يستخدم لتنويم الأفيال.. "الفنتانيل" مخدر قوته تفوق التصورات ولمسه قد يؤدي للموت.. وهكذا قتل الآلاف بأميركا

تم النشر: تم التحديث:
7
7

لم تسمع ناتاشا باتلر عن "الفنتانيل" على الإطلاق قبل أن يخبرها الطبيب أن قرصاً واحداً من ذلك العقار دفع ابنها الأكبر نحو حافة الموت، وأنه لن يعود إليها مرة أخرى. ونقلت باتلر عن الطبيب قوله إن الفنتانيل تبلغ قوته 100 ضعف قوة المورفين و50 ضعف قوة الهيروين، حسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.

وأردفت قائلة "أنا أعرف أن المورفين عقار قوي، وقوي للغاية. لكنني أحاول أن أتفهم الأمر. كل ذلك في قرص واحد؟ كيف حصل جيروم على ذلك القرص؟" كانت تهمس بتلك الكلمات، وعندها نزلت دموعها من مآقيها.
تصف باتلر ما حدث قائلة "وُضع جيروم على جهاز تنفس وكان غير مستجيب إلى حد كبير. أخبرني الأطباء أن كل أعضائه توقفت عن أداء وظائفها. كان المخ يتورم، مما يتسبب في الضغط على العمود الفقري. قالوا لي إنه إن استطاع النجاة، فسوف يعاني من صعوبات في الحركة وأداء وظائف المخ".

كانت الصورة الأخيرة لجيروم تُظهره في سرير المستشفى مسنوداً ولا يتحرك، وعيناه كانتا مغلقتين، ولا يتغذى إلا عبر مجموعة من الأنابيب والأسلاك. اتخذت ناتاشا باتلر القرار شبه المستحيل بأن تتركه يموت.
وقالت ناتاشا "كان علي أن أنزع عنه أجهزة دعم الحياة. ذلك هو أصعب شيء يمكنني أن أفعله. لقد أنجبته وعمري 15 عاماً، لذا كبرنا سوياً. كان عمره 28 عاماً عندما مات". وأضافت "اضطررت إلى أن أتركه يموت، ولكن بعد ذلك كنت في حاجة إلى إجابات: ما هو الفنتانيل، وكيف حصل عليه؟"


المخدرات شبه الأفيونية


كان ذلك هو السؤال الذي انتشر عبر مدينة "ساكرامنتو" عاصمة ولاية كاليفورنيا الأميركية، بعد أن حصل جيروم و52 آخرون من أنحاء عاصمة الولاية على جرعة زائدة من هذا العقار الاصطناعي شبه الأفيوني شديد القوة -والذي لا يستخدم في الغالب سوى لمعالجة مرضى السرطان الذين بلغوا مراحل متأخرة من المرض- وذلك خلال الفترة بين أواخر مارس/ آذار وأوائل أبريل/ نيسان 2016. فقد قضى 12 شخصاً من بين هؤلاء نحبهم .

بعد أقل من شهر، تسبب ذلك العقار الغامض -الذي لم يكن يعرف عنه معظم الأميركيين شيئاً- في قتل المغني الأميركي برنس، لتبرز خطورة العقار أمام الوعي الوطني. عُرف الفنتانيل بأنه أحدث الصيحات- وأشدها إزعاجاً- بين الموجة الوبائية من إدمان المواد شبه الأفيونية التي اجتاحت الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، والتي تسببت في موت ما يقرب من 200 ألف أميركي. إلا أن برنس، مثل جميع ضحايا الفنتانيل تقريباً، لم يكن يعرف على الأرجح أنه يتعاطى هذا العقار.

8


دور شركات الأدوية


تقول الملازم تريسي موريس، قائدة التحقيقات الخاصة والتي تدير فرقة مكافحة المخدرات بمقاطعة "أورانج"، التي شهدت انتقال فيضان من المخدرات عبر الحدود المكسيكية "إن عدد الأشخاص الذين يتعاطون جرعة زائدة يبدو مذهلاً ومخيفاً حقاً. وهم لا يعرفون حتى ما الذي يتعاطونه".
تمخّض وباء إدمان مسكنات الألم شبه الأفيونية -وهو في الحقيقة يشكل أزمة أميركية كبيرة- عن قوة شركات الأدوية الكبيرة وسلطتها التي تؤثر في السياسات الطبية.
منذ عقدين من الزمان، أطلقت شركة أدوية عائلية صغيرة، تسمى "بوردو فارما"، أقوى مسكن ألم بِيع في الصيدليات على الإطلاق. على الرغم من أن قوته تجاوزت قوة أي عقار آخر في السوق، فضلاً عن ارتباطه بالهيروين، زعمت بوردو أن عقارها المسمى "أوكسي كونتين" ليس عقاراً إدمانياً، وأنه آمن حتى عند معالجة الآلام البسيطة. إلا أن تلك المزاعم اكتُشف فيما بعد أنها غير صحيحة.


