أزمة تواجه خطط ألمانيا لحظر النقاب.. عدد النساء اللاتي يرتدينه ضئيل جداً.. فلمن يصدر هذا القانون؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

كشفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هذا الأسبوع أنها تؤيد الحظر الجزئي للنقاب الإسلامي الذي يغطي الوجه بأكمله الذي اقترحه حلفاؤها الأكثر تحفظا.

وذكرت ميركل أمام مؤتمر للاتحاد الديمقراطي المسيحي اليميني المؤيد لها يوم الثلاثاء 6 ديسمبر/كانون الأول 2016 "النقاب الكامل ليس مناسباً هنا. وينبغي حظره".

وجاءت تعليقات المستشارة الألمانية مماثلة لما أدلى به وزير الداخلية توماس دي ميزيير في أغسطس/آب 2016، فقد أخبر دي ميزيير الصحفيين "الأمر لا يتلاءم مع مجتمعنا المفتوح. إظهار الوجه هام للتواصل والتعايش في مجتمعنا وتحقيق التماسك".

ويعد حظر النقاب في ألمانيا بمثابة خطوة كبرى في قارة يتم الإدعاء إن الإسلام بها يشكل خطراً داهماً. ومع ذلك، يبدو أن هناك نقطة مفقودة بالمناقشة وهي: كم عدد النساء اللاتي يرتدين النقاب المغطي للوجه بالكامل في ألمانيا؟ حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.


برقع أم نقاب



وقبل أن نجيب عن ذلك التساؤل، تجدر الإشارة إلى دلالات الألفاظ هنا. فرغم أن العديد من الناس يشيرون إلى النقاب الكامل باعتباره "البرقع" وإلى ذلك الحظر بكونه "حظراً لارتداء البرقع"، إلا أن البرقع ذاته هو أحد أنواع النقاب.

فالبرقع رداء طويل وواسع يغطي كامل جسد المرأة، وأحيانا يتضمن شبكة تغطي العينين تستطيع من ترتديه أن ترى من خلالها. ويكون البرقع أكثر شيوعاً بين مسلمات أفغانستان وجنوب آسيا.

ويعد النقاب أقل حجبا للجسم من البرقع. فهو غطاء صغير يتم ارتداؤه على الوجه وعادة ما يُظهر العينين. وتفضل بعض المسلمات العرب ارتداء النقاب، وينتشر في أوروبا بصورة أكبر من البرقع، الذي يتم الخلط بينه وبين النقاب.

ويتم ارتداء النقاب بصحبة وشاح. وغالبا ما يتم الإشارة إلى تلك الأوشحة –التي تترك الوجه مكشوفاً بينما تغطي الرأس والرقبة– باعتبارها حجاباً، رغم أن تلك الكلمة يمكن أن تعني بصفة عامة أكثر من مجرد تغطية الجسم. وغالباً ما يتم ارتداء الحجاب بمفرده دون نقاب. وهناك أيضا عدد من أنواع الحجاب الإسلامي التي لا تغطي الوجه، مثل الشادور الذي ترتديه المرأة الإيرانية.

وبالطبع لا تنسى البوركيني، وهو الرداء الذي تم حظره مؤخراً في عدد من المدن الفرنسية. ويعد البوركيني بزة سباحة تتكون من قطعتين، وتغطي الجسد بالكامل باستثناء الوجه واليدين والقدمين. ورغم ارتداء بعض المسلمات له، إلا أنه ليس ملبساً تقليدياً كغيره من الملابس المدرجة هنا. ويمكن أن ترجع أصوله إلى شواطئ سيدني بأستراليا في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة.

فكم عدد النساء اللاتي يرتدين البرقع أو النقاب في ألمانيا، وهما الرداءان الإسلاميان اللذان يغطيان الوجه جزئياً أو كلياً؟ ومن المثير للدهشة أنه يتضح أن الحكومة الألمانية لا تعرف الإجابة. فلم تتمكن وزارة الداخلية من توفير تقدير لذلك العدد بعد تعليقات دي ميزيير في أغسطس/آب 2016.

