حدود الغضب.. إلى أين يصل الأقباط في تمرّدهم على الدولة والكنيسة المصرية؟

تم النشر: تم التحديث:
CHURCH EGYPT
People attend a mass on October 31, 2016 at the al-Sammaeen cathedral in the Red Sea resort of Sharm el-Sheikh to mark a year since jihadists bombed a Russian airliner carrying holidaymakers before its departure from the resort.The Islamic State group claimed it brought the plane down on October 31, 2015, saying it had smuggled a bomb on board the aircraft before its departure from the resort of Sharm El-Sheikh. All 224 people on board were killed when the bomb went off minutes after the Metroje | MOHAMED EL-SHAHED via Getty Images

كما كان الحال في مرات نادرة، أدى الهجوم الدموي الذي شهدته الكنيسة البطرسية بالقاهرة الأحد الماضي، إلى حالة من الغضب القبطي لم تتوقف عند مرتكبي الحادث وأجهزة الدولة فحسب؛ بل امتدت لتشمل قيادات الكنيسة التي طالها الانتقاد لعلاقتها بالنظام الحاكم، فإلى أي مدى يمكن أن يمتد ذلك الغضب؟

"شعب الكنيسة"، كما يطلق الأقباط على أنفسهم، الذين حضروا إلى الكنيسة بعد التفجير، سيطر عليهم الغضب، وبدا ذلك في هتافاتهم التي رددوها، وكذلك هجومهم على عدد من الإعلاميين المعروفين بدفاعهم عن النظام، وهو ما دفع البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، للخروج في مؤتمر صحفي لمطالبة الأقباط بضرورة التزام النظام، وقال إن "المشاعر الإنسانية في مثل هذه المواقف تكون عالية لكن عايزه تبقى منظمة بالذات لما تكون منقولة لكل العالم".


كيف عبّر المسيحيون عن غضبهم؟


الناشط السياسي حاتم تليمة كان شاهداً على الهتافات التي رددها المسيحيون أمام الكنيسة البطرسية، والتي ردد فيها الأقباط للمرة الأولى هتافاً ضد السيسي بشكل شخصي: "اللي ماتوا مصريين.. والسيسي هو المسؤول".

المصور الصحفي محمد الراعي، كان حاضراً أمام الكنيسة ورصد بالكاميرا حالة الغضب التي سيطرت على غالبيةِ من كانوا هناك.

ويرى أن تلك الحالة من الغضب هي ما دفع الدولة إلى مشاركة المسيحيين في تشييع جنازة ضحايا العملية الإرهابية.


لهذه الأسباب يتمردون أحياناً على كنيستهم


الهتافات التي رددها الأقباط أمام الكنيسة البطرسية، لم تهاجم الكنيسة بشكل واضح، لكن عدداً من النشطاء السياسيين الأقباط، حمّلوا البابا تواضروس جزءاً من تعامل الدولة مع الحادث، فكتبت الناشطة السياسية القبطية سالي توما، تنتقد التعامل مع الأقباط في جنازة قتلى الهجوم الدموي، وكيف أن البابا "كالعادة يتماشى" مع ما يريده النظام.

وكان أول تمرد لافت على الكنيسة وقع في عام 2010 مع اندلاع أحداث عنف في منطقة العمرانية بمدينة الجيزة (غرب القاهرة)، وقُتل فيها قبطي بعد اشتباكات مع الأمن على خلفية بناء دار للخدمات القبطية، وخرجت مظاهرات مناهضة للشرطة عقب تلك الأحداث.

ويرى باحثون في الملف القبطي أن تلك الحادثة، ومن بعدها حادثة تفجير كنيسة القديسين في 2011، وموقف البطريركية الرسمي منها، دفعت المسيحيين للتمرد على بعض القرارات الكنسية، وتكلل ذلك برفضهم دعوة الكنيسة لعدم المشاركة في ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وشارك المسيحيون في الثورة بالفعل، وظهر وقتها الشعار الشهير "عفواً قداسة البابا، أنت أبونا الروحي، ولكن ليس لديك سلطة سياسية علينا"، وظهر أيضاً عدد من الائتلافات المسيحية التي ترفع مطالب أبناء الديانة، والتي كانت دائماً حكراً على الكنيسة الرسمية.

لكن وفقاً للصحفي بيتر مجدي، فالوضع الآن مختلف، و"التمرد على القيادات الكنسية أصبح أمراً غير مطروح بين الأقباط، وإنما هناك أصوات تطالب بمزيد من الضغط الكنسي على الدولة ليحصل الأقباط على مزيد من الحقوق"، وأضاف لـ"هافينغتون بوست عربي" أن الشباب المتمرد هدفه تحقيق المواطنة ومزيد من الحقوق للمواطنين المسيحيين، وهو أمر يصطدم عادة مع تحفّظ قيادات الكنيسة التي يكون لها دائماً حسابات مختلفة مع الدولة".