تخريب للمجتمعات


ويقال في الولايات المتحدة إن هذا الوباء (الأوكسي كونتين) تسبب في قتل عدد من الأشخاص يفوق عدد الذين قُتلوا بسبب انتشار الأسلحة، فقد تجاوز تأثيره الأجناس والطبقات الاجتماعية والحدود الجغرافية، إذ تسبب في تخريب مجتمعات كثيرة، بدءاً من مجتمعات البيض الريفية في أبالاتشيا بشرق أميركا والمورمون في ولاية يوتاه، وحتى مجتمعات اللاتينيين وذوي البشرة السمراء في جنوب كاليفورنيا.
وانتشر بشدة تعاطي "الأوكسي كونتين" ومسكنات الألم الأخرى التي تحتوي على نفس المادة الفعالة، الأوكسيكودون الموجودة به، إلى درجةً أن بعض العائلات بالكامل كانت تتعاطاه.
فمن العمال الذين يعانون من آلام الظهر، ومروراً بالرياضيين الذين يتعرضون لإصابات رياضية، وحتى أي شخص آخر يقول إنه يعاني من أي ألم، كان الأوكيسكودون هو الدواء الموصوف.
وتشير أسماء الأشخاص الذين أدمنوا العقار إلى غياب أي نوع من التمييز بين الفئات التي وصل إليها العقار، فقد صارت سيندي زوجة السياسي جون ماكين مدمنة عليه، وهو ما حدث أيضاً مع المغني الأميركي الشهير إمينيم.

اللافت هو انتشار بعض العيادات التي يديرها أطباء منعدمو الضمير، تُعرف باسم "طواحين الحبوب"، تعطي روشتات تصف ذلك العقار مقابل الأموال. وتبلغ أرباحهم ملايين الدولارات كل عام.

وبعد أن بدأ ذلك الوباء في جذب الانتباه السياسي وانتباه الرأي العام، كان أكثر من مليوني أميركي يدمنون مسكنات الألم شبه الأفيونية.

أمَّا الأشخاص الذين حاولوا التخلص من إدمانهم للعقار، فلم يتمكنوا من فعل ذلك دون دفع كلفته التي بلغت أحياناً فقدان وظائفهم وعلاقاتهم ومنازلهم.

4


الفنتانيل بديلاً



بعد أن بدأت الحكومة الأميركية في كبح جماح وصف مسكنات الألم، زاد ذلك من صعوبة الوصول إليه ورفع أسعاره في السوق السوداء، فبدأت العصابات المكسيكية في إغراق الولايات المتحدة بالهيروين ، وبكميات لم يُر مثلها منذ سبعينيات القرن الماضي.

ولكن على الرغم من الأرباح التي تجنيها العصابات من عودة الهيروين هائلة، إلا أن تصنيعه يتطلب مزيداً من الجهد والوقت حتى تُزرع نبتة الخشخاش وتُحصد. فضلاً عن المخاطر التي تواجه تهريبه بكميات كبيرة إلى الولايات المتحدة.

بالمقابل، تأتي مكونات الفنتانيل من الصين وهي متاحة للاستيراد بسهولة وجاهزة للتصنيع.

بدأ تصنيع ذلك العقار في الأساس في بلجيكا، إذ طُور لاستخدامه في التخدير. يعد عقار الفنتانيل أقوى بكثير من الهيروين، إذ تكفي كمية صغيرة منه للوصول إلى نفس الحالة التي يوصِل إليها الهيروين. وهو ما يعني تحقيق العصابات أرباحاً أسهل. في غضون ذلك، قالت إدارة مكافحة المخدرات إن أرباح بيع كيلو واحد من الهيروين تبلغ حوالي 50 ألف دولار. وفي المقابل، تبلغ أرباح بيع كيلو واحد من الفنتانيل مليون دولار.

