاه من أجل إرضاء الزبائن. تبلغ من العمر 37 عاماً، ولديها ابنتان عليها أن تُنجيهما من هذه الحرب بأي شيء تستطيع فعله. منذ سبع سنوات، طردها والدا زوجها السابق من المنزل، بعد أن تركها. في البداية كانت تنام في الشوارع مع إحدى ابنتيها. وهي تعمل الآن في كباريه فيولين.

تسحب سيجارةً من علبة سجائرها. وتقول "إنَّها وظيفة مستقرة في وقت الحرب". أرادت أن تتمكَّن من دفع رسوم دروس الباليه التي تأخذها ابنتها، وأن توفِّر طعاماً على الطاولة. وذلك هو حقّاً مدى طموحها.

تدمِّر الحربُ المدينةَ، وتدفع سكَّانها نحو الفرار وتُنهكهم. بل حوَّلتهم كذلك إلى أدوات للجنس. إذا لم يكُن من الواضح للمرء ما إذا كان سيحيا حتى الغد، لا تصير للتابوهات قيمة كبيرة. يرى الآن المرء شباباً وشابات يقبِّلون بعضهم البعض في الشوارع، ويدفعون أنفسهم إلى مداخل مباني باب توما. ويأتي الرجال إلى هنا، إلى جارمانا.

يجلس كنان وإليدا، الزوجان الشابان من مجموعة "التنزه سيراً"، في هذا المساء داخل حانة Zodiac، يشربون الكحوليات على أنغام موسيقى التكنو الصاخبة. في فترة ما بعد ظهيرة اليوم السابق، انفجرت قنبلتان على بُعد أقل من 100 متر، وقتلتا رجلين.

بينما مرَّ الاثنان بموقع الانفجار، كان النقَّاشون يغطُّون آخر آثاره. يرتشفون مشروباً تلو الآخر. لا يعيش المرء سوى مرة واحدة. ثم يصطحب كنان إليدا إلى المنزل مروراً بشوارع المدينة المزخرفة بالمعربدين المتأنِّقين الذين يحتفلون مع السيارات المتَّجهة إلى جارامانا.

رغم السخافة التي قد يبدو عليها الأمر، لا تزال دمشق مدينة جميلة. ما زالت تعمل. أو على الأقل هذا ما يبدو. أمَّا أسفل السطح، فهي تنزف حتى الموت، وتطحن مواطنيها الذين يتجمَّعون خوفاً وراء حاكمهم الماكث فوق التلّ. أو يفرُّون. أو يموتون.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Der Spiegel الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.