لماذا كان سقوط الاتحاد السوفييتي دليلاً على أن الديمقراطية الغربية لن تبقى للأبد؟

تم النشر: تم التحديث:
7
7

تحت إحدى قلاع العصور الوسطى بمدينة قازان في روسيا، يبدو المشهد شديد البياض بسبب النهرين الواسعين المتجمدين هناك. وفي ظهر أحد أيام السبت، جرت مجموعة من السكان المحليين الشجعان أرجلهم خلال كتل الثلوج المتراكمة لالتقاط الصور الشخصية أمام المسجد، وأضواء الكريسماس، والتماثيل التي تعود إلى الحقبة السوفييتية.

25 عاماً مرَّت منذ المرة الأخيرة التي كنت فيها في روسيا، عندما كنت أحاول بلا جدوى إحياء التيار اليساري في الأيام الفوضوية الأولى للإصلاحات الاقتصادية التي أجراها الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين. أتيت إلى هنا الآن، بعد كل هذا الوقت، لمخاطبة غرفة مليئة بالأشخاص الذين يريدون التحدث عن استبدال الرأسمالية بشيءٍ أفضل، وفجأة أصبح لدينا جميعاً شيءٌ مشترك: أصبح كلٌ منا يعرف ماهية شعور أن ترى نظاماً، كنتَ تظنه سرمدياً، ينهار، بحسب ما ذكرت تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.


الشكل الأحدث لفن الروك


منذ أتيتُ هنا، تقريباً كل من اختار أن يأتي ويسمعني منخرطٌ إما في مجالات الفنون المعاصرة أو في مجال الفلسفة. والصحفيون الذين يريدون إجراء المقابلات معي، لانتقادي سياسة بوتين في سوريا وأوكرانيا علناً، معظمهم يكتبون في مجلاتٍ ثقافية. هذه، إن لم تكن هي الشكل الأحدث لفن الروك، هي المساحات الثقافية الأكثر أمناً التي يمكن فيها للفكر النقدي أن يوجد.

منذ قام بوتين بتزوير نتائج انتخابات الرئاسة الروسية عام 2011، وقُمِعَت حركة الاحتجاجات التالية للانتخابات، دخل الشباب الذين شاركوا فيها في حالة من الصمت الغاضب. وهذا ليس بالوضع الجديد على مثقفي روسيا. إذ تم اعتقال لينين عام 1887 لقيادته حركة الاحتجاجات الطلابية، وقضى معظم السنوات الثلاثين التالية لذلك في المنفى أو مختبئاً. ثم قمع البلاشفة حرية التعبير والمعارضة السياسية لحوالي 70 عاماً آخرين، والآن تبذل القلة الرأسمالية في روسيا ما في وسعها لقمعها أيضاً.

في مواجهة هذا القمع، لماذا يستمر الفنانون الروس والفلاسفة والصحفيون في الاعتقاد بحدوث تغيير؟ باختصار، لأنهم قد رأوا من قبل الانهيار المعنوي والمادي لشيءٍ بدا في الماضي أنه سيستمر إلى الأبد: الاتحاد السوفييتي.

وصف أليكسي يورتشيك، أستاذ علم الإنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي بالولايات المتحدة الأميركية، انهيار الاتحاد السوفييتي في كتابٍ اسمه "Everything Was Forever Until It Was No More" (كل شيء كان أبدياً حتى لم يعد كذلك)، كما هو واضح، يتحدث العنوان عن نفسه. انبهر يورتشيك بحقيقة أنه رغم أن لا أحد تمكن من توقع سقوط الاتحاد السوفييتي، إلا أنه حينما انهار أدرك العديد من الناس أنهم، في داخلهم، توقعوا انهياره طوال الوقت.

خلال عصر البِرِيسْتُرُوِيكا (أو عصر إعادة البناء، وهو برنامج للإصلاحات الاقتصادية أطلقه آخر زعماء الاتحاد السوفيتي، ميخائيل غورباتشوف)، اختبر الناس ما يمكن أن نصفه بفجوة مفاجئة في الإدراك والشعور، وذلك حينما بدأوا يدركون أن سقوط الاتحاد السوفييتي أصبح أمراً وشيكاً. ولكن حتى سقوطه، ظل معظم الناس يتحدثون، ويتصرفون، وحتى يفكّرون كما لو كان النظام السوفييتي سيبقى للأبد. ورغم سخريتهم من وحشية الدولة وأجهزتها، إلا أنهم شاركوا في المسيرات، والاجتماعات، والممارسات التي طالبتهم بها الدولة.