في البداية كانت العصابات تخلط مادة الفنتانيل مع الهيروين كي تزيد من قوة المواد ذات الجودة الأقل. إلا أن مسكنات الألم شبه الأفيونية الموصوفة صار من الصعب الحصول عليها في السوق السوداء. نتيجة لذلك، بدأت العصابات في الدفع بأقراص غير أصلية إلى الأسواق دون أن يعلم متعاطوها في الأغلب أنها تحتوي على الفنتانيل.


جرعات قاتلة


المشكلة الأخطر أن تصنيع أقراص دواء بمادة مثل الفنتانيل يُعد عملية علمية بحتة، ما يجعل احتمالات الخطأ في التصنيع ذات تأثير خطير، إذ إن قليلاً من الغرامات الزائدة قد يتسبب في القتل.

وتقول موريس: "إنها مادة قاتلة حتى في الجرعات القليلة. فقد تكون جرعة صغيرة تبلغ 0.25 مليغرام قاتلة.

وقد وضع أحد المعامل عملة معدنية بجوار 0.25 مليغرام وبالكاد يمكنك رؤية تلك الكمية. إذ يبلغ حجمها كحجم سن القلم. إلا أن تلك الكمية ربما تتسبب في قتلك".

تُشبّه السلطات الأميركية شراء الأقراص من السوق السوداء بلعب الروليت الروسي. فيما قالت باربارا كارينو من إدارة مكافحة المخدرات "تُباع هذه الأقراص في الشوارع، ولا يعرف أي شخص ما الذي فيها وما مدى قوتها".

بعد وفاة المغني برنس، عثر المحققون بمنزله على أقراص كُتب على الروشتة الخاصة بها إنها مصنوعة من مادة الهيدروكودون، لكنها في الحقيقة مصنوعة من الفنتانيل. وتشير آراء بأنه اشتراها من السوق السوداء.

خلُصت الشرطة إلى أنه قضى بسبب تعاطيه خليطاً من أقراص البنزوديازيبين والأقراص شبه الأفيونية، لا سيّما مجموعة خطيرة من تلك المواد. من المرجح أن برنس لم يكن يعرف أنه يتعاطى الفنتانيل.


مايكل جاكسون


إلا أن البعض الآخر يتحمل مخاطرة معرفة ما الذي يتعاطاه. استخدم مايكل جاكسون، خلال معركته الطويلة مع الإدمان، وصفة لتناول الفنتانيل، ضمن مجموعة الأدوية الكبيرة التي أعطاه إياها الأطباء الذين كانوا يطاوعونه. ورغم أن القرصين اللذين قتلاه لم يكونا أدوية شبه أفيونية، فإن إضافة الفنتانيل إلى ذلك الخليط كانت خطيرة للغاية.

ظنّ جيروم باتلر، الذي عمل سائًقاً لشركة بادوايزر للجعة سابقاً وكان يتدرّب ليصير حارس أمن، أنّه يأخذ قرصاً من دواءٍ يدعى نوركو. يتكسر صوت والدته، بينما تستعيد ما تعرفه عن ساعات ابنها الأخيرة. قالت ناتاشا إنّها كانت تعرف بتعاطي ابنها الحشيش، لكن لم يكن لديها أدنى فكرة عن إدمانه المسكّنات شبه الأفيونية.

وأوضحت أن الطبيب وصف لابنها مسكّناً شبه أفيونياً مرّة، وأنه ربما صار مدمناً بهذه الطريقة. وقد اكتشفت بعدها أنّه كان يدفع لطبيب معروفٍ بوصفه للمسكّنات ليوفر له الحبوب.

تقول، "لم أكن أعرف. إنك تكتشف الأشياء بعدها. وهذا يقتلني لأنهم يقولون، (نعم، جيروم كان يتعاطى الحبوب طوال الوقت)، وأنا أتساءل: (كان يفعل ماذا؟)".

ربّما امتلك جيروم روشتة طبية، لكنه مثل العديد من المدمنين كان سيحتاج روشتات أكثر وأكثر. الحبة التي قتلته تحمل ختم M367، الذي يوضع على حبوب نوركو المصنوعة من مادة الهيدروكودون شبه الأفيونية. ولكن الواقع أنها كانت الحبّة زائفة، وتحتوي على جرعة عالية من الفنتانيل.

