لماذا "لن يفتقد" الشرق الأوسط أوباما؟

تم النشر: تم التحديث:
OBAMA
shutterstock

فيما يخشى مراقبون أميركيون من تأثير تصريحات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب عن الخطر المزعوم للمهاجرين المسلمين على علاقات الولايات المتحدة بالعالم العربي والإسلامي، أبدى معظم المشاركين العرب والمسلمين في ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي تفاؤلهم بالإدارة الأميركية الجديدة.

ويبدو أن هذا الأمر قد استرعى انتباه لويس ليبي المحامي ومستشار نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني، وهايليل فرادكين مدير مركز دراسات الإسلام والديمقراطية ومستقبل العالم الإسلامي بمعهد هدسون البحثي.

وفي مقالهما بصحيفة "وول ستريت جورنال"، راح الرجلان يستكشفان، من خلال تصريحات المشاركين دوافع موقفهم، والذي لخصه الإعلامي السعودي تركي الدخيل بوصفه مرحلة الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما بأنها "سنوات عجاف".

فإلى نص المقال

"طُوِيَت سنوات أوباما العجاف، ونحن الآن أمام صفحة أخرى، نتمنى أن تكون بديلةً عن أخطاء الماضي السحيق". قد تظن أن هذه الكلمات كتبها أحد مؤيدي ترامب بعد فوزه بالانتخابات، ولكن هذا ليس صحيحاً، فهذه كانت الكلمات التي رحب بها تركي الدخيل، المذيع السعودي والمدير العام لشبكة العربية الإخبارية، بالرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، في مقالةٍ كتبها مؤخراً.

يخشى بعض المراقبين الأميركيين أن تعرقل تعليقات ترامب بخصوص الخطر المزعوم للمهاجرين المسلمين فرصه في التواصل بشكلٍ دبلوماسي فعَّال مع الشرق الأوسط. ولكن في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016، في ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي، والذي نظمه مركز "الإمارات للسياسات" ومؤسسة "المجلس الأطلسي"، كان تركي الدخيل ومعظم المشاركين العرب والمسلمين بالملتقى متفائلين بشأن التغير في الإدارة الأميركية.

تحدَّث العديد من المتحدثين الرئيسيين بالمؤتمر، منهم ابتسام الكتبي، رئيسة المؤتمر، والشيخ محمد الصباح، وزير الخارجية الكويتي الأسبق، مراراً وتكراراً عن الخطر الذي أصبحت إيران تمثله، وفشل سياسات الرئيس الأميركي الحالي أوباما في التعامل مع هذا الخطر، وكرَّر متحدثون آخرون من الجمهور الحديث عن الأمر نفسه. واعترف المتحدثون بأنهم مفتونون بتصريحات ترامب التي بدت مختلفةً تماماً وواعدة جداً.

محاولاً تلخيص كل هذه التعليقات، كتب تركي الدخيل في جريدة "عكاظ" السعودية اليومية في 13 نوفمبر/تشرين الثاني إنَّه لن يبكي أحد على رحيل أوباما، وأن الرئيس الأميركي "لم يقدم للمنطقة سوى التردد تجاه المحور الإيراني، بينما كان يمازحه ويكافئه، والصرامة في التعامل مع محور الخليج، وتجنَّب عقد الاتفاقيات معه". وكان الدخيل يشير في كلماته إلى الضمانات الأمنية والوعود التي قطعها أوباما في منتجع كامب ديفيد بأميركا في مايو/أيار 2015 لتهدئة المخاوف العربية بشأن الاتفاق النووي الإيراني.

هذا الترحيب المستمر بترامب يتوقف على تحقيق اثنين من آمال العرب. الأول، التراجع عن رفض أوباما للتدخل في المنطقة. والثاني، اعتناق المصداقية التاريخية لبلاده بالتفرقة بين أعداء أميركا وأصدقائها، وتعبئة الجهود المشتركة لخدمة المصالح المشتركة.

يترك أوباما المنطقة وفيها تحديات عديدة ومتفاقمة، لا تقتصر فقط على الحرب التي لم تكتمل بعد ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). فإرث أوباما في الشرق الأوسط يتضمن دولة إيرانية ممكَّنة تهدد المصالح الأميركية، وتزعزع استقرار العالم السني، وتخرق الاتفاقات الخاصة بالصواريخ والتطوير النووي. كما تنتشر بالمنطقة عدة حروب طائفية أهلية عنيفة بين السنة والشيعة.

