الحلويات تصيبك بالاكتئاب.. كيف يؤثر الغذاء على صحتنا العقلية والنفسية؟

تم النشر: تم التحديث:
SWEETS
A table filled with cookies and other sweets awaits visitors to the governor's mansion for the traditional holiday open house Tuesday, Dec. 6, 2016, in Juneau, Alaska. Gov. Bill Walker says the holiday open house at the governor's mansion in Juneau is a long-standing, special tradition that he feels is appropriate to continue as Alaska grapples with a multibillion-dollar budget deficit. (AP Photo/Becky Bohrer) | ASSOCIATED PRESS

ندرك الآن التأثير الكبير لجودة الغذاء الذي نتناوله على صحتنا البدنية، لكن وباء السمنة المستشري في كثير من دول العالم، وتدهور الصحة البدنية ليس هو الشيء الوحيد الذي يجب أن نقلق بشأنه، بل يجب أيضاً أن نهتم بصحتنا النفسية والعقلية.

كشف التقرير الذي نشر بالنسخة الأسترالية من موقع "هافينغتون بوست"، عن أن 45% من المواطنين في أستراليا قد يتعرضون في المستقبل لأحد اضطرابات الصحة النفسية والعقلية، ويعد القلق من أكثر اضطرابات الصحة النفسية التي ستصيب مستقبلاً واحداً على الأقل من بين كل 4 أستراليين، كما أن الاكتئاب سيصيب واحداً من كل ستة مواطنين خلال مرحلة ما من حياتهم.

لكن هل ثمة علاقة بين الحمية الغذائية الضارة التي يتبعها الأستراليون وبين اضطرابات الصحة النفسية، كما هو الأمر مع التأثير السلبي للنظام الغذائي الضار على صحتنا البدنية؟

وكيف نكتشف حقيقة ذلك، سوف نحاور اثنتين من خبراء الصحة، وهما: فيليس جاكا، أستاذ مشارك الطب النفسي وعلم الأوبئة، ومديرة مركز الغذاء والمزاج في جامعة ديكن، وهو المركز الأول من نوعه في العالم، وكذلك كلو ماكلويد، خبيرة تغذية معتمدة، ومتخصصة في تغذية الرياضيين.

وقالت فيليس جاكا "هناك علاقة قوية جداً بين جودة الغذاء وفرص الإصابة باضطرابات الصحة النفسية مثل الاكتئاب والقلق، ويعد الاكتئاب من أكثر الأمراض الشائعة والمسببة للإعاقة الشديدة، وللأسف حدث تغير ملحوظ في الأنظمة الغذائية على مستوى العالم خلال العشرين أو الثلاثين عاماً الأخيرة، وتدهورت جودة الأنظمة الغذائية للغاية، مما كان له تأثير كبير على صحة دول العالم أجمع".

وتابعت أن الأدلة العلمية التي تثبت العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية جديدة نسبياً، ونحن قمنا بدراسة وتحليل عدد كبير من الأبحاث الطبية واكتشفنا وجود علاقة بين جودة الغذاء الذي نتناوله وبين ارتفاع فرص الإصابة بالاكتئاب والقلق لدى الأطفال والمراهقين والشباب والبالغين وكبار السن.



sad


كيف يؤثر الغذاء على الصحة العقلية؟


وفيما يتعلق بالسبب وراء تأثير النظام الغذائي على الصحة العقلية، أوضح التقرير أن ذلك يرجع إلى الآلية التي تؤثر بها الأنماط الغذائية المختلفة على بعض أجزاء المخ.

وأوضحت جاكا، أن النظام الغذائي له تأثير قوي على مرونة المخ، حيث توجد منطقة في المخ تسمى الحصين، وهي المسؤولة بشكل أساسي عن التعلم والذاكرة، ولها دور مهم جداً على الصحة العقلية والنفسية، كما كشفت التجارب الحيوانية أن الغذاء له تأثير فريد على أجزاء المخ المختلفة.

وتابعت: نحن نشرنا أيضاً أول بحث علمي في العام 2015، أكد أن الغذاء له تأثير ملحوظ أيضاً على مناطق مخ الإنسان كما هو الحال على الحيوانات، إذ أجرى الباحثون أشعة على مخ مجموعة من المتطوعين، وقارنوا حجم منطقة الحصين وعلاقتها بالنظام الغذائي، كما وضعوا في حسبانهم عدداً كبيراً من العوامل التي قد تؤثر على منطقة الحصين، مثل الإصابة بالاكتئاب والحالة المادية والاجتماعية.

