نقص الأدوية يهدد حياة المصريين.. لماذا توقفت الشركات عن استيراده بعد تعويم الجنيه؟

تم النشر: تم التحديث:
9
9

تسبب الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري بنقصٍ غير مسبوق في الأدوية المستوردة، ما وضع أدوية ضرورية في خارج متناول أيدي بعض المرضى ذوي الحالة الحرجة، وضيّق الأمر أكثر على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة في البلاد.

وقال مسؤول بوزارة الصحة المصرية، ورفض نشر اسمه، إنَّ حوالي 48 نوعاً من الدواء -من بينهم أدوية لعلاج السرطان- لم تعُد متوفرة في البلاد. وقال إنَّ 200 نوع آخر نفد مخزونه، لكن توجد له بدائل محلية.

وواجهت مصر أزمات نقص دواء من قبل، لكنها لم تشهد اختفاء أدوية بعينها كلياً، وذلك حسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

وفي الماضي، تدّخلت الحكومة لتخصيص حصة من الدولارات لصالح شركات الأدوية لاستيراد الدواء. لكن التعويم الذي تمّ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 201 ضاعف سعر شراء الدولار بالفعل، وتثني الأسعار المنخفضة التي تفرضها الحكومة للأدوية الموزّعين عن استيراد الأدوية لأنهم لا يريدون خسارة المال عند إعادة بيعها.

تلقي هذه المشكلة بظلالها على المستشفيات، والصيدليات والعائلات المصرية.


ماتت جراء نقص الدواء


ويقول محمّد لطفي إنَّ والدته توفّت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 في القاهرة جرّاء إصابتها بتسمم في الدم نتيجة تأخر إيجاد مضادات حيوية لعلاج عدوى صدرية.

وأضاف لطفي (42 عاماً): "كان جسدها واهناً بسبب السرطان وخضوعها لعملية فاشلة. قضينا أربعة أيام نبحث في كل مكان عن ثلاث حقن مختلفة، كنت مستعداً لدفع أي مبلغ من المال. وعندما وجدناها، كان الوقت قد فات".

وقالت سيدة تبلغ من العمر 65 عاماً، رفضت نشر اسمها، إنَّ دواء داء السكري الذي كانت تشتريه مقابل 8 جنيهات لم يعُد متوفراً في أي مكان، وقالت: "البديل المتوفر الوحيد يُباع بأكثر من ثلاثين جنيهاً، يمكنني تحمّل تكلفته مرة واحدة، لكن ليس بصورة دائمة".


صيدلية تويتر


بدأت مناشدات لإيجاد أدوية معينة بالانتشار عبر الشبكات الاجتماعية. ويستخدم الكثيرون هاشتاغ عبر موقع تويتر اسم "صيدلية تويتر" لإيجاد أدوية يصعُب الحصول عليها. وتضّمنت استغاثة من مستخدم تويتر قال إنَّه أب يبحث عن مضادٍ حيوي لطفله، و أشخاص قالوا إنّهم مرضى سرطان، وآخرين قالوا إنَّهم شباب يبحثون عن حقن إنسولين لذويهم. بينما عرض آخرون أدوية بلا مقابل صادف أنها كانت بحوزتهم.

يضيف نقص الدواء بُعداً جديداً من التوتر في مصر، التي ساعدت الصعوبات اليومية مسبقاً في إشعال احتجاجات الربيع العربي بها عام 2011 وانتهت بسقوط الرئيس السابق حسني مبارك.

وفقاً لتقرير وكالة الأنباء الحكومية المصرية، شكّل البرلمان المصري لجنة لإيجاد حل للأزمة الحالية. واستوردت الحكومة بعض من الأدوية الحيوية ووزّعتها محلياً. وقال مسؤولون لوكالات الأنباء المحلية إنَّ أسعار الأدوية سيُعاد النظر فيها عند استقرار قيمة الجنيه المصري.

وعوّمت مصر عملتها في بدايات نوفمبر/تشرين الثاني 2016 لضمان الحصول على قرض بمقدار 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وفي نهاية الأسبوع الفائت بلغت قيمته أثناء التداولات 18 جنيهاً مقابل الدولار، وفقاً لأسعار عدة بنوك محلية، وهو ضعف سعر التداول الذي حافظ عليه البنك المركزي منذ مارس/آذار 2016 والذي كان يدور حول 8.88 جنيه للدولار.

