عراقيون يصرون على الحياة في وجه الحرب.. هكذا يحاولون العيش وسط الدمار (فيديو)

تم النشر: تم التحديث:

نشأتُ في منزلٍ تطل فيه غرفتي على طريق مسدود محاط بأشجار الأوكاليبتوس. خلف ذلك المنزل كانت هنالك مكتبة كنت أتردد عليها باستمرار لأجري أبحاثاً تتعلق بواجباتي المدرسية.

أطلق والدي اسم (بناتي الأخريات) على محتويات حديقته التي كان يرعاها بحنان، وكانت تضم الورود وأزهار الغاردينيا وأنواعاً من أشجار الفاكهة. أحبت أمي إعادة تزيين منزلنا كل عام مستخدمة ألواناً جديدة وتشكيلات مختلفة من الأثاث واللوحات التي حصلت عليها من جميع أنحاء العالم.

بعد عدة سنوات من الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تحول ذلك المنزل إلى مركز للإعدام ثم إلى ماخور فمركز للعمليات العسكرية. وبعد أن أعيد المنزل لعائلتي، وجدت أن أياً من ذكريات طفولتي لم تبق على حالها- لا غصن ورد أو شجيرة، ولا حتى الأسلاك الكهربائية داخل المنزل.

تعرض كل شيء للسلب أو الإتلاف. تم تحويل المكتبة إلى مسجد. أشجار الأوكاليبتوس تحولت إلى حواجز إسمنتية أزيلت مؤخراً. أما الحديقة فقد أصبحت منزلاً لعائلة أخرى. لا شيء من المنزل أو الحي يشبه ما كان عليه قبل 20 عاماً بأي شكل من الأشكال.


"لا يمكن التعرف عليه"


إذا اعتبرنا أن منزلنا يمثل العراق، فإن العراق قد دمّر ولا يمكن التعرف عليه بعد الآن.

بالرغم من عدم وجود رقم رسمي لعدد المتضررين خلال الأعوام الـ13 الماضية، فإن الرقم المتوفر يتراوح ما بين 200 ألف ومليون قتيل، وحوالي 4 ملايين مهجّر في مختلف أنحاء العالم، و2.8 مليون نازح سواء في المخيمات أو ممن يعيشون في مناطق مختلفة من العراق بصورة مؤقتة.

وخلال زيارتي لمشروع زينب سلبي، وجدت أن كل قرية وبلدة ومدينة مررت بها من بغداد وحتى الخطوط الأمامية للقوات التي تحارب تنظيم الدولة (أي مسافة أكثر من 3 ساعات بالسيارة) قد دمرت عن بكرة أبيها وتحولت إلى مدن أشباح.

يحاول جميع من بقي في العراق الإبقاء على بصيصٍ من الأمل. يعمل قريب لي يدعى أحمد كرجل أعمال في مجال تصنيع الأغذية. لقد عاش في الولايات المتحدة لعشرة أعوام وعاد إلى العراق بحس من المسؤولية للمشاركة في إعادة إعماره.

لكنه اضطر لإبعاد أطفاله عن بغداد بعد أن أخبروه عن عدد الجثث التي رأوها في الشوارع أو تلك التي تطفو على نهر دجلة. يقول أحمد: "لم أستطع تعريضهم لتلك التجربة لوقت
أطول." لذا أرسلهم شمالاً إلى المناطق الكردية الأكثر أماناً واستقراراً.

وتصر هناء إدور، وهي إحدى أشهر الناشطات في مجال حقوق المرأة في العراق، على البقاء في بغداد للكفاح وتحقيق أهدافها. قالت لي هناء خلال زيارة قمت بها إلى هناك مؤخراً "لقد تدهور حال حقوق المرأة منذ الغزو. لكننا نحاول المقاومة ضد المحاولات التي يبذلها البرلمان باستمرار لتغيير القوانين بغية تقييد حقوق المرأة."

نشأنا أنا وهناء في زمن نشطت فيه النساء العراقيات في سوق العمل، وكان لهن حرية ارتداء ما شئن والتنقل كيفما شئن، وكن يملأن الشوارع والقطاع العام في جميع المجالات. أما الآن، فيجب على الشابات ارتداء غطاء الرأس حفاظاً على سلامتهن، كما لجأ الكثير منهن إلى التزام البيت نظراً لانعدام الأمن في الشوارع.

وتأتي مشاركة هناء في الإبقاء على بصيص الأمل عن طريق دعم (مركز الأمل) الذي يفتح أبوابه لعقد اجتماعات للشباب. فالحفلات والأنشطة التي تعقد في المركز تمنحهم حرية التصرف على سجيتهم كونها منفذاً للإبداع والغناء ومناقشة سبل بناء مستقبل مشرق.

وهناك من العراقيات من قررن حمل السلاح لمحاربة تنظيم الدولة. أم هنادي، وهي امرأة من تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، تحارب ضد تنظيمي الدولة والقاعدة منذ 8 سنوات على الأقل.

أخبرتني كيف أن عناصر تنظيم القاعدة الذين انضموا فيما بعد لتنظيم الدولة حاولوا تجنيدها للقتال إلى جانبهم. وحين رفضت طلبهم، قاموا بقتل جميع الرجال في عائلتها، ومنهم زوجها أبو شيماء، الذي لم يكن حب حياتها وحسب، بل رفيقها في السلاح أيضاً.

