فساد أم ابتزاز.. إليك التفاصيل الكاملة لاتهامات شركة "هاينز" الأميركية باستخدام مكونات فاسدة بمصنعها في مصر

تم النشر: تم التحديث:
HAYNZ
social media

"هل صلصة هاينز العالمية فاسدة؟".. سؤال فرض نفسه بقوة بعدما تعرَّضت الشركة المنتجة لصلصة "هاينز" الأميركية بمصر إلى حملة إعلامية مكثفة، على خلفية تبنِّي أحد المراكز الحقوقية المصرية عدة فيديوهات، قال إنها دليل على استخدام الشركة لطماطم فاسدة في تصنيع منتجاتها، وانتهى الأمر باقتحام الجهات الأمنية لمصنع الصلصة. في المقابل خرجت أصوات أخرى تتحدث عن أن تلك الحملة لها أبعاد أخرى مثل ابتزاز الشركة، أو ضربها لصالح جهات أخرى.

وتعرض "هافينغتون بوست عربي" في هذا التقرير القصة كاملة للأزمة، مع عرض وجهات نظر كل الأطراف.

مصنع شركة هاينز العالمية بمصر هو الوحيد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويصدر منتجاته إلى دول الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وتركيا وروسيا.

ومما يزيد من حساسية الأزمة أن المصنع حاصل على شهادات جودة وسلامة الغذاء من أشهر الشركات التي تمنح تلك الشهادات مثل "DNV.GL وTUV" ويخضع لتفتيش دوري من إدارة الشركة الأجنبية الأم، في ظل اتباع المصنع لنفس نظام الجودة لكافة مصانع "هاينز" حول العالم، مما يضع هذه الجهات في موقف حرج إذا ثبتت الاتهامات الموجهة لمصنع هاينز بمصر.


شباب ضد الفساد بداية الأزمة


طَرْح القضية للرأي العام يرجع إلى الدكتور أحمد مهران، مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، الذي قال إن بداية القصة ترجع إلى اتصال هاتفي من مجموعة من الشباب، تطلق على نفسها "شباب ضد الفساد"، قالوا إنهم استطاعوا توثيق فيديوهات تكشف عن استخدام مصانع هاينز لطماطم (بندورة) فاسدة ومصابة بالأمراض والديدان، وإنهم يرغبون في متابعة تلك القضية قانونياً لكشف هذا الأمر، نظراً لخطورته على الإنسان.

وذكر مهران في تصريحات خاصة عبر الهاتف لـ"هافينغتون بوست عربي"، أنه في بداية الأمر توجَّس خيفة في الحديث عن مصنع كبير وعالمي مثل هاينز، وتشاور مع تلك المجموعة حول إمكانية اكتشاف مخالفات مماثلة وقعت في مصانع أخرى لصناعة الصلصة في مصر.


شركات أخرى


وأوضح مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، أن الشباب ذهبوا بالفعل إلى مصنع شركة "بي آند جي" لصناعة الصلصة بمنطقة السادات الصناعية، على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، وبعد تمكنهم من التغلغل داخل الشركة استطاعوا توثيق فيديوهات لنفس المخالفات التي تم رصدها في مصانع شركة هاينز، مشيراً إلى أن الفيديوهات الخاصة بشركة "بي آند جي" هي التي تمت إذاعتها في حلقة برنامج "انتباه" على قناة المحور الفضائية المصرية، عن فساد الصلصة، تحت عنوان "فضيحة الصلصة بأحد المصانع الكبرى".

وأضاف: "ألحقنا بالحملة الإعلامية تقديم بلاغ ضد الشركة لدى الجهات الأمنية".

وتابع مهران قائلاً: "عقب الاهتمام الكبير بتلك القضية قررنا الكشف عن مخالفات مصنع هاينز، وهو ما تم بالفعل في عدد من وسائل الإعلام لاحقاً، وتقدمنا بالبلاغ رقم 15138 سنة 2016، كشفنا فيه عن وجود مخالفات تتعلق بالاشتراطات الصحية ومعايير السلامة والجودة داخل مصنع شركة القاهرة للصناعات الغذائية (هاينز)، واستخدامه خضراوات فاسدة".


