سنودن: أميركا وبريطانيا تتجسسان على الهواتف الجوالة في الطائرات.. وهذه الدول تعرضت للتنصت

تم النشر: تم التحديث:
EDWARD SNOWDEN
Brendan McDermid / Reuters

الجديد في المعلومات التي كشفت عنها الوثائق المسرّبة من قِبل عميل الاستخبارات الأميركية السابق، إدوارد سنودن، لا يكمن فقط في إزاحة الستار عن التجسّس الأميركي-البريطاني على الاتصالات الهاتفية على متن الطائرات، وإنما في الحكومات المستهدفة بالتنصّت.

وتأتي هذه المعطيات الجديدة في إطار تحقيق لصحيفة "لوموند" الفرنسية، والتي تعمل بالتعاون مع موقع "ذو انترسابت" للمعلومات، لمؤسسَيْه غلين غرينوالد ولورا بواترا، وهما اثنان من الصحفيين الذين تلقوا مباشرة الوثائق من سنودن.

وتبرّر الصحيفة نشر تحقيقها قبل يومين مع أن التسريب حصل منذ 2013، بأن كمّ المعطيات المخزّنة كان هائلاً بشكل يفرض العمل عليها على أجزاء، إضافة إلى أن بناء علاقة ثقة مع الصحفييْن صاحبَي الوثائق الأصلية يتطلّب وقتاً، دون إغفال ما يتطلبه أيضاً العمل على معطيات تقنية معقدة من وقت.


تجسّس على إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية


مع أن إسرائيل ترتبط، رسمياً، مع وكالة الأمن القومي الأميركية والاستخبارات البريطانية بعلاقة تحالف "مقدّسة" وقوية بحكم التحديات الجسيمة المطروحة عليها، وباعتبار "التميّز" الإسرائيلي في مجال التجسس عموماً، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن ذلك لم يمنع استهدافها بالتنصّت.

شراكة فريدة من نوعها، غير أن تسريبات سنودن كشفت جانبها المظلم، وذلك في إطار تحقيق للصحيفة، استناداً إلى الوثائق المسربة، كشفت أن واشنطن ولندن، تجسستا لسنوات، على الدبلوماسية الإسرائيلية، سواء في القدس أو في الخارج.

كما استهدفتا أيضاً شركات إسرائيلية خاصة في مجال الدفاع، وهيئات حكومية مكلفة التعاون الدولي، إلى جانب مراكز جامعية معروفة بمستواها العلمي الرفيع.

تجسّس لم يقتصر على إسرائيل، وإنما شمل أيضاً مسؤولين من السلطات الفلسطينية والأردنية، وذلك رغم العلاقات الوثيقة الرابطة أيضاً بين الطرفين في مجال الاستخبارات.

علاقات تصل حدّ التحالف الوثيق بين الوكالة الأميركية وجهاز الاستخبارات الأردنية، تجلى على وجه الخصوص من خلال مذكّرة مسرّبة للوكالة الأولى تعترف فيها بأن "الاستخبارات الأردنية تقدّم لها وبشكل حصري، جزءاً كبيراً من أسماء الأشخاص المستهدفين من قِبل وكالة الأمن القومي".

هذا التحالف لم يمنع بأي حال وجود إحداثيات الديوان الملكي الأردني، ورئيس بروتوكول الملك والسفارة الأردنية في واشنطن، على قوائم التجسس الطويلة للاستخبارات البريطانية.

السلطة الفلسطينية، استُهدفت من جانبها بعمليات تنصّت مكثّفة شملت كبار مسؤوليها وتعدّتهم إلى شخصيات عديدة أخرى.

فنهاية 2008 وفي 2009، تجسّست الاستخبارات البريطانية على الاتصالات الهاتفية لمكتب الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى عدد مهم من الوفود الفلسطينية في شتى أنحاء العالم، وخصوصاً في كل من فرنسا وبلجيكا والبرتغال، إضافة إلى باكستان وجنوب إفريقيا وماليزيا.

كما تنصّتت على مكالمات أحمد الطيبي رئيس "الحركة العربية للتغيير"، وهو أيضاً عضو البرلمان الإسرائيلي، وأحمد قريع رئيس وزراء السلطة الفلسطينية من 2003 إلى 2005، وغيرها من الأسماء أو "الأصدقاء"، كما تقول الصحيفة، والتي قالت إن ما حصل "يدعم قاعدة قديمة مفادها أنه لا وجود للأصدقاء" حين يتعلّق الأمر بالتجسّس.


غزو الهواتف الجوالة في الطائرات


التسريبات الجديدة كشفت أن واشنطن ولندن وضعتا نظاماً كاملاً للتجسّس على جميع الاتصالات الهاتفية أو حتى على الهواتف المستخدمة على متن الطائرات.

برنامج تجسس لا يقتصر على الرحلات الخاصة أو الرسمية، وإنما يشمل أيضاً الرحلات التجارية، على أساس أنه جزء من خطة أميركية اعتُمدت عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001؛ توقياً من استخدام طائرات لشن هجمات إرهابية، بحسب التحقيق الذي نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية في عددها الصادر أول من أمس (الأربعاء).

