لماذا لا يمكن لدولة يوجد بها ماكدونالدز أن تظل ديمقراطية؟.. جورج مانيبو يجيبك

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

"لم تقم دولتان يوجد بهما فروع لمطعم ماكدونالدز من قبل بخوض حرب مع بعضهما البعض، وذلك لأن كليهما لديه فرع ماكدونالدز الخاص به"... هكذا حاول توماس فريدمان قبل 20 عاماً البرهنة على أن الرأسمالية العالمية يمكن أن تؤدي إلى سلام دائم.

والتقط الكاتب والمؤلف البريطاني المهتم بقضايا البيئة والسياسة جورج مانيبو ذات النموذج ليؤكد أنه "تحت هجوم الرأسمالية متعددة الجنسيات، التي تمثلها سلسلة مطاعم ماكدونالدز، تذوي الديمقراطية كأسلوب معيشة، وتموت"، وفق مقاله بصحيفة الغارديان البريطانية الثلاثاء 6 ديسمبر/كانون الأول 2016.

وفيما يلي نص المقال:

تنتشر حالياً موجة من النفور حول العالم. وتنهار شعبية الزعماء الحاليين في كل مكان. وتنتشر الشعارات، والرموز، والأحاسيس المشابهة لخطاب الرئيس الأميركي المنتخب ترامب، والحقائق التي كان يستخدمها أثناء حملته الانتخابية، في جميع أنحاء العالم بنفس الشكل تقريباً. ويعتقد الآن واحد من كل 6 أميركيين أن الحكم العسكري ربما يكون فكرة جيدة. من كل هذا، أصل إلى الاستنتاج الغريب التالي: لا يمكن لدولة يوجد بها ماكدونالدز أن تظل دولة ديمقراطية.

منذ 20 عاماً، عرض توماس فريدمان، الصحفي والكاتب بصحيفة "نيويورك تايمز"، نظريته المعروفة باسم "نظرية الأقواس الذهبية لمنع النزاعات". تنص النظرية على أنه "لم تقم دولتان يوجد بهما فروع لمطعم ماكدونالدز من قبل بخوض حرب مع بعضهما البعض، وذلك لأن كليهما لديه فرع ماكدونالدز الخاص به".

كانت نظرية فريدمان هي واحدة من نظريات "نهاية التاريخ"، وكانت تقترح أن الرأسمالية العالمية من الممكن أن تؤدي إلى سلامٍ دائم. ادَّعى فريدمان أن الرأسمالية من الممكن أن تخلق "نقطة اتزان تقوم عندها أية دولة، من خلال اندماجها مع الاقتصاد العالمي، والانفتاح أمام الاستثمار الأجنبي، وتمكين مستهلكيها، بالحد من قدرتها على خلق الاضطرابات، ودعم التحول التدريجي إلى الديمقراطية، وتأييد السلام العالمي". لم يعن فريدمان بذلك أن ماكدونالدز ينهي الحروب، ولكنه كان يعني أن ظهور ماكدونالدز بأية دولة يرمز إلى ذلك التحول.

استخدامي لماكدونالدز هنا للإشارة إلى تلك القوى التي تمزق الديمقراطية هو أمر مجازي، كما فعل فريدمان في نظريته. لا أعني بذلك أن وجود هذه السلسلة من مطاعم البرغر بالذات هو سبب انهيار المجتمعات الديمقراطية المنفتحة (مع أن ذلك حدث بالفعل في بريطانيا، عندما استخدمت ماكدونالدز قوانين التشهير الخاصة بنا ضد منتقديها). ولا أعني أيضاً أن الدول التي توجد بها مطاعم ماكدونالدز ستتحول بالتأكيد إلى دول ديكتاتورية.

ما أعنيه هو أنه تحت هجوم الرأسمالية متعددة الجنسيات، والتي تمثلها هنا سلسلة مطاعم "ماكدونالدز"، تذوي الديمقراطية كأسلوب معيشة، وتموت. بالطبع لا تزال الأشكال القديمة للديمقراطية ومنابرها موجودة، فالبرلمانات والهيئات التشريعية ما زالت قائمة، ولكن السلطة التي كانت تمتلكها في الماضي تسربت بعيداً، وظهرت في أماكن أخرى لم يعد بإمكاننا الوصول إليها.