تقول ناتاشا، "لو كان جيروم عرف أنها حبة فنتانيل لما كان أخذها. إنه ليس مثل مخدر الكراك أو العقاقير الترويحية التي تعاطاها الناس لأعوامٍ طوال ونجوا من تأثيراتها حتى سن الستين أو السبعين قبل أن تتوقف قلوبهم من جرّاء جرعة زائدة لم تعد قادرة على احتمالها. هذا فنتانيل. المرة الأولى التي تأخذه فيها لا تعود منها. إنك تذهب إلى الأبد".

لم يكن ذلك صحيحاً قطعاً بشأن شحنة المخدرات التي ضربت ساكرامنتو، حيث حصد الفنتانيل أرواح 11 آخرين. كان جورج بيري، البالغ من العمر 18 عاماً، أصغر الضحايا، والذي كان يقطن حي إلدورادو هيلز، الحيّ الراقي ذي الأغلبية البيضاء. وأكبرهم يبلغ من العمر 59 عاماً. لكن آخرين نجوا بحياتهم. بعضهم أنقذته ردود الفعل السريعة لأطباء تمكنوا من حقنهم بالترياق قبل وقوع ضررٍ دائم. وآخرون لم يبتلعوا إلا ما يكفي لإصابتهم بعلة شديدة.

لم تكن المسألة سوى مسألة حظ. عندما أرسل المحققون الحبوب المزيفة المُصادرة بعد وقائع التسمم في ساكرامنتو لكي تُحلّل في جامعة كاليفورنيا، وُجدت اختلافات واسعة في كمية الفنتانيل التي احتوتها كل حبة. بعض الحبوب احتوت على أقل من 0.6 ملليغرام. وأخرى على 6.9 ملليغرام: وهي جرعة قاتلة بشكلٍ شبه مؤكد.

5


فشل في الخلط


تظن إدارة مكافحة المخدرات أن الفارق نتج على الأرجح عن فشلٍ في خلط المكونات مع المساحيق الأخرى بالشكل الصحيح، وهو ما تسبب في توزيعٌ غير متساوٍ للفنتانيل في شحنة واحدة من الحبوب المزيفة.

على الأرجح يفسر ذلك سيل حوادث تعاطي الجرعات الزائدة غير المتوقع، والذي بدأ في الظهور في مدن الولايات المتّحدة.

في أغسطس/آب 2016 تعاطى 174 شخصاً بسينسيناتي بولاية أوهايو، التي تحتوي على أحد أسرع الاقتصادات نمواً في الغرب الأوسط، جرعة زائدة من الهيروين في ستة أيام.

شك المحققون في الفنتانيل لأن الضحايا احتاجوا بضع جرعات من ترياق النالوكسون، بينما جرعة أو اثنتين تكفي في حال تعاطي الهيروين في المعتاد.

في الشهر نفسه، تعاطى 26 شخصاً جرعة زائدة من الهيروين المخلوط بالفنتانيل في 4 ساعات بمدينة هنتنغتون، وهي مدينة ذات أغلبية بيضاء في أحد أفقر المناطق بويست فيرجينيا.

وفي سبتمبر/أيلول 2016، لقي سبعة أشخاص حتفهم من جرّاء تعاطي جرعة زائدة من الفنتانيل أو الهيروين في يومٍ واحدة بمقاطعة كوياهوجا، بولاية أوهايو.


كم عدد القتلى؟


لا تعرف السلطات الأميركية على وجه التحديد كم شخصاً قتله الفنتانيل، لأنّه كثيراً ما يُخلط بالهيروين، الذي يُسجّل سبباً للوفاة.

وقد أفادت إدارة مكافحة المخدرات بوقوع 700 وفاة من الفنتانيل في 2014، لكنها قالت إنّ العدد الفعلي أكثر من ذلك، وفي ازدياد.

في 2012، أجرى معمل الإدارة 644 اختباراً أكّد وجود الفنتانيل في المخدرات المُصادرة. وبحلول 2015، ارتفع عدد النتائج الإيجابية إلى 13002.

لم تضطر قوات الشرطة إلى البحث عن مصدر المخدر الذي قتل جيروم بعيداً. كان وصديقته الحميمة يمكثان ببيت عمته، ميلدريد دوسمان، ريثما ينتظران الانتقال إلى مكانٍ خاص بهما.