ويؤدي بنا البحث عبر شبكة الإنترنت عن إحصائيات حكومية إلى دراسة صادرة عام 2008 عن المكتب الفيدرالي للهجرة واللاجئين.

وقد أوضحت الدراسة أن نحو 28% من الفتيات والسيدات المسلمات يرتدين الأوشحة. ومع ذلك، من المهم أن نشير إلى أن هذا الرقم يتضمن ملابس أكثر انتشاراً مثل الحجاب، بالإضافة إلى النقاب والبرقع الأقل شيوعاً. وترجع أصول الكثير من المسلمين بألمانيا إلى تركيا، حيث لا ينتشر النقاب المغطي لكامل الوجه كثيراً.

ومنذ ذلك الحين، تستقبل ألمانيا الكثير من المهاجرين المسلمين، يأتي العديد منهم من بلدان مثل سوريا وأفغانستان، حيث ترتدي المرأة في المعتاد النقاب أو البرقع، ومن ثم تصبح دراسة 2008 قديمة، وهناك حاجة إلى المزيد من المعلومات.


كم عددهن؟


وفي مارس/آذار 2016، حاولت صحيفة The Bild المصورة التعرف على عدد النساء اللاتي يرتدين النقاب في ألمانيا بالفعل. وفي البداية، اتصلت الصحيفة بالمجلس المركزي للمسلمين بألمانيا، الذي أخبر الصحيفة بعدم وجود إحصائيات رسمية.

وبعدها، توجهت الصحيفة إلى العالم السياسي المصري الألماني حامد عبد الصمد، الملحد الذي يُعرف بانتقاد ومعاداة الإسلام. ويرى عبد الصمد أن هناك نحو 200-300 امرأة في ألمانيا ترتدي البرقع. وكان ذلك العدد يبلغ نحو 50 منذ أربع سنوات، ولكن ذلك الرداء أصبح أكثر شيوعاً الآن.

وقرر الصحفي الألماني فابيان كوهلر في الآونة الأخيرة أن يدرس عن كثب عدد النساء اللاتي يرتدين البرقع في ألمانيا.

وأوضح كوهلر، الذي يكتب لموقع Bento على شبكة الإنترنت، أنه بالرغم من أنه اعتاد على رؤية النقاب في برلين، فإنه لم ير أحداً في ألمانيا يرتدي البرقع، وهو رداء يخشاه الألمان للغاية لدرجة أن أحد السياسيين البارزين قد ذكر أنه مصاب بـ"رهاب البرقع".

وأرسل كوهلر دعوى على الشبكات الاجتماعية قائلاً: لو رأيتم برقعاً بألمانيا، أبلغوني. واستجاب معظم الناس بإرسال صور للنقاب والحجاب.

واتضح أن صورة المرأة التي ترتدي البرقع بإحدى محطات أنفاق برلين إنما تستهدف التضليل فقط، فقد كان صحفي بصحيفة Bild، يرتدي البرقع من أجل كتابة قصة للصحيفة.
وتلقى كوهلر لاحقاً دليلاً مضللاً آخر: امرأتين ترتديان البرقع، ولكنهما ليستا مسلمتين وتعملان بأحد الملاهي الليلية.

وأبلغه الخبراء الإسلاميون أنهم يتشككون في وجود برقع في ألمانيا. وقد أخبره العاملون بالسفارة الأفغانية أنهم لم يروا أي برقع مطلقاً.

وبدا أصحاب الحملات البارزة المناهضة لارتداء البرقع غير قادرين على مساعدته أيضاً، ولم يتحدث البعض معه. وبعد كل البحوث التي أجراها، توصل كوهلر إلى أنه قد يكون هناك نحو 300 امرأة ترتدي النقاب في ألمانيا. ولم يجد أدلة على ارتداء البرقع نهائياً.

وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 4.7 مليون مسلم في ألمانيا. وإذا كان صحيحاً أن هناك بضعة مئات يرتدين البرقع أو النقاب، فإنهن يمثلن نسبة ضئيلة للغاية من ذلك العدد، تبلغ 0.01%. ولا بد أن عدد منتقدي النقاب والبرقع يتجاوز عدد من يرتديه، حسب وصف الصحيفة.