ويقول صندوق النقد الدولي إنَّ تخفيض العملة سيدعم صادرات مصر، وينشّط السياحة، ويجذب الاستثمارات الأجنبية.

وقد أدى ضعف العملة أيضاً إلى رفع تكلفة المعيشة في مصر. وارتفع سعر حتى أرخص السلع الأساسية -مثل العدس والفول- بشكل ملحوظ، وتعثّر إيجاد السلع المستوردة مثل السكر.

وبحسب بيانات البنك المركزي، ازدادت معدلات التضخم السنوي في نوفمبر/تشرين الثاني إلى 19.4%، بعد أن كانت 13.6% في أكتوبر/تشرين الأول 2016.

وتتوقع المجموعة المالية هيرميس أن يبلغ المعدل المتوسط للتضخم نسبة 18.5% للعام المالي الذي سينتهي في يونيو/حزيران عام 2017.

وفي خطاب تليفزيوني ألقاه عبد الفتاح السيسي في القاهرة يوم الخميس 8 ديسمبر/كانون الأول 2016 بمناسبة المولد النبوي، قال الرئيس المصري إنَّه لم يكن ممكنا تأخير الإصلاحات المالية أكثر من ذلك -حتى وإن سببت بعض المتاعب الاقتصادية. وقال إنَّ الإصلاح الاقتصادي "ليس نزهة أو مهمة سهلة".

الشركات تتوقف عن الاستيراد

وتحكّمت الحكومة المصرية لفترة طويلة بأسعار الأدوية لحمايتها من تأثير ضغط التضخم. لكن مع التعويم الحديث، أظهر هذا التحكم نتائج عكسية.

فقد اضطرت الشركات الموزّعة لأدوية تعالج حالاتٍ خطِرة -مثل السرطان، أو داء السكري، أو أمراض القلب - لإيقاف أو تحجيم استيرادها لتجنّب بيع الأدوية بهامش خسارة في ضوء نظام التسعير الحكومي، بحسب ما قال أسامة رستم، نائب رئيس غرفة صناعة الأدوية، وهو اتحادّ تجاري.

وقال رستم: "كُل ما نطلبه هو الاحتفاظ بهامش الربح نفسه الذي كنّا نحصل عليه قبل التعويم".

ولم يستجيب المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية لمكالمات وول ستريت جورنال طلباً للتعليق.

وفي وسائل الإعلام المحلية، اتهم مسؤولون مصريون الموزعين باحتكار/بتخزين الأدوية لزيادة أرباحهم.
في هذه الأثناء، تستمر معاناة المستشفيات.


وقف الغسيل الكلوي


فقد حذّرت مستشفى الريان، التي تقع في منطقة تسكنها الطبقة العاملة في القاهرة وتعمل بفضل التبرعات والمعونات الحكومية، مرضاها الأكثر فقراً أنهم قد يضطرون للبحث عن مكان آخر لإجراء عمليات الغسيل الكلوي.

وقال رئيس المستشفى اللواء محمود حلمي: "لا يمكننا حتى إيجاد المستلزمات، وهذا يتركنا للسوق السوداء، التي ترفع من سعر الجلسة الواحدة".

وقالت د. منى الغمراوي، طبيبة أطفال ورئيسة عيادة أمراض الدم في مستشفى حكومة بوسط البلد في القاهرة، إنَّ بعض موفري المستلزمات الطبية أصبحوا يطلبون الدفع بالدولار بدلاً من الجنيه، وأضافت: "يخبرنا آخرون أن الأسعار المطروحة صالحة لمدة ثلاثة أيام فقط، على عكس الأسعار الشهرية التي كانوا يقدمونها".

ويجبر النقص الصيدليات أيضاً على التحكّم بحصص الأدوية المباعة.

وقالت لمياء عبد السلام، والتي تعمل في صيدلية تقع بمنطقة المنيل التي تسكنها الطبقة الوسطى، إنَّ النقصّ يشمل الآن مستلزمات أساسية مثل المضادات الحيوية، والفيتامينات، وقطرات العين. وأردفت قائلة: "نحن الآن نبيع الأدوية بأقل كميّات ممكنة، بدلاً من بيع عدّة علب من دواء واحد لمريض بعينه".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.