من الفيوم إلى السودان ثم الاتهام بالانضمام لداعش.. الرحلة الغامضة للمتهم بتفجير الكنيسة المصرية على لسان محاميه ومعارفه

تم النشر: تم التحديث:
ALMTHM
سوشال ميديا

"اللي بيحصل معايا ده حرام".. هكذا كان يصرخ الطفل محمود شفيق محمد، الذي كان طالباً في الصف الأول الثانوي، داخل جدران سرايا النيابة بمحافظة الفيوم الواقعة في الصحراء الغربية بالجنوب الغربي من محافظة القاهرة وعلى مسافة 92 كم منها، عندما كان يُحاكم في 2014 بتهمة حمل سلاح آلي والتعدي على المنشآت والانضمام إلى جماعة محظورة، بعد أن اعترف بتلك التهم تحت وطأة التعذيب، وفقاً لما ذكره محمود حسن المحامي بالشبكة العربية لحقوق الإنسان، والذي كان محامي الطالب.

"محمود محمد شفيق هو الشاب الذي قام بتفجير نفسه داخل الكنيسة البطرسية أمس عن طريق حزام ناسف، وهو شاب عمره 22 عاماً".

تلك الكلمات كانت للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التي كانت مفاجأة مدوية في أثناء وجوده بالجنازة الرسمية لـ25 قتيلاً، معظمهم من النساء، سقطوا ضحية تفجير الكنيسة الذي وقع أمس، وما أن انتهى الرئيس من إلقاء الكلمة من أمام النصب التذكاري لشهداء مصر في حي مدينة نصر (شمال القاهرة)، حتى تفجرت الكثير من علامات الاستفهام تحت سؤال واضح: "من هو هذا الشاب؟".

"شاب أسمر هزيل الجسم، على جسده آثار التعذيب، متوسط الطول، بريء الطلة".. هكذا وصف المحامي محمود حسن، في حديث خاص مع "هافينغتون بوست عربي"، الطالب محمود في أول مرة شاهده فيها داخل سرايا النيابة في ثاني جلسات تجديد الحكم عليه بالتهم التي وُجهت إليه، قبل أكثر من عامين.

"واصلتُ الدفاع عنه حتى حصل على إخلاء سبيل بعد براءته من تهمة حمل السلاح، ثم صدر حكم عليه بالسجن عامين بتهمة التظاهر غيابياً، ورفض إجراء استئناف على الحكم؛ خوفاً من الحبس مرة أخرى والتعرض للتعذيب، وانقطعت صلتي به منذ بداية 2015"، تلك كانت فترة معايشة حسن للمتهم شفيق قبل أن يأخذ كلاهما طريقاً آخر.


غادر للسودان من عام والنظام قبض على أخيه المجند


من داخل قرية عطيفة الواقعة بمركز سنورس بمحافظة الفيوم حيث كان يسكن الطالب محمود منذ عامين، كشف أحد جيرانه عن تفاصيل أسرته وما حدث معها وأين ذهب محمود بعد خروجه من السجن.

ويقول ابن قرية عطيفة، في حديث خاص مع "هافينغتون بوست عربي"، رفض فيه الكشف عن هويته، إن محمود لم يتجاوز حالياً 19 سنة، وكان طالباً في كلية العلوم، وذلك بعد أن تخرج من الثانوية العامة وكان ترتيبه الرابع في الثانوية العامة، وهو لا ينتمي إلى "الإخوان"، وله 3 إخوة أكبرهم يعمل بالسعودية منذ عام، والثاني مجند في الجيش حالياً وتم اعتقاله أمس. أما شقيقهم الأصغر، فهو سائق توكتوك واعتقل أمس أيضاً، وبالنسبة لوالدهم فهو متوفىً وكان ضابط احتياط في الجيش.

وعن مصير محمود في الفترة الأخيرة، قال جاره بالقرية، إنه سافر منذ عام للعمل بالسودان للإنفاق على أسرته، وكان يتصل بهم دائماً ولكن انقطع اتصاله بهم منذ أشهر ولا يعلم عنه أحد شيئاً منذ هذا الحين.


بداية الكشف عن حقيقة شفيق


بداية كشف حقيقة شفيق جاءت مع تدوينة نشرها الصحفي محمد شحاتة عن وجود اسم متهم في قضية تعود تاريخها إلى 2014، حيث كتب على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن شفيق كان معتقلاً من الفيوم منذ 2014.

وذكر شحاته في تدوينته: "دا الشاب، اسمه في الصورة الأولى بتشيرت أزرق: محمود شفيق محمد أحمد عمره 16 سنة.. معتقل في الفيوم، من صورته مشابه لحد ما لما نُشر عن صورة مفجّر الكنيسة البطرسية اللي قال السيسي إنه محمود شفيق محمد مصطفى".

ولم تمر دقائق حتى نشرت صحيفة "اليوم السابع" خبراً عن تفاصيل الصحيفة الجنائية للمتهم الرئيس بتفجير الكنيسة، والتي أكدت المعلومات التي نشرها شحاته، حيث جاءت البيانات متطابقة مع البيانات التي تم نشرها عنه في أخبار القبض عليه في 2014؛ لكونه من الفيوم واسمه متطابق حتى الدرجة الثالثة، ومن مركز سنورس ومقيم بقرية عطيفة التابعة للمركز.


من أخبار 2014.. طالب أولى ثانوي يُقبض عليه في مظاهرة بالفيوم


وبالبحث عن أخبار المتهم شفيق في الإنترنت، نجد أن أخباره التي سبقت أخبار اليوم، بعد الكشف عن اسمه من قِبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، تعود إلى عام 2014، وجميعها كانت أخباراً نُشرت في مارس/آذار 2013، ووفقاً للمتعارف عليه إعلامياً فإن الخبر كان مصدره النشرة الإعلامية لوزارة الداخلية، التي نشرت اسمه عقب مظاهرات لجماعة الإخوان المسلمين بالفيوم.

