"ابن الكلب.. وقّاع الصحن.. والقذر".. ألقاب مشينة يتخلص منها جزائريون بعدما فرضتها عليهم فرنسا أثناء الاحتلال

تم النشر: تم التحديث:
ALGERIA PEOPLE
ASSOCIATED PRESS

إلى جانب ما تُتهم به من جرائم حرب ونهب للثروات خلال فترة استعمار الجزائر ‎1830/1962، عمدت فرنسا إلى إطلاق ألقاب مشينة ومسيئة إلى الجنس البشري على عائلات جزائرية ما زالت إلى اليوم في رحلة قضائية للتخلص منها.

وتثير الأسماء والألقاب العائلية المشينة في الجزائر أزمة اجتماعية وأخلاقية، اضطر مئات الجزائريين إلى تغييرها وأرّقت العدالة بسبب الملفات الكثيرة التي تنتظر المعالجة، منها تلك التي توصف بالشائكة.


تصحيح الألقاب


وأكدّ وزير العدل الجزائري، حافظ الأختام الطيب لوح، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 ، خلال عرضه القانون الجديد المتعلق بالحالة المدنية أمام البرلمان، أنّ "تصحيح الألقاب المشينة أمر لا تسمح به الدولة تلقائياً؛ لأن اللقب ملك لصاحبه ولن يتم ذلك إلا بموجب إجراءات معينة".

وقال في ردّه على أسئلة نواب البرلمان إن 3550 جزائرياً غيرّوا ألقابهم خلال السنوات الثلاث الأخيرة بعد اتباع الإجراءات الخاصة بذلك، لافتاً إلى أنّ "تعليمات أُعطيت لتسريع إجراءات تغيير الألقاب".

وأوضح في سياق ذي صلة أنّ "الأخطاء الواردة في عقود الحالة المدنية تعتبر واحدة من كبرى المشاكل التي تؤرق المواطن".

وتضمنت الجريدة الرسمية، في عددها الصادر في 30 أكتوبر /تشرين الأول 2016، مرسوماً رئاسياً حول تغيير عدد من الألقاب.

وبناء على هذا المرسوم الرئاسي المؤرخ في 20 أكتوبر، فإن رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة يرخص بتغيير مجموعة من الألقاب لعائلات مختلفة.

وجاء في المرسوم نماذج لألقاب مشينة ومحرجة لألقاب عائلية؛ منها "جرو عيسى" و"الجرو" يعني ابن الكلب، و"زوبع" و"الزوبع" مشتق من الزوبعة، إضافة إلى لقب "بوعلة" ومعناه " المرض" في اللهجة الجزائرية، ولقب "قعر المثرد" ومقصوده في المجتمع الجزائري قاع الصحن ولقب "بولوسخ" (القذر). وغيرها من الألقاب التي فضلّ أصحابها تغييرها بألقاب أخرى لائقة.

وتُصدر الجريدة الرسمية بشكل مستمر مراسيم رئاسية لتغيير الألقاب الأسرية المشينة وتقدم نماذج عن أسماء عائلية مسيئة تم تغييرها إلى أسماء عادية أو محسنّة ويستلزم الأمر موافقة من رئيس البلاد.


شعور بالحرج


وتدفع الألقاب والأسماء البذيئة أصحابها إلى إخفائها تفادياً للإحراج والسخرية والاستهزاء من طرف أفراد المجتمع وتضطرهم إلى تغييرها لحلّ الأزمة نهائياً والتخلص من هذا العبء الذي لازمهم سنوات طويلة.

لكن كثرة الملفات في هذه القضايا الشائكة على مستوى المحاكم الجزائرية تفرض عليهم الانتظار فترات طويلة.

وقالت الباحثة في علم اللغة وردية يرمش، إنّ الأسماء والألقاب في الجزائر قضية معقدة جداً؛ لتأثرها بالاستعمار الفرنسي لقرن و20 سنة (1830/1962).

وأضافت في ندوة حول "الأسماء الجزائرية"، نُظمت ضمن معرض الجزائر الدولي للكتاب (26 أكتوبر-5 نوفمبر/تشرين الثاني) الماضي، أنّ "تأثير الاستعمار الفرنسي على اللغة في الجزائر أيضاً برز في تشويه الألقاب والتسميات العائلية بغية الإهانة والاحتقار وإذلال الجزائريين بأن فرضت أسماء حيوانات وأسماء أمراض وأخرى للذم والشتم وغيرها".