وأظهرت نتائج البحث وجود علاقة واضحة جداً بين جودة النظام الغذائي وبين حجم منطقة الحصين في المخ، وقالت جاكا "لذلك فالأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً متوازناً وصحياً يمتلكون منطقة حصين أكبر، بينما كان حجمها أصغر لدى الأشخاص الذين يتبعون حمية غذائية ضارة".

ميكروبات الأمعاء هي المسؤولة عن العلاقة بين الغذاء والصحة العقلية

وذكر التقرير أن الميكروبات البشرية أو المجهريات (كانت تسمى في الماضي فلورا الأمعاء) تلعب دوراً كبيراً في العلاقة بين النظام الغذائي والصحة العقلية.

وقالت جاكا: نحن الآن نهتم كثيراً بالميكروبات البشرية الموجودة بالأمعاء نظراً لأن الأبحاث الجديدة في العلوم الطبية تؤكد لنا أن مجهريات الأمعاء لها دور رئيسي في الصحة البدنية، لكن نعتقد أيضاً أن لها دوراً إضافياً في العلاقة بين الغذاء والصحة العقلية.

وتابعت: يعد النظام الغذائي بالطبع هو العامل الرئيسي الذي يؤثر على مجهريات الأمعاء، خاصةً الألياف، لذا نحن نجري الآن عدداً من الأبحاث الطبية كي نكتشف العلاقة بين المجهريات والنظام الغذائي والصحة العقلية، وبعض الجوانب الأخرى في الصحة البدنية، كما أننا أيضاً نحاول اكتشاف بعض الوسائل العلاجية لاستهداف هذه العلاقة والتأثير عليها، خاصةً أن هناك توقعات بالتوصل إلى آلية جديدة تماماً لعلاج الأمراض العقلية والوقاية منها.

وتعتقد خبيرة التغذية كلو ماكلويد، أن العناصر الغذائية التي نحصل عليها من الطعام أو العناصر التي نفتقدها تلعب دوراً رئيسياً في العلاقة بين الغذاء والصحة العقلية.

وقالت ماكلوي: إذا دققنا النظر في بعض أجهزة جسم الإنسان، سنجد أنها تحتاج بعض العناصر الغذائية الهامة كي تؤدي مجموعة الوظائف الضرورية بكفاءة، ومن الوظائف الحيوية التي يُدركها الكثيرون الطريقة التي نستفيد بها من الكربوهيدرات، إذ تُهضم ثم تُمتص وتُخزن داخل العضلات، وعندما نمارس الرياضة والأنشطة تُستهلك.

وتابعت: يوجد أيضاً في الوقت نفسه الكثير من المسارات البيوكيميائية التي تحدث بالجسم، لذلك إذا لم تكن خياراتنا الغذائية صحية، ولم نتناول كميات كافية من العناصر الغذائية الضرورية التي تحتاجها أجسامنا كي تعمل بكفاءة، فإنه من المنطقي أن صحتنا العقلية والجسدية سوف تتدهور.


الأغذية التي تضر بالصحة العقلية والنفسية




sweets

لذا، فما أنواع الأطعمة التي تضر بالصحة العقلية والنفسية؟

قالت جاكا: "أعتقد أنه لا يمكن تحليل طبيعة هذه العلاقة بالنظر إلى كل غذاء على حدة، لأننا لا نأكله بشكل منفرد"، لكن يجب أن نحلل الأنماط الغذائية للشخص بشكل عام، خاصةً أن الأشخاص يميلون إلى اتباع عادات وأنماط معينة عند الأكل، على حسب قولها.

وعند تدقيق النظر في هذه الأنماط الغذائية الضارة سنكتشف وجود علاقة بينها وبين الصحة النفسية، وهناك عاملان رئيسيان يلخصان طبيعة هذه العلاقة.

وأوضحت جاكا أن هذين العاملان يرتبطان ببعضهما، ويوجد بعض الاختلاف البسيط بينهما، أولهما: أنه كلما تناول الإنسان كميات كبيرة من الأطعمة المحولة والوجبات السريعة التي تحتوي على كميات كبيرة من الدهون والسكر والكربوهيدرات والمستحلبات ومكسبات الطعم الصناعية، ارتفعت فرص إصابته بمرض الاكتئاب.

أما العامل الثاني فهو عدم الاهتمام بالتغذية الصحية، إذ أثبتت الأبحاث أنه كلما انخفضت كمية الأطعمة الصحية التي يتناولها الإنسان كلما ارتفعت أيضاً فرص إصابته بالاكتئاب، ومن أبرز هذه الأكلات: الخضراوات والفواكه والبقوليات والأسماك واللحوم الحمراء الخالية من الدهون.