القبض على مدير إنتاج المصنع


بعد ذلك تدخلت الجهات الأمنية في القضية، فاقتحمت قوات الأمن مصنع هاينز في مدينة 6 أكتوبر الصناعية، الواقعة شمال محافظة الجيزة (إحدى ضواحي القاهرة).

وذكر بيان أمني صدر الأحد 4 ديسمبر/كانون الأول 2016، أنه "تم اقتحام المصنع بعد الحصول على تصريح من النيابة، وأنه تم ضبط 62 طناً و919 كجم مستلزمات إنتاج طماطم بها عفن ظاهر وحشرات وديدان، تفوح منها رائحة كريهة، وفق تقرير اللجنة المرافقة من وزارة الصحة، وتم ضبط 16 عاملاً لا يحملون شهادات صحية.

كما أعلنت الأجهزة الأمنية أنها ألقت القبض على مدير إنتاج بالشركة.

وكشف مصدر داخل جهاز حماية المستهلك لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن تحرك الأجهزة الأمنية جاء بناء على الحملة الإعلامية والبلاغ الذي تم تقديمه، ولم يكن تحرك الحملة له علاقة بأي من الأجهزة المنوط بها الرقابة على السلع والأغذية.


أمريكانا تتنصل من الشركة


وكون الشركة والمصنع أحد أعضاء شركات الـ"فرانشيز"، وهي الشركات والمصانع المحلية التي تنتج ماركات شهيرة لصالح شركات عالمية، خرج رجل الأعمال معتز الألفي رئيس اللجنة المالية في أمانة السياسات بالحزب الوطني المنحل، ورئيس مجلس إدارة مجموعة أمريكانا، وصاحب فكرة الفرانشيز في مصر، التي جلبت الماركات العالمية في الصناعة لمصر، خرج كي يتبرأ من شركته القديمة التي أدخلها إلى مصر.

وأصدرت مجموعة أمريكانا العالمية المتخصصة في المنتجات الغذائية، منشوراً عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، تشرح من خلاله علاقتها بشركة هاينز مصر، وأنها قامت ببيع حصتها بشركة القاهرة للصناعات الغذائية "هاينز مصر" بتاريخ 31 ديسمبر/كانون الأول 2009، أي منذ 7 سنوات كاملة، لصالح شركة هاينز العالمية.


طماطم كانت معدة للإعدام


ومع انتشار الأخبار في وسائل الإعلام، سارع الحساب الرسمي لمصانع هاينز لنشر بيان باللغتين العربية والإنكليزية، أكد فيه أن ما يتم ترويجه عن الشركة هو ادعاءات باطلة، وأن الصور المتداولة من داخل أحد المصانع لا تخص الشركة، مطالبين العملاء بأن يكونوا على ثقة تامة في منتجات الشركة التي تتم وفقاً لمعايير جودة عالمية.

وبعد قيام "هافينغتون بوست عربي" بالاتصال على رقم الشركة الرسمي داخل مصر، أوضح أحد مسؤولي المبيعات بالشركة، أن هناك محاولة لاستهداف الشركة، وأن ما يتم نشره في وسائل الإعلام يوجد به تضخيم، وينافي الحقيقة، وأن "ما وجدته السلطات المصرية داخل المصنع هو كميات طماطم كانت معدة للإعدام، والخطأ الوحيد للشركة أن الكمية أكبر من الحد المسموح بوجوده داخل الشركة".

وذكر المسؤول في إجابته عن تساؤلات "هافينغتون بوست عربي"، أن مصانع ومنافذ الشركة تعمل بكامل طاقتها، ولم يتم إيقافها، والعمل يسير بشكل منتظم.

وفي إجابته عن سؤال مباشر عن وجود حملة مستهدفة ضد الشركة لصالح شركات أو مصانع أخرى، قال "ليس هناك شيء مؤكد حول هذا الأمر في المعلومات المتداولة داخل الشركة، ولكن ليس هناك أمر مستبعد".


نحن نزرع الطماطم الخاصة بنا


"هي دي الطماطم بتاعتنا اللي بيقولوا عليها فاسدة"، هكذا تحدث أحمد سعيد في حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، الذي كتب فيه أنه مدير إدارة الجودة داخل شركة هاينز، ونشر مع ما كتبه مجموعة من الصور لمراحل جمع الطماطم من داخل المزارع.

