"تجربة في المدينة الفاضلة".. قصة أكاديمية للموسيقى ببرلين تجمع طلاب الشرق الأوسط، بماذا تتميز عن غيرها؟

تم النشر: تم التحديث:
1
theguardian

سماها دانيال بارنبويم "تجربة في المدينة الفاضلة"، وهو مشروع يمثل تتويجاً لمشروع حياة الموسيقي والمايسترو الرائد بجمع موسيقيين من بلدان الشرق الأوسط في مكان واحد.

أكاديمية "بارنبويم - سعيد" التي تم افتتاحها مساء الخميس 8 ديسمبر/كانون الأول، في برلين، ستقدم فرصة دراسة الموسيقى الكلاسيكية لـ 90 طالباً موهوباً من الشرق الأوسط، على يد المايسترو نفسه، إضافة إلى مجموعة واسعة من كبار الموسيقيين والمُلحنين الآخرين.

وبحسب ما نقلت صحيفة الغارديان البريطانية؛ فإن الأكاديمية التي تتخذ من المستودع القديم لأوبرا برلين مقراً لها، ويتم دعمها على نطاق واسع من قِبل الحكومة الألمانية على نحو يشمل الرسوم الدراسية والإقامة، تأمل في تعزيز قدرات متقدمين جدد لأوركسترا الديوان الغربي الشرقي للموسيقار البالغ من العمر 74 عاماً. الديوان الذي قام على مدار السبعة عشر عاماً الماضية بجمع موسيقيين من أنحاء المنطقة يُعتبر الآن أوركسترا من الطراز العالمي.


إدوارد سعيد ألهمه


وأشار بارنبويم، وهو المدير الفني لدار الأوبرا، أن فكرة الأوركسترا استُلهِمت مثلها مثل فكرة الأكاديمية من محادثات أجراها مع صديقه الأميركي الفلسطيني الراحل، إدوارد سعيد، والذي كان أستاذاً في الأدب.

"الأكاديمية تعد محاولة لخلق السلام من خلال الموسيقى" هكذا قال بارنبويم الذي يحمل الجنسيات الأرجنتينية والإسرائيلية والفلسطينية، وأضاف "لكنها ليست مشروعاً سياسياً، بل هي مشروعٌ إنساني".

وأضاف "نحن نأمل هنا أن يجد الموسيقيون الشباب مكاناً محميّاً بعيداً عن الحرب والأزمات اليومية، فالطلاب ليس عليهم أن يتعلّموا أن يصيروا موسيقيين محترفين فحسب، بل أن يصبحوا أيضاً سفراء للسلام".

كانت رؤيا بارنبويم وسعيد الموحدة للأكاديمية تتضمن أن تُبنى بالشرق الأوسط، حيث قال إنه "كان من المفترض بالأكاديمية أن تبنى في تل أبيب أو دمشق أو رام الله، ولكن؛ لأنه ليس بإمكاننا أن نحصل عليها في هذه الأماكن، فهنا على الأقل سيتمكن الموسيقيون من التلاقي بمكان يقرب بين الاختلافات على مستوى البصر".

والهدف في الوقت الحالي هو منح الطلاب فرصة لتطوير قدراتهم الموسيقية وتشجيع الحوار بينهم. ويقدم برنامج البكالوريوس الموسيقي الفريد الذي يستغرق 4 سنوات شهادات معتمدة بكافة آلات الأوركسترا، والبيانو، وقيادة الأوركسترا والتأليف الموسيقي.

فضلاً عن دورات تدريب الأذن وتاريخ الموسيقى والعلاج الطبيعي (لإصابات الإجهاد المتكرر التي يعانيها عادة الموسيقيون)، بينما يكرَّس ربع الدرجة العلمية لعنصر العلوم الإنسانية، بما يشمل دورات في الفلسفة وعلم الأخلاق والتاريخ والأدب.


لاجئون مشاركون


وقد وصلت الأكاديمية أيضاً إلى موسيقيين وصلوا من سوريا إلى ألمانيا كلاجئين، بالتحاق 5 من الطلاب بالبرنامج التحضيري الذي يتم ترقية الطلاب الاستثنائيين فيه إلى برنامج البكالوريوس.

وإلى جانب الأكاديمية؛ هناك قاعة حفلات موسيقية تكلّف إعدادها 35.1 مليون يورو (ما يعادل 37.30 مليون دولار أميركي)، صُممت من قِبل المهندس المعماري الأميركي فرانك جيهري، وخبير الفيزياء المعنية بخصائص الصوت، الياباني ياسوهيسا تويوتا، وتنازل كلاهما عن أتعابهما للمشروع، ومن المقرر أن يتم افتتاحها في مارس/آذار 2017، وقد سُميت على اسم المُلحن والمايسترو بيير بوليه.