وأضافت أن المشكلة أنه إذا تناول الإنسان الأطعمة الصحية، ولكنه في الوقت نفسه أفرط في الوجبات السريعة والأطعمة قليلة الفائدة فإن صحته ستتضرر، والعكس صحيح، فإذا لم يأكل الإنسان كميات كبيرة من المأكولات السريعة، لكنه تجاهل في الوقت ذاته تناول الخضراوات والفاكهة، فإن صحته ستتأثر سلباً.


التغذية الصحية خلال الحمل وتأثيرها على الصحة النفسية للطفل


وسلطت د. فيليس جاكا الضوء على العلاقة بين النظام الغذائي في أثناء الحمل، وتأثيره على الصحة النفسية والعقلية للطفل في المستقبل، وقالت إن العلاقة الواضحة بين الأنظمة الغذائية غير الصحية وبين ارتفاع خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية والعقلية خلال مراحل حياة الإنسان المختلفة دفعتنا لإجراء أول دراسة من نوعها على السيدات الحوامل، وأظهرت النتائج أن ما تأكله الأمهات في أثناء فترة الحمل له تأثير ملحوظ على الصحة النفسية للأطفال.

وتابعت أن هذه الدراسة شملت 23 ألف سيدة نرويجية وأطفالهن، وعززت أبحاث أخرى كثيرة أجريت مؤخراً صحة هذه النتائج.

وأكدت جاكا أن النظام الغذائي الصحي لا يجب أن يكون معقداً، بل يجب أن نجعله بسيطاً كلما أمكن ذلك، وعلى الرغم من أن الأنظمة الغذائية يرتبط بها الكثير من الجوانب، إلا أنه يمكننا تلخيص هذا كله بقول مأثور بسيط: (تناول الغذاء، لكن دون إفراط، وركز بشكل أكبر على الأطعمة النباتية).


حمية البحر المتوسط


أكد التقرير أن النظام الغذائي للبحر المتوسط له فائدة كبيرة في تعزيز الصحة النفسية والعقلية، وعلى الرغم من ذلك فهو ليس الحمية الوحيدة المفيدة في هذا الشأن.

وقالت جاكا: "نشرنا بحثاً علمياً العام 2015، ركزنا خلاله على تقييم الكثير من الدراسات والنتائج العلمية السابقة، وكشفت نتائج البحث الجديد أن الأنماط الغذائية التقليدية مثل حمية البحر المتوسط أو الحمية النرويجية أو الحمية النباتية، والكثير من الأنظمة الأخرى تسهم في تعزيز الصحة النفسية والعقلية".

وتابعت أن النظام الغذائي للبحر المتوسط له فوائد عظيمة، لأنه غني بالأغذية النباتية، مثل الألياف والبقوليات والمكسرات والدهون الصحية، مثل زيت الزيتون والأسماك، وثبت أن تلك الأغذية تُحدث الكثير من الفوائد الصحية على أجهزة الجسم، بما فيها الصحة العقلية والنفسية.

وأضافت: بعد الكشف عن هذه الأدلة العلمية الجديدة للعلاقة القوية بين الغذاء والصحة العقلية، يجب على الجميع، خاصةً الأجهزة الحكومية، الإقرار بها، وإجراء تغييرات فورية تتناسب مع حجم هذه المخاطر.


الأنظمة الغذائية الضارة هي السبب الرئيسي للوفاة




fast food

وقالت جاك: نحن نعرف جيداً الآن أن الأنظمة الغذائية غير الصحية هي السبب الرئيسي للوفاة المبكرة على مستوى العالم، وبما أننا أدركنا الآن أنها تضر بالصحة العقلية والنفسية كما هو الحال مع الصحة البدنية، فإن ذلك سيكون له تداعيات خطيرة على الصحة العامة وصحة الأجيال القادمة، نظراً لأن اضطرابات الصحة النفسية تتسبب في إعاقات شديدة، وتكلفة علاجها باهظة للغاية.

ونحن للأسف لا نضع كل هذا في اعتبارنا حينما نناقش مخاطر الأغذية غير الصحية.

وشددت جاكا على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية الآن، وليس خلال العقد القادم، خاصةً أننا نرى العواقب الخطيرة للأمراض النفسية والعقلية، وكذلك التأثيرات الضارة على صحتنا البدنية، وهي نتيجة مباشرة للأنظمة الغذائية الضارة، ولذا يجب اتخاذ إجراءات فورية عاجلة لمجابهة تلك المخاطر الكبيرة.

وأضافت: "نحن بحاجة إلى اتخاذ إجراءات وقرارات قوية للغاية على المستوى الحكومى لتغيير البيئة الغذائية والواقع الذي نحياه حالياً، وجعل الطعام الصحي هو الخيار الأسهل والأكثر قبولاً اجتماعياً والأرخص".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن النسخة الأسترالية لموقع "هافينغتون بوست"، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.