أعداء لشيء غير موجود


وكتب كوهلر "النبأ السار الذي يقدمه هذا البحث هو أنه لا يوجد نساء في ألمانيا يرتدين البرقع. والنبأ السيئ هو أن هناك للأسف الكثير من أعداء البرقع".

وقد يبدو من الغريب أن تفرض دولة ما حظراً على رداء دون أن تكون لديها معلومات حول من يرتدينه بالفعل، وذلك علاوة على الارتباك العام الأوسع نطاقاً بشأن ماهية ذلك الرداء بالفعل.

ومع ذلك، فالأمر ليس غير مسبوق. فقد حظرت فرنسا النقاب عام 2011 ويظل ذلك الحظر قائماً حتى يومنا هذا.

ومع تزايد نفوذ الحركة السياسية التي تساند ذلك الحظر، أصدر وزير الداخلية دراسة تشير إلى ارتداء أقل من 2000 امرأة للنقاب في أنحاء البلاد –أي نسبة ضئيلة للغاية من تعداد السكان المسلمين بالبلاد الذين يبلغ عددهم حاليا 7.5 مليون نسمة– وأن عدداً قليلاً للغاية يرتدي البرقع.

وحتى تلك النسبة الضئيلة تبدو غير مزعجة تماماً للبعض. وقام مارتن روبنز، الكاتب والباحث البريطاني المهتم بالبيانات، بدراسة الأمر عن كثب، وأدرك أنه قد تم التوصل إلى تقديرات وزارة الداخلية حينما طُلب من الشرطة الفرنسية تقدير عدد المسلمين السلفيين بالبلاد بناءً على عدد المساجد.

وكان هذا العدد سراً لحين تسريبه إلى صحيفة لوفيغارو الفرنسية، وكتب روبنز لصحيفة الغارديان عام 2011 أن "2000 هو مجرد تخمين سربته الصحيفة حينذاك، ولا يمثل إحصاءً رسمياً موثوقاً تقدمه وسائل الإعلام". وأضاف أنه يشعر بصفة شخصية أن العدد أقل من ذلك.

وإذا كان عدد البحوث التي أجريت حول ارتداء البرقع والنقاب قد يبدو قليلاً، فإن البحوث حول التأثير الفعلي لهذا الحظر قد يكون أكثر ضعفاً. فقد مضى أكثر من خمس سنوات منذ أن أصدرت فرنسا حظرها على النقاب، ولم يتم إجراء الكثير من البحوث حول مدى تقبل المسلمين لذلك الأمر.

وتشير المعلومات التي لدينا إلى تزايد عدد المسلمات اللاتي يرتدين النقاب الآن، باعتباره وسيلة للتمرد على الأوضاع. وأوضحت التقديرات التي أصدرتها وزارة الداخلية عام 2015 أنه قد تم فرض 1546 غرامة بموجب القانون، رغم تطبيق الحظر بصفة جزئية فقط. وكان هناك العديد من المخالفين الذين تكررت مخالفتهم. فقد تم فرض 33 غرامة على امرأة واحدة.

وذكرت أجنس دي فيو، عالمة الاجتماع ومخرجة الأفلام الوثائقية منذ عام 2009 التي أجرت حوارات مع نحو 150 امرأة ترتدي النقاب، أن معظم النساء اللاتي ارتدين النقاب قبل الحظر يمكثن بمنازلهن الآن.

وترغب النساء اللاتي يرتدين النقاب الكامل المغطي للوجه عند الخروج من المنزل في استفزاز الآخرين بصورة أكبر ممن سبقهن. وذكرت دي فيو أن بعضهن قد ذهبن إلى سوريا والعراق للانضمام إلى الجماعات المتطرفة.

وتوضح فيو على من يقع اللوم. وذكرت قائلة "أصبحت تلك النساء هكذا بسبب السياق المجتمعي الفرنسي".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.