داخل أحشاء الجماعة.. كيف تفكر قواعد "الإخوان" في المصالحة؟

تم النشر: تم التحديث:
S
S

كيف يفكر الإخوان حيال مستقبلهم؟ هذه المرة لم نسأل قيادات الجماعة ولم نحلِّل البيانات الرسمية لأجنحتها، ولا المقدمات النارية على القنوات القريبة منها. لقد قررنا الذهاب إلى أعماق الجماعة لنستمع إلى شعبها، والتقينا أعداداً من أعضائها سواء من المعتقلين (في 3 سجون مختلفة) أو المطاردين أو من أُسر هؤلاء وأولئك، واقتربنا من قلب التنظيم الذي ما زال يعمل في السجون، كما استمعنا إلى بعض أصواته الغاضبة.. فبماذا تحلم قواعد الإخوان: المصالحة، التسوية، أم العين بالعين؟

اقترب معنا من الإجابة.


حتى في السجون.. "الجماعة" باقية


8 أشخاص يجلسون تحت إضاءة خافتة، تنتقل دفة الكلام بينهم، تعلو أصواتهم وتختلط، ثم تتبينها فتجدهم يتحدثون عن جدوى التسوية بين الإخوان وحكومة السيسي. يوافق أحدهم فيما يرفض آخر محتداً.

يبدو مشهداً تقليدياً، إلا أن نظرة إلى ملابسهم الموحَّدة والباب الحديدي المغلَق خلفهم ترسم صورة لا لبس فيها عن كونهم معتقلين في أحد السجون المصرية.

يتحدث أحمد الغنام (28 عاماً) -الذي نتحفّظ على ذكر اسمه الحقيقي وسائر المشاركين في هذا التقرير؛ حفاظاً على سلامتهم- وهو أحد من شاركوا في تلك الحوارات بسجنٍ جنوب القاهرة، قائلاً إن المعتقلين يختلفون فيما بينهم بشأن رؤيتهم للمصالحة مع [نظام الرئيس عبد الفتاح] السيسي، فمنهم من يرفض التسوية ولا يرى إمكانية لها، وهي الرواية التي لا تزال قيادة الإخوان الرسمية تؤكدها، ومنهم من يرى أن المصالحة لا تزال المخرَج لمصر من مأزقها.

الحوارات المنظمة التي يديرها المعتقلون لم تبدأ مؤخراً؛ إذ سبق الحوار بشأن المصالحة نقاشات تخص موضوعات مثل "إخفاقات الحركة الإسلامية بعد الثورة"، أو عما إذا كان العمل المسلح يمكن أن يكون أحد سبل المعارضة، وهذا ما يؤكد أن جماعة الإخوان لا تزال قادرة على البقاء والاستمرار، بحسب الغنام.

فعلى الرغم من الانقسامات التي شهدتها الجماعة بعد الضربات الأمنية الشرسة والمتلاحقة، لا يزال تنظيم الإخوان يمارس عمله بتراتبية معتادة حتى داخل السجن، فالنقاشات التي تدور في الزنازين، تصل نتائجها لمستويات قيادية أعلى، واستطلاعات الرأي بين صفوف الجماعة بخصوص قضايا المصالحة والانتخابات وشرعية القيادة تتم بانتظام.

يُحتجز عمرو الفيومي في سجن آخر، ولكن ذلك لم يمنع الشاب العشريني من أن يؤكد كفاءة التنظيم داخل السجن؛ بل وتتعدى ذلك لتنظيم الحياة اليومية للمعتقلين، وحتى للترفيه عنهم بتنسيق حفلات سَمَر وألعاب جماعية.

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أحد سجون العاصمة؛ إذ يقول حاتم الجمّال، البالغ من العمر 34 سنة، إن الإخوان في معتقله يمارسون عملهم بشكل تقليدي، وإنّ نظام الأُسر يعمل بكفاءة، وإن جنود الجماعة "على قلب رجل واحد خلف القيادة". يتحدث الجمّال هنا عن القيادة التاريخية للجماعة التي تمثلها جبهة نائب المرشد العام محمود عزت، والتي تقابلها جبهة أخرى، كان يتزعمها القيادي محمد كمال الذي اغتالته قوى الأمن بُعيد اعتقاله أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهي الجبهة التي تدعم خيارات أكثر "حسماً" مع الدولة.