وذكرت في مداخلتها أنّ قرابة الـ80 في المائة من الجزائريين يجهلون نسبهم الأولّ (قبيلتهم الأولى) بسبب الاستعمار الفرنسي الذي شوه الألقاب بهدف قطع صلة الجزائريين بشجرة النسب العائلية وطمس هوية المجتمع بصفة عامة.


"تسيء لأصحابها"


وتنتشر في الجزائر ألقاب مشينة تعتبر تركة استعمارية مسموسة؛ مثل: بوراس (صاحب الرأس الكبير)، بوكراع (صاحب الرجل)، بومعزة (نسبة إلى الماعز)، بوبقرة (نسبة إلى البقرة)، كنّاس (عامل نظافة)، زرزور (طائر الزرزور)، طبّال (الضارب على الدف).. وغيرها من الألقاب المحرجة.

ويشير المحامي الجزائري عمار حمديني إلى أنّ إجراءات تغيير الألقاب والأسماء المسيئة والمشينة إلى أصحابها أضحت خلال الآونة سهلة ولا تتعدى مدة معالجتها شهراً واحداً بفضل التكنولوجيا الحديثة.

ويؤكد حمديني لـ"الأناضول" أنّ ملف تغيير اللقب يتكون من طلب يقدم إلى وكيل الجمهورية (النائب العام) وشهادة الميلاد الأصلية، لكن شريطة أن يحمل الطلب سبباً واقعياً لتغيير الاسم أو اللقب المشين، وإلا فإنّ القضية تأخذ مجرى قضائياً آخر.

وأوضح حمديني في السياق: "هناك أسماء وألقاب مسيئة تُطرح أمام وزير العدل الذي يتصل مباشرة بالنائب العام ليفتح حولها تحقيقاً". وفسر المتحدث القضية بـ"وجود أشخاص يتهرّبون من العدالة ومن دفع الضرائب أو من لديهم مخالفات قانونية وموجّهة إليهم تهم مختلفة".

وقال في الصدد: "في هذه الحالة، يُفتح تحقيق حول الأسباب الحقيقية أو الدوافع التي جعلتهم يغيرون اللقب، وإذا أفضى التحقيق إلى سبب واقعي تتم الموافقة على تغيير ألقابهم أو أسمائهم بصورة عادية".


"طمس العائلة الجزائرية"


وأرجع القانوني حمديني سبب وجود أسماء مخلّة بالآداب العامة والأخلاق إلى الاستعمار الفرنسي الذي عمل على طمس وتشويه نسب العائلة الجزائرية، وكذلك إلى الجهل الذي كان يعمّ المجتمع الجزائري إبّان الاستعمار.

ولفت: "آباؤنا، خاصة الموجودين في الأرياف، كانوا يجهلون معاني الأسماء، وبعض الألقاب المشينة جاءت بالصدفة وهم غير ملومين على ذلك".

وأشارت الإخصائية في علم الاجتماع نسيسة فاطمة الزهراء إلى أن بعض الألقاب العائلية المشينة الخادشة للحياء والمنتشرة في المجتمع الجزائري، تؤثر على أصحابها من خلال صور السخرية والاستهزاء.

وأوضحت في تصريح لجريدة الخبر الجزائرية (خاصة) يوم 22 يوليو/تموز 2016)، أن هذا التأثير يكون خطراً كبيراً عند الطفل الذي يمكن أن يتحول في المستقبل إلى شخص عنيف وانطوائي يعاني عقد نفسية.

ولفتت المتحدثة إلى أنّ المئات؛ بل الآلاف من التلاميذ في الجزائر الذين يحملون ألقاباً مشينة يرفضون عادة الذهاب إلى المدارس خشية سخرية زملائهم من ألقابهم التي لم يختاروها بمحض إرادتهم.

وترتبط ظروف الألقاب المسيئة في المجتمع الجزائري بالاستعمار الفرنسي الذي فرض قانون الألقاب العائلية في 23 مارس/آذار من عام 1882.

ويجبر هذا القانون الجزائريين على حمل ألقاب وأسماء قبيحة بخلق أسماء مسيئة جديدة لهم وتشوه ألقابهم الأصلية، حسب مؤرخين.