وقال جيهري خلال زيارته الأخيرة لبرلين إنه شارك في المشروع بعدما التقى بارنبويم، وبسبب ثقته في أن الفنون قد قدّمت "فهماً للإنسانية يسمو على كل خطاب"، وتذكّر عرضَ نموذج قاعة الحفلات الموسيقية على بوليه قبل شهرين من وفاته قائلاً "لقد أصبح ذلك شيئاً مهماً للغاية بالنسبة له في نهاية حياته".

وتبدو قاعة جيهري ذات الشكل البيضوي معلّقة، بخشبة مسرح معدّة من خشب الأرز الكندي، الذي قورنت اهتزازاته بأصوات وتريات ستراديفاريوس، ومن شأنه تحسين التجربة الموسيقية. كما خُلِق شعور بالحميمية بالتأكد من أنه لن يكون هناك فرد بين الجمهور على مسافة أبعد من 14 متراً عن المايسترو.

1

وبينما شدا بهو الأكاديمية بأصوات ضبط الموسيقيين لآلاتهم والحديث بمزيج من اللغات -من الألمانية إلى العربية إلى الأوردية إلى الفارسية- الخميس، تحدّث العديد من الطلاب عما يعنيه لهم أن يكونوا جزءاً من المدرسة التي بدأت التدريس في العام الماضي.

فأشار يامِن السعدي، عازف الكمان البالغ من العمر 19 عاماً من الناصرة، والذي بدأ برنامجه الدراسي في أكتوبر/تشرين الأول، إلى أنه التقى لأول مرّة ببارنبويم عندما كان في العاشرة من عمره، وحينها أخبره أن حلمه كان أن يلتحق بأوركسترا الديوان الغربي الشرقي.

وقال "هنا بإمكاني أن أعبر عن أفكاري وبدأت في مصادقة شباب إسرائيليين، والذي تعلّمته حتى الآن هو أن أعزف على نحو أفضل، وكيف أفكر على نحو أفضل، وكيف أصبح موسيقياً أفضل في جميع النواحي، وقد حسّنت من قدرتي على التحليل".

وقال عازف الكمان البالغ من العمر 24 عاماً من طهران، سادرا فياض، إنه يشعر بالارتياح لأن التركيز ينصب على التعلّم وليس على السياسة" وأضاف "نحن لا نناقش الوضع السياسي، فنحن نتجاوزها. ربما نفعل ذلك في المنزل، ولكن في المدرسة؛ الأمر كله يتعلّق بالتعلم".

وأشارت ميري سعدون، عازفة الكلارينيت الإسرائيلية البالغة من العمر 29 عاماً، والتي أتمّت البرنامج التجريبي، إلى أنها تعلّمت أهمية وضع الموسيقى في السياق، فقالت "من الهام جداً لنا، بحسب ما أعتقد، أن نكون قادرين ألا نأخذ في اعتبارنا الموسيقى التي نعزفها فحسب، بل أن ننظر إليها بطريقة أبعد، في الحياة بشكل عام" وأضافت "هنا؛ أصبح فهمنا لكل شيء أكثر عمقاً بكثير".

موقع الأكاديمية قبالة ساحة أوبرنبلاتس، التي شهدت حادث حرق الكتب عام 1933، يؤكد على الإحساس بالمسؤولية التاريخية التي تستشعرها الحكومة الألمانية، والذي أضاف إلى دعمها واسع النطاق إهداءَ الأكاديمية دعماً مالياً لتغطية نفقاتها فضلاً عن حق استئجار مبناها لمدّة 99 عاماً.

وقال بارنبويم: "كيهودي، لم أكن لأقدر على العيش في برلين ما لم يكن لدي شعور بأن الألمان قد تصالحوا مع ماضيهم، أما بالنسبة لسخاء الحكومة تجاه المدرسة، فلدي الكثير لقوله، فقد عشت 15 عاماً في لندن، حيث لم يكن لدى أي من السياسيين اهتمامٌ بالحياة الموسيقية".

"أما في ألمانيا؛ تأتي ميركل ووزير ماليتها فولفغانغ شويبله وغيرهم من كبار السياسيين بانتظام إلى الحفلات الموسيقية الكلاسيكية، ونحن ممتنون لأنهم رأوا هذه الأكاديمية ملائمة لأفكارهم الأكثر اتساعاً بشأن ما تعنيه الثقافة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.