ويقول إسحاق إبراهيم، الباحث في "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، إن "العلاقة بين الكنيسة وشعبها لن تتغير؛ لأن رجال الدين بالمسيحية لهم حساسية خاصة والجميع يحترمهم ولا يخالف أمرهم، بغض النظر عن المواقف الشخصية للأقباط".

فيما يرى الباحث سليمان شفيق، أن تلاعب الأنظمة السابقة بالملف القبطي جعل الأقباط يتشككون في كل شيء، مشيراً إلى أن الأقباط دفعوا ثمناً غالياً جداً منذ ثورة 25 يناير ثم 30 يونيو/حزيران، وتابع أن "الإسلاميين يعاقبون الأقباط على المواقف الوطنية أكثر من مواقفهم الدينية، وهناك من يضغط للوصول بالمسيحيين ليصبحوا معارضين للحكم".


ولهذه الأسباب لا يتمرد المسيحيون على الدولة


غالبية المسيحيين الذين يعارضون قيادات الكنيسة يرفضون بشكل أساسي دخولها المجال السياسي، وكان بيان الشباب المسيحي لرفض دعوات الكنيستين "القبطية ‏الأرثوذكسية" ‏و"الإنجيلية" التظاهر لدعم الرئيس ‏السيسي في أثناء ‏حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، خطوة مختلفة في علاقة الكنيسة بشعبها، ومن ثم علاقة المسيحيين بالنظام الحاكم.

وحسب بعض الكتاب الأقباط، فخلال العقود الماضية، لم تبادر الكنيسة القبطية إلى المواجهة مع أي من الرؤساء إلا إذا بدأ الرئيس بالخلاف معها، كما حدث مع الرئيس الراحل أنور السادات في أزمته الشهيرة مع البابا السابق البابا شنودة الثالث، ويرى إسحاق إبراهيم، الباحث في "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، أن "المصلحة المتبادلة مع النظام، والخوف من الإسلاميين، والطاعة العمياء لرجال الدين المسيحي، هي الأسباب الثلاثة التي تدفع الأقباط للاصطفاف خلف النظام الحاكم".

ويرى الصحفي بيتر مجدي أن غالبية المسيحيين لا يشغلون أنفسهم إلا بمصالحهم الضيقة، مثل بناء الكنائس أو عدم التعرض لنسائهم، وغيرها من المطالب التي يمكن تشبيهها بـ"المطالب الفئوية"، وغالبية الأقباط يتخوفون من الفكر الطائفي الذي يسيطر على غالبية الشعب، ليس بالاعتداء على الأقباط فقط وإنما باعتبار المسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية.

ويضيف أن البابا، وكل قيادات الكنيسة، والشعب المسيحي، يرون أن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو أفضل من تعامل مع المسيحيين بين كل الرؤساء الذين مروا على مصر منذ ثورة 23 يوليو/تموز 1952. "البابا يقدّر جداً زيارة السيسي للكنيسة مرتين في عيد الميلاد، وكذلك يقدر البابا رد فعل السيسي على ذبح مسيحيين على يد جماعات إرهابية في ليبيا، والآن أعلن الحداد على شهداء العملية الإرهابية وشارك في الجنازة الرسمية بنفسه وهي أمور لم يقم بها أي رئيس قبله"، ويضيف أن هذه الأمور كلها تدفع الكنيسة بشكل رسمي بعيداً عن الاصطدام بالنظام الحاكم، وإنما تحاول الحفاظ على بعض المكتسبات التي حصلت عليها وتحاول الحصول على مزيد منها.


لكن البعض يعارض من قبل وقوع الحادث


ويذهب الباحث سليمان شفيق إلى أن هناك تياراً من الشباب القبطى بالفعل يعارضون نظام الحكم الحالي لعدم إحساسهم بالمواطنة، مشيراً إلى أن تلك المعارضة ليست جذرية مع النظام وإنما هي اختلاف في قضية محددة، لافتاً إلى أنه لا توجد في الوقت ذاته قوى سياسية أو اجتماعية في مصر، غالبية المصريين يعتبرون أن المسجد والكنيسة والقساوسة والشيوخ هم مرجعيتهم الأساسية، وليس القانون.

بينما يرى إسحاق إبراهيم أن الحادثة الإرهابية الأخيرة لن يكون لها رد فعل قوي من الأقباط؛ "لأنهم يرون أنفسهم فئة بسيطة وضعيفة، لكن هذا لا ينفي حالة الغضب التي تتزايد بين صفوفهم".