المرأة الإماراتية تتفوق على الرجال في التعليم.. وهكذا تتغلب على القيود العائلية

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

كانت جدة ميثاء المعماري تحلم بالذهاب إلى المدرسة، وكذلك أمها لم تحظَ سوى بالتعليم الأساسي الثانوي؛ أما بالنسبة للآنسة معماري التي تبلغ 20 عاماً من العمر فالأفق أوسع لها بكثير، فهي تفكر بخوض عالم الدراسات العليا بعدما تنهي درجة البكالوريوس الجامعية في واحدة من أعرق جامعات العالم.

ثم تطرق برأسها وتتمتم في تفكير "أو لعلي سألتحق بوزارة الخارجية."

لعل خياراً كهذا لم يخطر على بال العديد من الإماراتيات قبل عقود، فهؤلاء النسوة ترعرعن في مجتمع محافظ يقتصر فيه دورهن على الزواج والإنجاب. لكن معماري التي تدرس الأبحاث الاجتماعية والسياسة العامة في جامعة نيويورك بأبوظبي هي واحدة من بنات جيل الألفية الجديدة اللواتي يتمتعن بقدر عال من التعليم، بحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

وسط أوضاع أسعار النفط الهابطة وتخبط المنطقة من فوضى العراق وسوريا فإن قصة نجاح الإماراتيات في التعليم هي بصيص نور من بين بقع الضوء الأخرى في الشرق الأوسط. تقدمهن هذا أحرزنه في فترة قياسية قصيرة مدفوعاً بالثروة النفطية الهائلة التي تتربع عليها الإمارات العربية المتحدة –سابع أغنى دولة من حيث احتياطيات النفط المثبتة في العالم– والتي يتركز معظمها في إمارة أبوظبي.

عام 1975 وبعد فترة وجيزة من اكتشاف النفط أول مرة في البلاد كانت 38% فقط من نساء الإمارات الأكبر من 15 عاماً يُجِدن القراءة أو الكتابة؛ أما اليوم فارتفع الرقم إلى 92% مقارنة بـ 90% من الرجال. ووفقاً للإحصائيات الحكومية فالنساء يشكلن بين 70 إلى 75% من أعداد طلبة الجامعات الحكومية، أما في المؤسسات التعليمية الخاصة فتصل نسبتهن إلى حوالي 50%.
منذ هبطت أسعار النفط في يونيو/حزيران 2014 انخفض الإنفاق العام بنسبة 27% عام 2015 حسب تقارير الأخبار المحلية؛ مع ذلك يظل قادة الإمارات مستمرين في الإنفاق على التعليم وخصوصاً تشجيع المرأة على الدراسة.

يقول ولي عهد إمارة أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في خطاب له عام 2015: "رهاننا الحقيقي في الفترة القادمة هو الاستثمار في التعليم . نحن نعيش فترة لدينا فيها خير ويجب أن نستثمر كل إمكانياتنا في التعليم لأنه سيأتي وقت بعد خمسين سنة ونحن نحمل آخر برميل نفط للتصدير."

حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي لم يظهر قطاع التعليم الرسمي في الإمارات ولَم يتم افتتاح أولى المدارس الابتدائية، قبل ذلك كان بعض الأطفال يتلقون مبادئ التعليم على يد إمام من الأئمة.
كانت العائلات في البداية لا تحبذ إرسال بناتها إلى المدرسة خشية الاختلاط مع الصبية، ولكن مع تدفق النفط وعائدات صادراته أواخر السبعينيات بدأ الشيوخ بتعمير مدارس للأولاد وأخرى منفصلة للبنات عملاً بثقافة البلاد.


أول جامعة


كان افتتاح أول جامعة في أبوظبي عام 1977، لكن دخول النساء عالم التعليم الجامعي بأعداد كبيرة لم يبدأ حتى التسعينيات عندما ارتفعت معدلات التعليم والقراءة والكتابة ارتفاعاً هائلاً بفضل الاستثمار الكبير في التربية والتعليم على مر جيل كامل. كان افتتاح جامعة زايد للنساء ذات الإقبال الكبير عام 1998، ثم عام 2008 فتحت جامعة زايد أبوابها للرجال في حرم جامعي منفصل؛ والتعليم في هذه الجامعة مجاني للإماراتيين.