ويُعتقد، على نطاق واسع، داخل جماعة الإخوان، أن هناك اتصالات بين جبهة عزت ومقربين من النظام المصري والجيش بشأن التوصل لتسوية قريبة، وهو ما دفع أفراداً من الإخوان للانشقاق عن الجماعة.


العنف من أجل المصالحة!


s

هل يمكن أن يؤدي العنف إلى المصالحة؟ يقول الجمّال إنه حتى القلة التي خرجت عن التنظيم وقررت مواجهة عنف الدولة بالعنف لم ترد من ذلك حقيقةً إلا "إجبار النظام على الجلوس إلى طاولة المفاوضات".

لكنّ هناك رأياً آخر في مسألة العنف يمكن تلمّسه في الآراء الغاضبة التي تسمعها، ولا سيما من بعض أُسر المعتقلين في الجماعة.. الرأي هو: "ما أُخذ بالقوة.. لن يستردَّ إلا بالقوة".

ليس ظاهراً بوضوحٍ ما إن كانت تلك التعبيرات الغاضبة يمكن أن تترجم إلى مشروع مستمر، ولكننا سمعناها من سلمى الراوي [ما زلنا نتحفظ على الأسماء الحقيقية] التي فقدت أخاً برصاص الجيشف في أثناء فض الاعتصامات في 2013، فيما يُحتجز أحد أقربائها بسجنٍ خارج العاصمة بعد الحكم عليه بتهمة تتعلق بالعمل المسلح وهو يتعرض لتعذيب مستمر مع رفاقه حسبما تقول، مما أدى إلى تبني عددٍ منهم خطابات أعنف ضد الدولة، وأبعد عن الإخوان.

ما روته سلمى يتفق مع ما رواه لنا جميع المعتقلين الذين تواصلنا معهم؛ إذ أكدوا تعرضهم لعنف بدنيّ، وحشيّ في بعض الأحيان، في أثناء المراحل الأولى من الاحتجاز والتحقيق، لكن لم يتحدث أي منهم عن تعرضهم لتعذيب بدني مباشر في المراحل التي تلت ذلك.

s

"يختلف تعامل الشباب مع الضباط والعساكر داخل السجن عن تعامل الكبار"، هكذا قالت سلمى، التي تابعت موضحة: "يتعامل الشباب مع آمري السجن بشكل أكثر حدةً من كبار السن وبعضهم بدأ تحت الضغط في استخدام خطابات تكفيرية تجاه الضباط والجنود داخل السجن".

المعلومة السابقة عضدتها أيضاً روايات معتقلين تحدثوا لـ"هافينغتون بوست عربي" عن تفشي أفكار أكثر جذرية بسبب انسداد الأفق السياسي وصعود التيار الجهادي، ونجاحه في استخدام خطاب أكثر قبولاً بين الضحايا وعائلاتهم.

يضاعف من الغضب أيضاً، على ما يبدو، أن هذه المجموعات التي كانت يوماً من شباب الجماعة، تشعر بأنها صارت كبش فداء مرتين، فالسلطة استهدفتها أولاً واستخدمت ضدها كل أشكال العنف، ثم أصبحت هدفاً لقيادات الجماعة [جبهة الدكتور محمود عزت]؛ إذ تنتشر معلومات -لا يمكن التأكد من صحتها- أن تلك القيادات ساهمت في الإبلاغ عن الشباب الذين انفصلوا عن التنظيم واستخدموا أشكالاً من العنف ضد النظام.

أحد الباحثين الذين تحدثنا إليهم، قال إن هذه الرواية الذائعة يمكن أن تفسر اتجاه بعض الشباب الغاضب لرفض التفاوض أو المصالحة التي تمنح شرعية للنظام بشكل باتٍّ؛ إذ تشعر بأن الطرفين اللذين سيتوصلان لهذه المصالحة لا يعبران عنهم.


التطرف، الاقتصاد، الضغوط.. ما الذي سيدفع النظام للتصالح؟


"الشباب الذين يتحولون للعنف قد يكونون دافع النظام للمصالحة"، هذا ما تراه سلمى، التي توضح في إجابة سؤال عن السبب الذي يدفع النظام لقبول الجلوس مع الإخوان المسلمين على طاولة واحدة: "هناك اقتناع بين المعتقلين بأن النظام قد يلجأ للمفاوضات؛ خشية انضمام أعداد كبيرة من المعتقلين إلى الجماعات الجهادية".