عندما قابلتها على الخطوط الأمامية للقوات التي تحارب تنظيم الدولة، أخبرتني أنها ستمضي ما تبقى من حياتها في مقاومة التنظيم حتى تحرير كل شبر من الأراضي العراقية.
عندما يكتشف الأميركيون أني من أصول عراقية فأول ما يخطر ببالهم هو مبادرتي بذات السؤال "هل كان الوضع أفضل إبان حقبة صدام أم بعد الإطاحة به؟"


ظرفان سيئان


ليس من السهولة على العراقيين أن يجيبوا على مثل هذا السؤال. لقد حكم صدام حسين العراق طوال 24 عاماً ( من 1979 وحتى 2003). امتازت فترة حكمه بالخوف الشديد، إذ قابل أي تعبير عن الآراء السياسية المضادة لنظام حكمه بعقوبات صارمة، حتى وإن كان انتقاداً بسيطاً.

دخل العراق حرباً طاحنة مع إيران على مدى 8 سنوات (من 1980 وحتى 1988)، كما قام صدام بمذبحة بحق الأكراد عام 1988 وأجرى عمليات تهجير موسعة في صفوف الشيعة ( من 1980 وحتى 1982) وغزا الكويت عام 1990، وتعرض العراق لعقوبات اقتصادية خلال التسعينيات.

لكن وبعد مرور سنوات على إسقاط نظام حكمه، ما زال الناس يستذكرون زمن حكم صدام حسين على أنه عصرٌ ساد فيه الأمن والأمان للجميع بشكل عام.

ففي ذلك الحين، لم تكن هنالك عمليات خطف ممنهجة أو عشوائية كبيرة لأسباب سياسية ومالية، ولا تفجيرات انتحارية، ولم تكن تشاهد هذا العدد من نقاط التفتيش الأمنية في الشوارع ولا قتالاً طائفياً بين السنة والشيعة، ومن المؤكد أنك لم تكن تشاهد تنظيمي القاعدة والدولة. فكل ذلك ظهر بعد الغزو الأميركي عام 2003.

يقول بعض العراقيين أنهم يحنّون لأيام صدام- فقد كان البعيدون عن السياسة حينها ينعمون بالأمن والأمان على الأقل. ويفضل آخرون حقبة ما بعد صدام كونهم حظوا بحرية التعبير، حتى وإن غاب الأمان عن الشوارع.

أعتقد إن هذا السؤال غير عادل؛ فمن غير المنطقي جعل العراقيين يختارون بين ظرفين سيئين.

صدام حسين كان دكتاتوراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أما عراق ما بعد صدام فمزقته الصراعات الطائفية ووحشية تنظيم الدولة والدمار الذي سببه، إلى جانب تراجع حقوق المرأة من مختلف الجوانب، والفساد الكبير الذي تعانيه المفاصل الرسمية للدولة.

يجب الوصول إلى مصالحة كاملة بين العراق والولايات المتحدة، ليس من أجل العراقيين فقط، بل للمساعدة على مكافحة الإرهاب والعنف في العراق والدول المحيطة. يحمل

الكثير من العراقيين الولايات المتحدة مسؤولية وضعهم الحالي كونها وراء الغزو عام 2003 وإدارة شؤون البلاد في الأعوام التالية.
تسبب الفرق الشاسع بين الوعود التي قطعت وما تم إنجازه بالفعل على أرض الواقع خلال العقد الماضي بفجوة في نفسية المجتمع العراقي. وقد استغلت الجماعات الإرهابية الحالة تلك لتبرير سيطرتهم وأساليبهم العنيفة.


مستقبل العراق


يمكن للمصالحة أن تبدأ عند بدء حوار صادق للاعتراف بما حدث. ويعد تقرير لجنة تشيلكوت البريطاني، والذي ألقى اللوم على مسؤولين بريطانيين جراء قراراتهم الخاطئة أو تقصيرهم، يعد مثالاً جيداً يمكن لأميركا أن تحتذي به.

وبعيداً عن الاعترافات السياسية والعامة، فيمكن الوصول إلى حالة المصالحة عبر تقديم التعويضات؛ فالعراق دمّر عن بكرة أبيه، لذا فالبدء بعملية إعادة الإعمار ليس هاماً للعراقيين فقط، لكنه هامٌ أيضاً لأسباب أمنية على المستويين المحلي والعالمي. فالدمار يجلب المزيد من العنف، وإعادة الإعمار تجلب وعداً بالأمل، والعراقيون في أمسّ الحاجة للأمل؛ أملٌ يمكن أن يحمل تأثيراً كبيراً على المنطقة إن تم دعمه ورعايته.

لن تكون الحرب طريقاً للسلام في يوم ما، فلم لا نبني جسوراً بدل ذلك. وحتى لو دمرت هذه الجسور، فيمكننا إعادة بنائها مرة وأخرى إلى أن يشارك في بنائها عدد كافٍ بحيث لا يتمكن أحد من تدميرها بعد ذلك. إذا كنا صادقين برغبتنا تغير مستقبل العراق إلى الأفضل، فعلينا البدء بذلك عبر الاستماع الجدّي لصوت الشباب والنساء في البلاد، فهذا الصوت يحمل رسالة جديدة للأمل.

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية من الـ "هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.