كان جيروم يدخن الحشيش ويشرب الجعة مع ويليام، ابن ميلدريد. وقبل الواحدة صباحاً بقليل، ذهب ويليام إلى غرفة نوم والدته، وعاد بحبة نوركو الزائفة. أخذها جيروم وقال إنه سيخلد إلى النوم.

كانت صديقة جيروم الحميمة قيد الاعتقال بسبب غرامة مرورية غير مدفوعة، لذا كان وحيداً مع ابنتهما البالغة من العمر 18 شهراً، سوكسيس، الذي كانت ترقد بجواره.

تقول والدته، "شرح لي الأطباء أنّه في خلال دقائق دخل في أزمة قلبية. ثمّ مرّ الوقت على أعضائه التي تسمّمت تدريجياً بالفنتانيل وهو راقد. كان يموت وابنته إلى جانبه". تقول ناتاشا إن أشخاصاً آخرين في المنزل سمعوا استغاثة ابنها، يشكو من ألمٍ في قلبه. لكنهم لم يفعلوا شيئاً لأنهم خافوا من الاتصال بالإسعاف، لأن الشرطة ستأتي كذلك.

لم يقرر آل دوسمان طلب المساعدة من جارهم الذي يعرف جيروم إلا بعد 10 ساعات. حاول الجار إنعاشه بالتنفس الصناعي والتدليك القلبي، ثمّ اتصل بالمسعفين. وجاءت الشرطة أيضاً، واتهمت ميلدريد دوسمان عمة جيروم التي تبلغ من العمر 50 عاماً، بالإتجار في الفنتانيل والمسكنّات شبه الأفيونية في السوق السوداء. إذ تبين إنها كانت هي الموزع المحلي.


دور الصين


تتكتم إدارة مكافحة المخدرات بشأن التحقيق في وفيات ساكرامنتو، في حين يعمل عملاؤها على إقناع دوسمان بقيادتهم إلى المزودين. لكنها على الأرجح كانت تحصل على الحبوب من العصابات المكسيكية، التي تحصل عليها من مختبرات في الصين حيث يعتبر إنتاج مكونات الفنتانيل قانونياً.

وقالت باربرا إن بعض العصابات المكسيكية تتمتع بعلاقات طويلة مع شركات صينية شرعية زودتهم لأعوام بالمواد الكيميائية اللازمة لتصنيع مخدر الميثامفيتامين.


الشرطة في خطر


تُنقل أكياس الفنتانيل عن طريق مناولين مستأجرين لكي يصعب تتبع المصدر. والشحنات الأكبر تُهرّب في حاويات الشحن. عام 2015، أصيب ستة موظفين في الجمارك الصينية بالمرض، وأحدهم دخل في غيبوبة، على إثر مصادرة 72 كيلوغراماً من أنواع مختلفة من الفنتانيل من حاوية متجّهة إلى المكسيك.

وقد واجه ضباط الشرطة الأميركيون مخاطراً مماثلة. ففي يونيو/حزيران 2016 ، وضعت إدارة مكافحة المخدرات مقطعاً تحذيرياً لقوات فرض القانون بجميع أنحاء الولايات المتّحدة، يحذّر من أن الفنتانيل مختلف عن أي شيء واجهوه من قبل، وأنه ينبغي عليهم عدم جلب العينات المصادرة إلى المكتب.

يقول المقطع إن "استنشاق كمية صغيرة جداً، أو امتصاصها عن طريق الجلد، يمكن أن يقتلك".

يظهر محقق من نيو جيرسي بالمقطع بعد استنشاقه بالخطأ "القليل من الفنتانيل المنثور في الهواء" خلال عملية اعتقال، قائلاً، "شعرت بأن جسدي ينطفيء.. ظننت أن الأمر انتهى، وأنني أحتضر".


صناعة أميركية أيضاً



إلى جانب العصابات المكسيكية، برزت صناعة محلية في الولايات المتحدة لهذا المخدر القاتل . وبعد أسابيع من وفاة جيروم، اعتقل العملاء زوجين يضغطان حبوب الفنتانيل في شقتهما بسان فرانسيسكو.

صنع كانديلاريا فازكيز وكيا زولفاجاري العقار ليبدو كحبوب الأوكسيكودون، وباعاه في أنحاء البلاد باستخدام شبكة الانترنت المظلمة darknet (شبكات مخفية يصعب تتبعها ).