وقال سعيد إن الطماطم التي تستخدم في تصنيع الكاتشب والصلصات تتم زراعتها من قبل الشركة، ومن البذور الخاصة بها.

وأضاف: إن "لدينا إدارة خاصة بالزراعة تتابع الأرض من أول البذور ثم الرش حتى تصل الطماطم للمصنع، لكي يتم تركيزها، ونصنع بها أشهر وأحسن كاتشب في العالم، وليس في مصر فقط".


الشركات تتعرض للابتزاز


سارعت غرفة الصناعات الغذائية في مصر للدفاع عن شركات ومصانع هاينز، وأكدت في بيان أصدرته الإثنين 5 ديسمبر/كانون الأول 2016، أن هناك حملات هدفها تشويه سمعة المنتجات الغذائية المصرية وإرهاب الشركات وابتزازها مادياً.

وذكرت في البيان، أنها تلقت شكاوى عديدة من بعض الشركات الأعضاء لديها، بوقوعها ضحايا لعمليات التشويه المتعمد التي تستهدف الإضرار بسمعة المنتج المصري وزعزعة الثقة به لدى المستهلك المصري، وهو ما يؤدي إلى التأثير سلبياً على الاقتصاد المصري.

وأوضح البيان أن مُتابعة الشكاوى والتحقيق كشفت تحول الأمر إلى ظاهرة، حيث تبيّن استخدام برامج متخصصة ومتاحة للجميع تعكس صورة زائفة لأرقام المشاهدات والمشاركات لما يتم رفعه من أخبار وفيديوهات على الشبكات الاجتماعية.

وأضاف البيان أن الشركات اتخذت جميع الإجراءات القانونية اللازمة لمواجهة ظاهرة الابتزاز والتشويه، والتنسيق مع الجهات الرسمية المعنية لمتابعة الظاهرة والتصدي لها.

وأكد المهندس أشرف الجزايرلي، رئيس مجلس إدارة الغرفة، أن الغرفة باعتبارها منظمة أعمال مسؤولة عن شركات التصنيع الغذائي ترفض الخضوع لأي عمليات إرهاب معنوي أو ابتزاز، مشدداً على تصديها قانوناً لأي محاولات لزعزعة استقرار القطاع والتأثير سلبياً على الاقتصاد الوطني.


فيديوهات موثقة


تواصلنا مرة أخرى مع مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، ونقلنا ما جاء في بيان غرف الصناعات الغذائية، فأكد أن جميع الفيديوهات التي نُشرت من داخل المصانع لا تتضمن فيديوهات مصنع هاينز، وأنه قدم للنيابة أسطوانة جديدة تحمل الفيديوهات والصور التي تم توثيقها من داخل مصنع هاينز.

وحسب مهران لـ"هافينغتون بوست عربي"، فإن الفيديوهات التي يشير إليها تتضمن لقطات، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أنها تم تصويرها من داخل مصانع هاينز، حيث إنه يوجد بها "الكثير من الشواهد التي لا يخفيها سوى هدم المصنع بالكامل".

وأردف قائلاً: "فيكفي أن نشير إلى وجود لوجو الشركة داخل المصنع وعلى ملابس العمال".


جميع الاحتمالات واردة


وفي حديثنا مع رضا عيسى، الخبير الاقتصادي، أكد أن جميع الاحتمالات واردة في تلك القضية، وهناك بالفعل العديد من القضايا التي كان الهدف منها ابتزاز الشركات، أو ضرب مصالح لشركات أخرى سواء قائمة، أو من المزمع إنشاؤها.

وقال عيسى لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن الكارثة الحقيقية في فساد المنظومة الرقابية داخل مصر، ومنذ أيام مبارك هناك قرارات بمنع التفتيش داخل المصانع من قبل الأجهزة الرقابية إرضاء لرجال الأعمال، والاكتفاء بالرقابة على المنتج في صورته النهائية، مشيراً إلى أن تلك الأجواء الفاسدة جعلت مصانع الأغذية في مصر محل شبهات كبيرة، خصوصاً في ظل انتشار الأمراض الناتجة عن تناول تلك المنتجات، وقيام عدة دول أجنبية بحظر بعض المنتجات، بعد التأكد من وجود مواد ضارة بها.