وجاء بمتن الخبر المنشور في العديد من وسائل الإعلام المصرية، أن "أجهزة الأمن بالفيوم ضبطت اثنين من عناصر جماعة الإخوان المسلمين"، مساء مظاهرات الجمعة، بحوزتهما سلاح آلي، وقنبلة يدوية، وطلقات بعد تعدّيهما بها على المواطنين، إثر تدخّل الشرطة لفض مسيرة للجماعة عقب صلاة الجمعة.

وذكرت الأخبار أن قوات الأمن ألقت القبض على محمود عبد المولى (20 سنة)، طالب، ومقيم بمنشأة عطيفة في مركز سنورس، وبحوزته قنبلة يدوية، ومحمود شفيق محمد أحمد (16 سنة)، طالب ومقيم بالقرية نفسها، وبحوزته فوارغ طلقات آلية. حرر محضر لهما بالواقعة رقم 2590 لسنة 2014 إداري قسم شرطة الفيوم.


طالب أولى ثانوي رايح درس فقُبض عليه


ويبدو أن حظ محمود العاثر كان في وجوده بمظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في شهر مارس 2014، حيث كان حينها طالباً في الصف الأول الثانوي وفقاً لما أكده محمود حسن محاميه في القضية وقتها، والذي نشر تدوينة لها على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ذكر فيها تفاصيل قضية محمود التي قبض عليه فيها، وكتب في صفحته: "كان رايح درس هو وواحد صاحبه ومعدي من ميدان الحواتم بالفيوم وقت مرور مظاهرة للإخوان المسلمين".

وذكر حسن أنه تم تلفيق قضية استعمال سلاح آلي وعدد من التهم الإعتيادية مثل الانضمام إلى جماعات محظورة، وأنه تم الحكم عليه بسنتين، لكنه قام بعد ذلك بدفع الكفالة وخرج من السجن بعد عام من الحبس، مشيراً إلى أن التواصل كان منقطعاً مع الولد وأهله منذ سنة.

وقال محامي المتهم عن شفيق: "الشيء الأكيد بالنسبة لي، أنه كان مظلوماً في القضية الأولى 2590 (إداري قسم الفيوم 2014)، وحتى لما أخد الحكم كان خايف يعمل الاستئناف علشان كان مرعوب من الحبس والعذاب اللي شافه وهو محبوس".


انضم إلى "داعش"


وفي محاولة لربط الماضي بالحاضر، نشرت بوابة "الفجر" الإخبارية المصرية خبراً اليوم تحدثت فيه عن جزء من تفاصيل تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا في القضية الخاصة بتفجير الكنيسة، وخلال الخبر جاء في نص التحقيقات التي نشرتها البوابة الربط بين التاريخ الجنائي لشفيق والقضية التي اتُّهم فيها في 2014، والرواية الأمنية الحديثة من أنه انضم إلى تنظيم داعش.

وجاء في نص الخبر أن التحقيقات الأولية لنيابة أمن الدولة العليا، كشفت أن المتهم (محمود شفيق)، منفذ عملية تفجير الكنيسة البطرسية، سبق أن أُلقى القبض عليه بتاريخ 15 مارس 2014 بمحافظة الفيوم، وبحوزته قنبلة يدوية، وتم اتهامه فى القضية المقيدة برقم 2590 لسنة 2014 (إداري قسم شرطة الفيوم)، بتهمة الانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون للإخوان، وحيازة أسلحة وذخيرة.

وأشارت تحقيقات نيابة أمن الدولة إلى أنه تم إخلاء سبيله هو وآخرين من القضية سالفة البيان، فقام بالانضمام إلى تنظيم أنصار بيت المقدس المعروف بـ(داعش مصر)، من خلال تبني الأفكار التكفيرية، واستباحة دماء المسيحيين.


هكذا يصنع الإرهاب داخل السجون


وفي تذكّره لحال محمود وهو واقف أمام النيابة، يقول محاميه حينها محمود حسن، إنه ظل يصرخ ويصرخ بأنه بريء، وأنه يخشى من العودة إلى السجن ويتعرض للتعذيب الشديد الذي مورس بحقه وهو ما زال طفلاً. ويكمل حسن روايته ويقول: "ما زلت أتذكر انهمار الدموع التي مرت على آثار الضرب على وجهه بعد تعذيب شديد، ذكر تفاصيله للنيابة التي رفضت حينها إحالته إلى الطب الشرعي لإثبات ذلك".

وتابع حسن: "واضح جداً إنه كان مالوش في حاجة، وأسرته من النوع التي كانت تسير داخل الحيط؛ خوفاً من الحياة، وكان حلمه أن يخرج من السجن ويكمل حياته الطبيعية، وهو يصرخ: اللي بيحصل معايا مش عدل! ورأيت بعينيه إحباطاً شديداً لا يتناسب مع براءة سنّه".

يرى المحامي في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن موكله السابق "لم يكن له أي خلفية أيديولوجية، وهناك مثله العشرات من أبناء الفيوم الذين كنت أدافع عنهم في القضايا، ولكن تلك الأوجه البريئة أصبحت أرضاً خصبة لأي فكر متطرف بسبب ما عانوه داخل السجون من تعذيب وتلك نتيجة طبيعية، إذا صدقت رواية الأجهزة الأمنية المصرية عن قيام محمود بتفجير نفسه".