"لكن دائرة العنف لن تتسع، فالإخوان يستطيعون السيطرة على قواعدهم"، هكذا يؤكد الجمّال، الذي يرفض طرح سلمى. ويتابع قائلاً: "قد تحدث بعض التجاوزات الفردية، لكنها أبداً لن تتسع لتتعدى ذلك، وكذلك لن يتحمل مسؤوليتها الإخوان".

وخلافاً لسلمى، يرى الجمّال أن الوضع الاقتصادي المتدهور قد يصبح الدافع الأبرز للنظام للتفاوض مع الجماعة.

الجمّال الذي كان يعمل مدرّساً، والذي يصف هواياته قبل اعتقاله بأنها كانت تتمحور حول الصيد والسفر، يؤكد أن "هذا العدد من المعتقلين ينعكس بشكل مباشر على الاستثمارات والسياحة"، ويعتقد أيضاً أن هذا من شأنه أن يعزز من قوة الإخوان التفاوضية.

أما محمد فتحي، وهو شاب عشريني من إحدى محافظات الوجه البحري اعتُقل فترة وجيزة بعد أن فقد أحد أقربائه من الدرجة الأولى على أيدي "بلطجية" مؤيدين للنظام الحالي، فيعتقد أن اللاعبين الإقليميين قد يُجبرون النظام على القبول بتسوية؛ لأنهم لا يريدون الوصول بمصر إلى وضع أسوأ، "فرغم كل ما حدث، لم تدخل البلاد بعدُ في دوامة الفوضى، ولا يريد أحد أن نصل إلى ذلك الوضع".


المعتقَلون، المطارَدون، اللاجئون.. أيهم يدفع الإخوان لقبول تسوية؟


الإخوان منهَكون! هذا ما يخلص إليه من تحدثنا إليهم، والحاصل أن الجماعة أصبحت تتكون من 3 شرائح أساسية كلها تعيش ظروفاً صعبة:

المعتقَلون: وقد تخطى عددهم، حسب بعض البيانات الحقوقية، 60 ألفاً، والمعاناة تتعداهم إلى أُسرهم.

المطارَدون: وهم أغلب أعضاء الجماعة الذين ما زالوا يعيشون في مصر ويضطرون إلى التنقل بين بيت وآخر، ولا تتيح لهم المطاردة العمل، والمعاناة كذلك تتعداهم إلى أسرهم.
اللاجئون: ورغم أنهم أكثر حظاً في نظر البعض، ولكنهم يعيشون ظروف حياة قاسية في الأغلب بتركيا أو السودان أو قطر أو غيرها من البلدان.

فتحي، قرّبنا أكثر من حياة تلك الفئة الثانية التي أشرنا إليها أعلاه: "حياة المطارَدين صعبة!" هذا ما يخلص إليه؛ إذ يتحدث عن أنه مع سوء أوضاع الإخوان داخل مصر، إلا أن أوضاع المطاردين هي الأسوأ على الإطلاق.

للأمر أبعاد كثيرة، يتحدث فتحي عن أن المطارَد يعرف تماماً أنه لا يستطيع التخطيط لحياته بأي شكل من الأشكال، فمن ناحية، لا يمكن له الاعتماد على أي عمل على الإطلاق، كما أن أسلوب حياته يتغير بشكل جذري، والمال قصة أخرى! فخلافاً للمعتقل، يتحمّل المُطارد نفقات معيشته، وأحياناً نفقات معيشة أسرته، لا سيما إن كان لديه أطفال بعمر الدراسة.

لا يستطيع في الغالب أن يستقل وسائل المواصلات العامة، ولا يمكن له أن يستأجر منزلاً بشكل مستقر، وفي الوقت الذي يتحمل فيه التنظيم جزءاً من نفقات منتسبيه من المعتقلين وأُسرهم، إلا أن ذلك لا يحدث مع المطاردين، وهو ما يوسع من دائرة الضحايا لتشمل المزيد من الأُسر.