السلطة السياسية، التي من المفترض أن تكون تحت تصرفنا، انتقلت سراً إلى الاجتماعات السرية بين المسؤولين وأعضاء جماعات الضغط والجهات المانحة، الذين يقررون حدود الحكومات في النقاش والفعل. تسربت تلك السلطة إلى إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، التي لا تستجيب لاحتياجات الشعوب، ولكن لاحتياجات القطاع المالي. انتقلت هذه السلطة، تحت الحراسة، إلى حصون دافوس الباردة التي تُقَام فيها الاجتماعات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي، التي يلقى فيها فريدمان ترحيباً حاراً (حتى عندما يكون حديثه مليئا بالهراء).

وفوق كل ذلك، السلطة، التي من المفترض أن تكون ملك الشعوب، يتم سحقها من خلال المعاهدات الدولية. فالاتفاقيات مثل "نافتا"، أو اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، و"سيتا"، أو اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وكندا، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، والاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات، واتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر المحيط الأطلسي، كل هذه الاتفاقيات تتم صياغتها والاتفاق عليها خلف الأبواب المغلقة، في مناقشاتٍ تتحكم فيها جماعات الضغط التابعة للشركات. وأفراد جماعات الضغط هذه يمكنهم تمرير بعض البنود والفقرات التي لا يمكن لأي ناخب مطّلع القبول بها، كالبند الخاص بإنشاء الكيانات الخارجية الغامضة، التي يمكن للشركات من خلالها تجنب المحاكم الخاصة بالدول، وتحدي القوانين المحلية، وحتى المطالبة بتعويضها عن نتائج القرارات الديمقراطية.

تُقيد هذه المعاهدات نطاق السياسة، وتمنع حدوث النتائج الاجتماعية التي يمكنها تحسين حياة المواطنين، ولا تلقي بالاً لحقوق العمال، والالتزام بحماية المستهلك، وقواعد التنظيم المالي، وجودة حياة المجتمعات. تسخر هذه المعاهدات من سيادة الدول على أرضها. وكل من سينسى أن إلغاء هذه المعاهدات كان أحد الوعود الرئيسية التي تعهد بها دونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية، سيفشل في فهم سبب مخاطرة الأميركيين بالكثير من الأمور في سبيل انتخابه للرئاسة.

على المستوى المحلي أيضاً، يدمر نموذج ماكدونالدز مغزى وهدف الديمقراطية. إذ تعتمد الديمقراطية على الثقة والانتماء المتبادلين: الاقتناع بفكرة أنك تنتمي إلى الدولة، والدولة ملك لك. ونموذج ماكدونالدز، من خلال استئصاله لهذا الانتماء، لم يكن من الممكن تصميمه بشكلٍ أفضل لمحو هذه الفكرة.

وصف توم وولف هذا الأمر في روايته "A Man in Full"، وذلك حين قال إنَّه "كانت الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها إدراك رحيلك عن مجتمع ووصولك إلى مجتمعٍ آخر هي عندما تبدأ سلاسل الشركات متعددة الجنسيات في الظهور مرة أخرى، وتلاحظ متجراً آخر من متاجر سيفن إليفن، أو ويندي، أو كوسكو، أو هوم ديبو". هذه الحالة من الاغتراب والتفسخ الاجتماعي، التي يروج لها هذا التدمير لفكرة المكان، تعززها مسألة العمالة المؤقتة، وأنظمة المراقبة، والتقييم، والتقدير المدمرة للروح (والتي تتفوق فيها ماكدونالدز على غيرها). وتساهم كوارث الصحة العامة في هذا الإحساس بالتمزق. فعلى سبيل المثال، وبعد انخفاضها لعقود، عادت معدلات الوفيات بين الأميركيين البيض في منتصف العمر إلى الارتفاع. الأسباب المحتملة لذلك تتضمن السمنة، ومرض السكري، وإدمان الأفيون، والتليف الكبدي، وكلها أمراض تحملها الشركات إلى المواطنين.