ففي ذات مرةٍ صرف زولفاجاري 230 ألف دولار. وشحن الزوجان المخدرات من خلال مكتب البريد المحلي. أما المستهلكون الذين تتبعتهم الإدارة كانوا يظنون أنّهم يشترون حبوباً مسكنة حقيقية.

أدار الزوجان العملية في مطبخهما. ووفقاً لمذكرة أصدرتها الإدارة، قال أحد الموزعين إن زولفاجاري كان يضغط الحبوب بأعداد كبيرة. "كان يضغط 100 حبة بسرعة لعينة".

جنى الزوجان مالاً كثيراً لدرجة أن العملاء عثروا عند تفتيش الشقة على ساعات فاخرة تقدر قيمتها بـ70 ألف دولار، وأكثر من 44 ألف دولار نقداً، وعشرات "الفواتير الاستهلاكية" والتي تضمنت الأسماء، والكميات، وأرقام التتبع.

زخرت الشقة ببضائع المصممين. وقد وصفت المذكرة مجموعة الأحذية التي امتلكتها فازكيز بأنها "مكدسة من الأرض إلى السقف"، وأن وبعضها مازال يحمل بطاقة السعر المكتوب عليها ألف دولار.

اعتُقل زولفاجاري حاملاً مسدساً نصف آلي عيار 9 مللي، وحوالي 500 حبة كان يستعد لشحنها.


الأخطر من الفنتانيل


وحتى مع بدء الأميركيين في فهم الفنتانيل، فإنّه خطورته تتضاءل أمام العقاقير الجديدة.
في سبتمبر/أيلول 2016، أصدرت إدارة مكافحة المخدرات تحذيراً بشأن مخدر مشتقٍ من الفنتانيل ولكن أقوى منه 100 مرة، وهو الكارفنتانيل، والذي يُستخدم لتنويم الفيلة.

يقول مدير إدارة مكافحة المخدرات، تشاك روزنبرج، "الكارفنتانيل يظهر في المجتمعات أكثر وأكثر. نراه في الشوارع، وغالباً ما يتّنكر في صورة الهيروين. إنه خطيرٌ بجنون".

رُبط الكارفنتانيل بالفعل بتسعة عشر وفاة في ميشيغان. يقول المحققون إنه من المؤكد، مع انتشار تعاطيه، أن يحصد مزيداً من الأرواح.

يحصل التجار على ذلك العقار من الصين أيضاً، حيث لا يعد الكارفنتانيل عقاراً ممنوعاً، ويمكن بيعه لأي شخص.


كاليفورنيا ترفض تشديد العقوبات


ما زالت ناتاشا باتلر تحاول فهم العقار الذي قتل ابنها. تريد معرفة السبب وراء عدم سماعها بالعقار إلا بعدما حصد روح ابنها. وتتهم السلطات بالفشل في توعية الناس بالخطر، والسياسيين بالتهرب من مسئولياتهم.

لم تُكتب الحياة لمشروع قانون أمام محكمة ولاية كاليفورنيا يقضي بتشديد عقوبات الاتجار في الفنتانيل، بعد المعارضة التي واجهها من حاكم الولاية، جيري براون، لأنه سيضغط على السجون المكدّسة بالفعل.

تقول ناتاشا: "إنني مذهولة جداً. كيف يحدث هذا؟". تنزل دموعها بغزارة بينما تجلس على طاولة سوداء تكفي بالكاد لثلاثة أشخاص، وتتحدث عن جيروم، ومأساة أطفاله الثلاثة، ومن ضمنهم سوكسيس، التي تربيها الآن.

بيد أن بعض هذه الدموع ذرفتها من الأثر المدمر على حياتها هي، إذ تقول، "انظروا أين أنا. كنت في لويزيانا. امتلكت منزلاً، ووظيفة، وسيارة. وحياة. عملت كل يوم. كنت مديرة لشركة كبرى. ثم أتيت هنا، وصرت بلا مأوى. اضطررت إلى الانتقال إلى هذه الشقة لأساعد حفيدتي.
ابني مات. ترك ثلاثة أطفال، ووالدتهم يستمدون جميعاً مني القوة. أريد إجابات، وأريد المساعدة. أقول إنّكم اعتقلتم السمكة الصغيرة. لكن من زودهم بالمخدر؟ وكيف وصل إليهم؟ أنتم حكومتي. من المفترض بكم حمايتنا".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.