ويضم "أرشيف سنودن" وثائق متنوّعة تتناول خفايا وأسرار وتفاصيل برامج المراقبة للوكالة الأميركية، إضافة إلى أنها ترصد اتصالات داخلية. البعض من هذه الوثائق تقني، ما يجعلها معقّدة بالنسبة لغير أهل الاختصاص، والبعض الآخر مكتوب بلغة موجهة لا تكون مفهومة من قِبل أكبر عدد ممكن من موظفي الوكالة.

ومع أنّ الوثائق تنتمي في جزء كبير منها إلى وكالة الأمن القومي الأميركية، فإنها مكّنت من الكشف عن معطيات حول أنشطة نظرائها، حيث قام سنودن بنسخ العديد من الوثائق التابعة للاستخبارات البريطانية.

ويكشف وصول سنودن إلى الوثائق السرية الخاصة بالاستخبارات البريطانية أن التعامل بين الجهازين كان وثيقاً، وأن التنسيق كان كبيراً لدرجة منح عملاء أحدهما إمكانية الولوج إلى وثائق تخص الآخر.

ويمكّن نظام التجسس وكالة الأمن القومي الأميركية ونظيرتها البريطانية من التقاط جميع البيانات، بما في ذلك الشيفرات والرموز السرية والاتصالات الهاتفية لمعظم شركات الطيران الكبرى.


الخطوط الجوية الفرنسية


استناداً إلى تحقيق "لوموند"، فإن فرنسا استُهدفت ببرنامج موجّه لاعتراض رحلاتها الجوية، حتى التجارية منها، التابعة لشركة طيرانها "الخطوط الجوية الفرنسية"، بمعنى أن التجسس لم يستهدف الرحلات الرسمية في الطائرات الخاصة فحسب، وذلك اعتماداً على المزايا التي منحها استخدام الهواتف الجوالة المتصلة بالإنترنت في الجوّ، ما مكّن الأميركان والبريطانيين من إنشاء برنامج خاص جعل من فرنسا أحد أبرز أهدافه.

البرنامج أثمر نتائج باهرة وفق الوثائق الداخلية للوكالتين الأميركية والبريطانية، حيث يتم تجميع المعطيات "في الزمن الحقيقي"، بما أنه وللتجسس على هاتف، يكفي أن يكون على ارتفاع 10 آلاف قدم، ثم تتكفّل المحطات السرية الأرضية للهوائيات، عبر تقنية الاعتراض، بالتقاط الإشارات العابرة عن طريق الأقمار الاصطناعية.

وبمجرّد تشغيل الهاتف، يمكن تحديد مكانه، مما يسمح تبعاً لذلك لتقنية الاعتراض بالتقاطع مع سجلّ المسافرين وأرقام الطائرات، لتضع في النهاية اسماً لمستخدم الهاتف الذكي؛ بل إن الاستخبارات البريطانية بإمكانها حتى تعطيل هاتف عن بُعد، مما يضطر صاحبه إلى إعادة تشغيله من جديد مستخدماً رموزه الخاصة بالدخول، وهنا تقوم الأجهزة البريطانية باعتراض جميع تلك الرموز ورصدها.

برامج ولّدت حماسة كبيرة لدى الوكالتين، حتى إن الأميركية كتبت في 2009 مذكّرة داخلية تقول فيها إنه "بإمكان السماء أن تنتمي إلى وكالة الأمن القومي".


القصة الكاملة


أكثر من 3 سنوات مرّت منذ أن غادر سنودن، المتعاقد مع وكالة الأمن القومي والعميل السابق بوكالة الاستخبارات المركزية، بلاده متوجّهاً إلى هونغ كونغ ومنها إلى موسكو، بعدما سرّب برامج المراقبة السرية للوكالة الأولى لصحيفتي "الغارديان" البريطانية و"واشنطن بوست" الأميركية.

ومع نشر الصحيفة البريطانية تفاصيل برامج التجسس السري الأميركي، في يونيو/ حزيران 2013، اهتز العالم على وقع معطيات شكلت صدمة للرأي العام، وخصوصاً الأميركي منه، وزعزعت ثقته بالرئيس باراك أوباما، مما جعل من سنودن المطلوب الأول لواشنطن بتهمة "فضح أسرار أميركا".

سنودن، شاب أميركي في الـ33 من عمره، التحق بجيش بلاده عام 2003، وخضع لبرنامج تدريبي، قبل أن يعمل حارس أمن لإحدى المنشآت التابعة لوكالة الأمن القومي في جامعة ميريلاند.

انتقل إثر ذلك للعمل في قسم الأمن الإلكتروني بوكالة الاستخبارات المركزية، ثم تدرّج في الوظائف، مما مكّنه من الحصول على كمّ هائل من المعلومات السرية.

وفي 2009، غادر الوكالة ليعمل مع متعاقد من القطاع الخاص للتعاون مع وكالة الأمن القومي في قاعدة عسكرية باليابان.

رحلة صعود صاروخية على الصعيد المهني، غير أنها كشفت للرجل الوجه القاتم لسياسة بلاده التي أدرك أن لا فائدة ترجى من انتظار محاولات إصلاحها حتى مع وصول أوباما إلى الحكم، فكان أن قرر المجازفة بكل شيء وفضح تجسساً قال إنه "يشكل تهديداً حقيقياً للديمقراطية التي تنادي بها بلادنا"، بحسب ما تداولته وسائل الإعلام في حينه.

وحالياً، يقيم سنودن بموسكو حيث حصل في 2014 على تصريح إقامة مؤقت تنقضي مدته في الـ31 من يوليو/ تموز 2017.