طهران.. المنتصر الحقيقي في معركة حلب لهذه الأسباب

تم النشر: تم التحديث:
HALAB
KARAM AL-MASRI via Getty Images

السماء تُمطر قنابل حديثة متطورة، يصاحبها حصار على الأرض بطريقة العصور الوسطى للقضاء على آخر بقايا المقاومة، حيث أصبح سقوط المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في حلب الشرقية في قبضة القوات النظامية السورية وشيكاً، بعد سيل من الدماء والرعب الهائل.

لكن ما يحدث في حلب أكثر من مجرد معركة، إنه جزء من عملية عنيفة وفوضوية، أظهرت من خلالها القوى الخارجية في سوريا والعراق (روسيا، وإيران، وتركيا، والولايات المتحدة الأميركية) قدرة ضعيفة على التوصل إلى أي شكل من أشكال الاستقرار، وهو بالنظر إلى مستقبل المنطقة انتصار لإيران قبل أي شيء آخر، بحسب تقرير لصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، الثلاثاء 13 ديسمبر/كانون الأول 2016.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالطبع، سيخرج من أنقاض حلب الشرقية كقوة دولية لن تهدأ حتى تؤمن لنفسها مقعداً على طاولة التفاوض الدولية. تحويل حلب إلى غروزني جديدة (عاصمة الشيشان) ليس إلا وسيلة قاسية لتحقيق غايات بوتين.


أهداف روسيا


ديمتري ترينين، الباحث في معهد كارنيغي موسكو، أوضح الأمر جيداً خلال مؤتمر في العاصمة اللبنانية بيروت الأسبوع الماضي، إذ قال: "ما تقوم به روسيا في سوريا لا يتعلق بسوريا فقط في حقيقة الأمر، ولا بالشرق الأوسط حتى، بل لتحقيق أهداف دولية وتكوين تحالف قائم على الندية مع الولايات المتحدة".

لكن الأمر مختلف بالنسبة لإيران، باعتبارها قوة إقليمية شيعية.

إنَّ روسيا وإيران متحالفتان في سوريا. وقد نجحتا معاً في إبقاء حليفهما بشار الأسد على رأس دولة ممزقة استسلمت أمام المعارضة ذات الأغلبية السُّنية في ثلاث مناسبات منذ إعلان الحرب في دمشق، التي تبعت ما كان في بداية الأمر، ثورة مدنية ضد الاستبداد في 2011. لكن موسكو وطهران ستختلفان بلا شك في توقعاتهما من إدارة الرئيس الأميركي القادم دونالد ترامب.

وأثار اختيار ترامب لريكس تيلرسون، رئيس شركة إكسون موبيل النفطية، وزيراً لخارجيته جدلاً كبيراً، نظراً للعلاقة المقربة بين تيلرسون والرئيس الروسي بوتين، الذي أبدى ترامب إعجابه به.

لكن في المقابل فإن من أعلن ترامب تعيينهم في المناصب الأمنية قد أظهروا عداوة واضحة تجاه إيران. مايكل فلين، الجنرال المتقاعد وصاحب نظريات المؤامرة ضد الإسلام، الذي اختاره ترامب مستشاراً للأمن القومي، أكد أن طهران هي من تقف وراء الهجوم السُّني الجهادي على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012 رغم عدم توافر أي دليل على ذلك.

وسيكون أول اختبار لعلاقة ترامب ببوتين هو تنفيذ تهديده الذي أعلنه خلال حملته الانتخابية، بإلغاء الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وعدد من القوى الدولية الأخرى بما فيها روسيا، مع إيران في العام الماضي.

ويفرض هذا الاتفاق قيوداً على برنامج طهران لتخصيب اليورانيوم في مقابل إلغاء بعض العقوبات الدولية الموقعة على إيران. إنها الطريقة الوحيدة لتجميد قدرة إيران على صُنع قنبلة ذرية، قد تستخدم في معركة ستكون أفظع حروب الشرق الأوسط، وهو ما قد يدفع إيران وباقي دول المنطقة إلى استخدام الأسلحة النووية.


سباق التمكين قبل تنصيب ترامب


حتى الآن، لا توجد سياسة واضحة تدعم تغريدات ترامب الارتجالية. ومع ذلك، ما زالت هناك عقوبات ثانوية موقعة على إيران، تستهدف الأنشطة الخارجية لقوات الحرس الثوري الإسلامي. هذه العقوبات فرضتها الولايات المتحدة، ولكن تأثيرها أكبر من ذلك لأنها تمنع البنوك والمؤسسات من الحصول على الدولارات والمنافسة في السوق الأميركية. وهذا سبب جزئي لعجلة إيران في حسم الأمر في حلب، وفرض أمر واقع قبل تنصيب ترامب في الشهر المقبل.

وتُعد حلب، في ظل هزيمة قوات المعارضة المدنية السورية والحدود المؤمنة لدولة الأسد، انتصاراً آخر لإيران، وهو انتصار حققته، بعد خسائر فادحة لقوات الحرس الثوري الإيراني بمساعدة ميليشيات متحالفة معها، مثل قوات حزب الله اللبناني.

وهو انتصار يؤسس لامتداد للإقليم الإيراني: بداية من حكومة يسيطر عليها الشيعة في بغداد، مروراً بتحالف شبه عسكري شيعي تدعمه إيران يوجد في غرب المنطقة التي تجري فيها عملية استعادة الموصل التي تدعهما أميركا، وانتهاءً بالساحل السوري كله إلى بيروت، حيث نجح حزب الله في دعم حليف مسيحي للوصول إلى منصب الرئيس.

إنَّه انتصار تصدى له على استحياء خصوم إيران السنيون، مثل السعودية، أو تركيا التي كانت راعيةً للمعارضة السورية، لكنها الآن تنظر نحو روسيا وإيران.


خيارات صعبة على الجميع


يعتقد أن عدد أفراد قوات المعارضة السورية ما زال أكثر من 100 ألف فرد، ولكنهم اضطروا للخروج من المدن. وفي ظل استمرار سيطرة قوات الأسد، ستضطر المعارضة للارتماء في أحضان تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش).

ووسط هذه الظروف، ستحرص أي سياسة أميركية معتدلة على التفكير ملياً قبل منح المزيد من الانتصارات للاتجاه المتشدد داخل إيران، الذي لم يكُن يريد أبداً إبرام أية اتفاقات نووية أو القيام بأية مساومة. الإدارة الأميركية الجديدة ليست في حاجة لفرض عقوبات جديدة على إيران لأنها بالفعل يمكن أن تستغل العديد من العقوبات الحالية، لتطلب من روسيا وإيران التفاوض بشأن منح مهلة لنظام الأسد. الخيارات التي ستنفذها الإدارة الأميركية الجديدة ستكون قاسية على جميع الأطراف، الضالع منها بقوة في الصراع ومن ليس له حيلة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.