والعراق، الذي ادَّعت إدارة أوباما أنها قد انتصرت فيه، يتقلَّب في صراعٍ محلي تحت يدٍ إيرانية غاشمة. أما عن فرص قوات المعارضة السورية المعتدلة، والتي كانت واعدةً يوماً ما، تراجعت بشدة بسبب سنوات الإنهاك التي مرت بها، وإهمال الغرب لمساعدتها، في الوقت الذي تدعم فيه إيران هجوماً مكثَّفا على معارضي نظام بشار الأسد.

في نفس الوقت، وطبقاً لعلي النعيمي، والذي حضر ملتقى أبو ظبي كأمينٍ عام لمجلس حكماء المسلمين بالإمارات العربية المتحدة ، فإنَّ التطرف الإسلاموي السنِّي المتزايد، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، يهدد استقرار المنطقة. وتركيا، التي من المفترض أنها أحد الحلفاء، ولكنها متأثرةٌ بشدة بنسختها الخاصة من جماعة الإخوان، أثبتت أنها لا تملك من حسن النية أو القدرة ما يكفي للاعتماد عليها.

تحوم فوق هذه الصعوبات أيضاً بالمنطقة بعض العوامل التي تعقد المشهد بشكلٍ أكبر. فالجهود التي يمكن أن نبذلها لهزيمة أحد خصومنا من الممكن أن تحقق مصالح خصمٍ آخر. وتدخل روسيا الهائل في المنطقة سعياً لتحقيق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية يتحدى نفوذ الولايات المتحدة الأميركية. كما يواجه حلفاء أميركا التقليديين في المنطقة مشاكل داخلية كبيرة، حتى في الوقت الذي يتساءلون فيه عن مدى مصداقية أميركا كشريكٍ لهم.

لا عجب إذن أن دول المنطقة تنظر بتفاؤل إلى تصريحات ترامب، وكذلك تصريحات مرشحه لوزارة الدفاع، الجنرال جيم ماتيس، ومرشحه لمنصب مستشار الأمن القومي، الجنرال مايكل فلين. فبينما أكد ترامب مراراً في تصريحاته على سحق تنظيم داعش وكذلك تمزيق الاتفاق النووي الإيراني، لاقت تصريحات ماتيس وفلين قبولاً شديداً لدى العرب.

أثناء حديث ماتيس في مؤتمرٍ صحفي في 21 أبريل/نيسان، وصف النظام الإيراني قائلاً إنَّه "التهديد الوحيد الأكثر ديمومة لتحقيق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط". وفي شهادته أمام الكونغرس في 10 يونيو/حزيران 2015، شجب مايكل فلين ما وصفه بـ"سلوك إيران السلبي وزيادة نفوذها". ولمقاومة تنظيم داعش والاعتداءات الإيرانية، أيد فلين التدخل الأميركي بشكلٍ أكبر في المنطقة، بما في ذلك تنظيم وتسليح جيوش عربية "قادرة على تحقيق مسؤولياتها الإقليمية".

ربما تكون هذه التصريحات سبباً جعل العرب، الذين ينتقدون ماضي أوباما السحيق وميله تجاه إيران، يأملون الآن في أن تدرك أميركا الأخطار المشتركة، وتقود الآخرين لمواجهتها. ويتمنون أن تفوق المصالح الأميركية الواقعية في أهميتها الاختلافات الثقافية والسياسية، دون أن تتجاهلها.

في هذا الصدد، سيواجه ترامب معضلةً لا تختلف كثيراً عما واجهته أول سفيرة للولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة تحت ولاية الرئيس الأميركي رونالد ريغان، جين كيركباتريك، خلال الحرب الباردة. فجين كانت ترى أنه، لكي تواجه أميركا أسوأ أعدائها، عليها العمل مع دولٍ لا تشاركها قيمها وأحياناً تنتهك هذه القيم. وكانت تعتقد أن هذا في النهاية من شأنه تحقيق الأمن والحرية.

وكما قال ماتيس الربيع الماضي في حديثه، مع اعترافه بالمخاوف من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، إنَّه يرى أنه "لا شيء أكثر خطورة على المدى الطويل في تداعياته الدائمة، من حيث استقرار وازدهار المنطقة، والأمل في مستقبل أفضل للشباب فيها، من إيران". إن تبنت إدارة ترامب بنشاط هذه الأهداف والأولويات، فإن الترحيب العربي بترامب سيستمر.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.