عبير خريجة حديثة من جامعة زايد، في الـ21 من عمرها، وفضلت عدم ذكر اسم عائلتها، وهي الآن تعمل في مجال العلاقات العامة. تقول أن عائلتها ارتاحت لتلقيها التعليم في جامعة للنساء فقط؛ ورغم أن أباها رجل أعمال كبير وناجح إلا أن مجانية التعليم في تلك الجامعة كان حافزاً إضافياً شجع العائلة على تسجيل ابنتهم فيها.
تقول عبير "شجعني أبي ونصحني قائلاً "أريدك أن تدرسي شيئاً تتحمسين للاستيقاظ في الصباح الباكر للعمل به"."

جامعة نيويورك في أبوظبي جامعة خاصة مبناها مجمعٌ حجري أبيض وسط رمال الصحراء. رسوم مرحلة التعليم الجامعي الأساسية الكاملة فيها تبلغ 76,032دولاراً، وبفضل المنح الدراسية المالية التي تقدمها الحكومة الإماراتية فإن أي طالب على قدر من النباهة يستطيع الفوز بمقعد دراسي في حال خولته درجاته من ذلك. حالياً يبلغ تعداد الطلبة هناك 1050 طالباً.


مشاكل عائلية


بعد جيلين كاملين من تعليم المرأة بدأ المجتمع يحصد نتائج هذا التعليم الآن؛ فقد باتت المرأة الإماراتية كنظيراتها في الغرب تتزوج في أعمار متأخرة، حيث أضحى متوسط عمر الزواج حسب الإحصائيات السنوية لإمارة أبوظبي يبلغ 23.9 عام قد يكون الرقم أصغر بكثير من متوسط عمر الزواج في أميركا (28 عاماً) إلا أننا علينا تذكر أن المرأة الإماراتية قبل عصر النفط كانت تتزوج في عمر مبكر قد يصل 13 عاماً.

ثمة نتائج أخرى لتعليم المرأة يصعب قياسها، بيد أنها جديرة بالاهتمام والملاحظة؛ فالآن باتت بعض النسوة يطرحن علامات استفهام على الأطر الاجتماعية بطريقة لعلها لم تكن تخطر ببال أحد قط.

آمال في الـ34 من العمر، رفضت الإفصاح عن اسم عائلتها، وكانت قد قُبلت للدراسة في جامعة ستراثكلايد بأبوظبي قبل عدة سنوات في قسم إدارة الأعمال. جامعتها مختلطة، لكنها كتمت ذلك سراً أمام عائلتها لأن إخوتها الكبار – حسب قولها- ما كانوا ليسمحوا لها بارتياد الجامعة لو عرفوا بالأمر.

تقول آمال "لم أقل لهم السر إلى أن تخرجت، فعندئذٍ جئتهم وقلت "لقد كانت جامعة مختلطة". تضحك آمال وتتابع "صُدِموا بالأمر، لكن هيا، لا يمكن تمضية الوقت كله مع النساء فقط، فهذه ليست حياة طبيعية."

نجحت مغامرة آمال، فهي الآن تستكمل شهادة الماجستير في جامعة مختلطة أخرى هي باريس-سوربون في أبوظبي، بعدما حازت على تشجيع أفراد عائلتها. تقول "أقول لهم إني في الـ34 وإن هذه حياتي."

كذلك تحدثت فايننشال تايمز إلى فتاة أخرى في الـ22 من العمر كانت طالبة من دبي، لكنها رفضت الإدلاء باسمها لأنها على خلاف من عائلتها، فقد خاضت جدلاً مع والدتها عاماً كاملاً لأنها أرادت دخول جامعة نيويورك في أبوظبي. تقول "لقد رفضوا أن أعيش في السكن الجامعي لأنهم شعروا في ذلك إخلالاً بثقافتنا، لكنني أصررت كثيراً ثم أبلغتهم أنني لن أسكن في السكن الجامعي بل سأركب سيارتي وأقودها كل يوم من دبي، فقد حصلت على منحة دراسية كاملة وكل الرسوم مدفوعة لي، فوافقوا."

هي الآن تعيش في بيتها مع العائلة مثل كل النساء الإماراتيات غير المتزوجات، لكنها ترغب بالانتقال إلى أبوظبي وقد تقدمت سراً إلى وظيفة موارد بشرية في جامعة هناك. تقول "علي إقناع والديّ بالسماح لي كي أسكن وحدي. سأكون أول امرأة في عائلتي تفعلها، وقد ربحت لتوي في المعركة الأولى."

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.