في المقابل، يتم استنزاف المطارَد نفسياً أكثر بكثير مما يمكن أن يحدث مع المعتقل، وهو ما تتفق معه أخت أحد المطارَدين والتي تقيم بإحدى مدن الدلتا شمال القاهرة، "كمطارد، أنت تترقب كل نظرة إليك، أنت مضطر إلى تغيير هواتفك وأرقامك، إذا كنت طالباً جامعياً فلا يمكنك حضور الاختبارات، وإذا كنت خريجاً فلا يمكنك أن تجد عملاً. ونفسياً، لا يمكنك أن تشعر بشعور المعتقل؛ إذ يلازمك شعور الذنب طوال الوقت"، تقول أخت المطارد التي رفضت ذكر اسمها، وتختم بالقول إن أخاها فكَّر مراراً في تسليم نفسه للسلطات لاقتناعه بأن ذلك سيكون أيسر الحلول.

ومع ارتفاع أعداد القتلى والمعتقلين والمهجَّرين خارج البلاد، وصعوبة التواصل مع المطارَدين، تصبح تكلفة الاستمرار في المعارضة شديدة الوطأة على التنظيم.


السيسي أم الشعب: أيهم سيتخذ قرار المصالحة؟


هناك معضلة واضحة تواجه الحديث عن المصالحة، فالرئيس السيسي اعتاد في أكثر من مناسبة أن يتهرب من الرد على أسئلة بهذا الخصوص، قائلاً إن قرار التصالح مع الإخوان هو "في يد الشعب"، وذلك رغم كل مظاهر إغلاق المجال العام في مصر، حيث لا يتاح لأحد من الشعب حق التعبير، فكيف سيتاح للشعب إذاً أن يعلن قراره؟!

في الرد على السؤال السابق، يرى الجمّال أن "الشعب غير قادر على اتخاذ أي قرار، في حين يستطيع السيسي أن يفعل ما يريد فعله، ولذلك فتصريح السيسي هو مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي فقط".

أما سلمى، فلا تعتقد أن الشعب سيبالي بقرار المصالحة على الإطلاق، تقول: "جيراننا لم يواسونا بعد مقتل أخي في الفض، رغم أن علاقته بهم جميعاً كانت أفضل ما يكون".

ولا يختلف موقف فتحي كثيراً، حيث يثق بأن كلمات السيسي لا يعني بها شيئاً، ويقول: "السيسي لا يحسب حساباً للشعب، ولا الإخوان يحسبون حساباً للشعب كذلك"، أما المصريون أنفسهم، حسبما يقول، فهم "لا يفعلون شيئاً سوى مشاهدة التلفاز!"


عن المصالحة أو التسوية.. هكذا يفكر المعتقلون


المعتقلون أيضاً يشاهدون التلفاز أحياناً، ويتابعون الإعلام بشكل لصيق، وتُغريهم أحاديث المصالحة والتسوية ويفكرون في الحل.

يدور حديثهم طوال الوقت عن المصالحة، يتحدث البعض عن استعداد للقبول بالوضع الراهن أو بدور للجيش في الحياة السياسية، لكن أحداً منهم لم يخبرنا عن استعداده للقبول بتسوية يبقى فيها السيسي على رأس السلطة.

تحدث الجمّال عن اعتقاده أن على جميع الأطراف التفكير في المعتقلين كأولوية قصوى، وأبدى حماسة واضحة عندما عرضنا عليه خبراً نٌشر قبل أسابيع في صحيفة الشروق بخصوص مبادرة للمصالحة برعاية السعودية تنص على "خروج المعتقلين، وعودة اللاجئين، ورجوع الموظفين لوظائفهم"، لا بأس بكل هذا بالنسبة له، ولكنه أكد بحسم: "ولكننا لن نعترف بالرئيس الحالي".

تتفق سلمى مع هذا الشرط، "لن يعترف أحد بالسيسي" تقول بحسم هي الأخرى، وتتابع: "من الممكن أن يتقبل الإخوان اعتزال العمل السياسي فترة ما، وقد يتم الاتفاق على انتخابات رئاسية"، لكنها تؤكد أن إخراج المعتقلين سيكون الهدف الأساس؛ إذ إن الجماعة تخسر في هذه المرحلة، والمعتقلون يخسرون، وإيقاف الخسارة سيكون مكسباً بحد ذاته.