منذ فوز ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أصبح من الممكن توقع حدوث انهيار مشابه للحضارة الغربية وقيمها الليبرالية.

أوجه التشابه بين الحالتين واضحة. فنحن عشنا أيضاً 30 عاماً تحت نظامٍ اقتصادي فرض استمراريته. وأصبحت العولمة عملية طبيعية لا يمكن إيقافها، وأصبح اقتصاد السوق الحر ببساطة هو الحالة الطبيعية للأمور.


تصويت ضد العولمة


ولكن عندما تقوم الدولة التي ابتدعت العولمة، وفرضتها، واستفادت منها، بالتصويت ضدها، إذاً يجب عليك أن تفكر في احتمال أن العولمة على وشك الانهيار، وأن ذلك سيحدث فجأة. وإن كان الأمر كذلك، وكنتَ ليبرالياً، تؤمن بالإنسانية والديمقراطية، فيجب عليك أيضاً أن تفكر في احتمال حدوث شيء آخر، ربما يكون أكثر فظاعةً بالنسبة لك: وهو أن القومية النخبوية هي النموذج الافتراضي الذي تتحول إليه الاقتصادات المنهارة.

عندما أدت إصلاحات يلتسين إلى فقرٍ مدقع وانهيار للدولة في أوائل التسعينات، شاهدتُ المجتمع الروسي وهو ينحدر نحو الفوضى. كنا نقيم اجتماعاتنا في مرافق الأكاديميا الستالينية المهجورة، وسط كتب التدريس السوفييتية المنبوذة، وتماثيل لينين النصفية، ومحاضر اللجان المركزية التي لم تعد موجودة. كان هناك عنفٌ بالشوارع، واختلاسات في مجالس إدارات الكيانات التي احتكرت موارد روسيا، والتي كانت ملكيتها تذهب لأي نظام كليبتوقراطي يمكنه ممارسة القوة الأكبر.

مقارنةً بالفوضى التي عمَّت روسيا في التسعينات، تبدو حقبة بوتين كما لو كانت تمثل استرجاعاً لما كانت عليه روسيا. إذ تمكن بوتين، وعلى حساب العزلة الدبلوماسية التي تتعرض لها بلاده، وقمع الحقوق المدنية، من استعادة نمو الاقتصاد الروسي، والنظام، وشعور الفخر بالوطن.

واليوم، في جميع أنحاء العالم، توجد نماذج مصغرة من بوتين: كرئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، والسياسية الفرنسية الفاشية التي من الممكن أن تتولى رئاسة فرنسا، مارين لوبان. إن انحدر الغرب، كما يرغب هؤلاء الزعماء، إلى القومية الاقتصادية، فكل من يبلغ من العمر أقل من 50 عاماً سيمر بنفس الصدمة الفكرية التي مر بها الروس في أواخر الثمانينات.

في علوم الاقتصاد، والسياسة، ودراسة العلاقات الدولية، هناك افتراضٌ عام، استمر نحو 3 عقود، بأن الإطار الغربي الحالي سيستمر للأبد. ولكن كما حدث مع الأكاديمية السوفييتية، إن اتضح أن العولمة أيضاً مؤقتة ويمكن التراجع عنها، فإن كتب التدريس التي تدَّعي استمراريتها، والتي كان يتم توقيرها يوماً ما، سيتم نبذها أيضاً.

لكن هناك فارقٌ كبير. فالمعارضون في أواخر الحقبة السوفييتية كانوا يكافحون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان مستخدمين المفاهيم والمبادئ الغربية. لكن بالنسبة لنا، إن تمكنت الشعبوية المعادية للأجانب من الانتصار، لن يكون هناك غربٌ نتطلع إليه، إن بدأت المجتمعات الليبرالية الديمقراطية في سلوك نفس مسار المجر تحت قيادة فيكتور أوربان، لن تكون هناك قوى خارجية لتساعدنا.

أملنا الأكبر الأخير سيكون نحن أنفسنا، فعددنا كبير بما يكفي لوقف هذا الانهيار العظيم الثاني نحو القومية وحكم الأقلية. فنحن مرتبطون ببعضنا البعض، وقادرون على التواصل، وواعون، ومتعلمون، ومرنون نفسياً حتى الآن. وبارتباطنا سوياً، ومقاومتنا، يمكننا أن نتعلم الكثير من هؤلاء الذين كانوا يفعلون ذات الأمر، بهدوء، في روسيا.

من الممكن أن يكون الجيل الجديد من منتقدي بوتين مغطَّى بمعطفٍ من السخرية، والضجر، واللامبالاة، ولكن لديهم اعتقاد متناهي القوة في حدوث التغيير.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.