وهذه الشركات، المتحررة من القيود الديمقراطية، تدفعنا تجاه الانهيار المناخي، والذي يشكل تهديداً عاجلاً للسلام العالمي. وساهمت سلسلة مطاعم ماكدونالدز في ذلك بشكلٍ أكبر مما يجب عليها: فإنتاج اللحم البقري من أهم أسباب تغير المناخ.

في كتابه "معضلة العولمة" (The Globalisation Paradox)، يصف داني رودريك، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، معضلة سياسية ثلاثية الأبعاد. إذ يرى داني أن الديمقراطية، والسيادة القومية، والعولمة، تتعارض مع بعضها البعض. ولا يمكن لدولة أن تحظى بالأمور الثلاثة في نفس الوقت. وبهذا، فإن انتشار فروع الشركات متعددة الجنسيات، والتي تمثلها هنا فروع ماكدونالدز، يزاحم السياسات الداخلية للدول. رد الفعل العالمي العنيف هذا، والذي عادةً ما يكون غير مترابط وخطير، ضد الساسة الذين يسيرون على نفس هذا التيار الغالب، هو في جوهره محاولة لإعادة فرض السيادة القومية للدول في مواجهة قوى العولمة غير الديمقراطية.

في مقالٍ عن تاريخ الحزب الديمقراطي الأميركي للمستشار والمحلل مات ستولر في مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية، يذكرنا مات بخيارٍ مشابه عبر عنه المُشَرِّع الأميركي الكبير لويس برانديز حين قال "يمكن أن تكون لدينا ديمقراطية، ويمكن أن تكون لدينا ثروة متمركزة في يد قلة قليلة من المواطنين، ولكن لا يمكن أن يكون لدينا الأمران معاً". وفي عام 1936، تمكن عضو الكونغرس رايت باتمان من تمرير مشروع قانون ضد تركيز سلطة الشركات. وكان من ضمن الشركات التي يستهدفها حينها بهذا القانون شركة الأطلسي والهادئ العظمى للشاي، والمعروفة اختصاراً باسم "إيه آند بي"، وهي إحدى سلاسل المتاجر العملاقة حالياً، كانت تقوم وقتها بتفريغ المدن من المشروعات التجارية الصغيرة، بتدمير تجار التجزئة المحليين، وتحويل التجار المستقلين إلى مجرد باعة لديها.

وفي عام 1938، حذر الرئيس الأميركي السابق روزفلت من أن "حرية الديمقراطية لن تكون في أمان طالما يتساهل الشعب مع نمو نفوذ الشركات الخاصة إلى الدرجة التي تصبح فيها هذه الشركات أقوى من الدولة الديمقراطية نفسها. وهذا، في جوهره، هو الفاشية بعينها". كان الديمقراطيون يرون أن تركز سلطة الشركات هو شكل من أشكال الديكتاتورية. وقاموا في وقتٍ ما بفض البنوك والشركات العملاقة، وأغلقوا سلاسل المتاجر بالسلاسل. ولكن ما عرفه ونوَّه إليه روزفلت، وبرانديز، وباتمان، نسيه من يتولون السلطة، بما في ذلك كبار الصحفيين. ولكن لم ينساه ضحايا هذا النظام.

أحد الحلول لمواجهة تيار ترامب، وبوتين، وأوربان، وأردوغان، وسالفيني، ودوتيرتي، ولوبان، وفاراج، والسياسات التي يمثلونها، هي إنقاذ الديمقراطية من الشركات متعددة الجنسيات. يكمن هذا الحل في حماية الوحدة السياسية الأهم التي تتعرض للعدوان من البنوك، وشركات الاحتكار، وسلاسل المتاجر، والمجتمع. يعتمد هذا الحل أيضاً على إدراك أنه لا خطر أكبر على السلام العالمي من نموذج سلطة الشركات الذي يسحق الخيار الديمقراطي.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.