ويتطابق رأي فتحي الذي يقول إن إيقاف الخسارة أصبح "واجب الوقت" بحسب تعبيره، ويتابع: "الواجب هو إخراج المعتقلين، ولأنه لم يكن لذلك أن يتم إلا بالمصالحة، فالمصالحة صارت واجبةً، حتى وإن كانت بنودها مجحفة!" فالهدف هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

كذلك، يعتقد فتحي أن هناك أطرافاً عدة داخل النظام ترغب في المصالحة، فالنظام لا يستطيع الاستمرار في الضغط على المجتمع بهذا الشكل خشية رد الفعل، فالجيش الذي لم يستطع إيقاف التمرد في سيناء لأكثر من سنتين، لا يُتوقع أن يستطيع إيقافه بسهولة إن اندلع في الوادي، بحسب فتحي.

ويتفق معه الغنام في ذلك؛ إذ يرصد تحسّناً في التعامل مع المعتقلين في السجن الذي يُحتجز فيه، ويفسر ذلك بأنه قد يكون مؤشراً على رغبة رسمية في تخفيف الاحتقان، لا سيما مع إلغاء حكم الإعدام الصادر ضد مرسي.

لكن سلمى لا ترى أياً من تلك المؤشرات، فـ"أوضاع المعتقلين لا تزال تزداد سوءاً، وبعضهم يقضي أيامه كلها في زنزانة انفرادية، أو في التأديب"


تهدئة وليست مصالحة


s

يحب الجمّال أن يتحدث عما يسميه "التهدئة" وليس المصالحة، فـ5 سنوات من إيقاف العمل السياسي للإخوان "هي فكرة مقبولة تماماً"، وقد تكون كفيلة بإعادة بناء التنظيم داخلياً، بالإضافة لذلك، يبدو حاتم وجميع من تحدثنا إليهم مؤمنين بوجوب التوصل إلى صيغة تضمن محاسبة المسؤولين عن القتل.

أسماء، وهي فتاة في أوائل العشرينات، اعتُقلت فترة وجيزة قبل أن تغادر البلاد، قالت إن المصالحة تأخرت كثيراً، وأنها يجب أن تتم تحت أي مُسمّى.

لكن في الوقت ذاته، لا يعتقد الجمّال أن تجارب العدالة الانتقالية، تلك التي خاضتها دول مثل جنوب إفريقيا أو التجربة التي تخوضها تونس عبر هيئة الحقيقة والكرامة، أنها تصلح لمصر.

وعلى الرغم من أن سلمى تقول بإصرار: "لن أتصالح مع فرقة المظلات!"، وتوضح قائلة إن عائلتها تعلم جيداً أن أفراد فرقة المظلات هم من قتلوا أخاها، ولا ترى فرصة في تطبيق ذلك الشكل من العدالة الانتقالية في حالة أُسرتها، تعود لتؤكد أن التهدئة ممكنة وضرورية.

فتحي، من جانبه، يلقي باللائمة على قيادات الجماعة في عدم تقبل البعض للمصالحة، "يتحمل المسؤولية من رفعوا سقف طموحات الجميع"، وتابع باستياء: "كانوا يتحدثون عن مقتل السيسي، وإسقاط الانقلاب، لقد أشعرونا بأن بإمكاننا أن نُحضر السيسي للمحاكمة في أيام!".

عندما سألت فتحي عما سيفعله إذا ما تم التوصل لمصالحة أخبرني ضاحكاً بصوت جَهْوَرِيّ: "أنا هموت وأرجع أتجوز!". سيعود حاتم للبحر غالباً، يريد أن يسافر من جديد، فقد قضى في السجن وقتاً أكثر مما يجب، وحتى ذلك الحين سيكمل قراءة الروايات التي يُدخلها إلى زنزانته بصعوبة، أسماء أخبرتني بأنها ستعود لمصر فوراً لتكمل دراستها التي أوقفتها مضطرة.

أما الفيومي، فقد أخبرني بصوت هادئ بأنه حتى لو تمت المصالحة فلن يخرج قريباً؛ لأن ملفه "مع المخابرات الحربية"، لكن الحقيقة أن هذا تحديداً هو هدف المصالحة، ألا يحتفظ أحد بالملفات، أو على الأقل، أن يقبل الجميع وجود الجميع.