الجيش العراقي في معركة الموصل: "نحن نحارب الشيطان نفسه"

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

انهمك الرقيب حسين محمود، الضابط بالجيش العراقي في عملٍ شاق، إذ كان يحاول رفع أحد الأبواب المعدنية المحترقة المغطاة بزيت المحرك، والخاصة بإحدى مركبات الجيش العراقي المُدَمَّرة في الموصل.

تناثرت حوله العديد من الهياكل المُعوَجّة لمركبات الجيش المُدَمّرة، التي افترشت الطريق خلف الغبار الذي أثارته المركبات الأخرى التي لا تزال تتحرك، محاولةً التسلل حول المناطق الحضرية على حافة مدينة الموصل.

انضم إليه جنديان آخران ومعهما بعض مفاتيح الربط، يحاولان دون جدوى خلع الباب من مفصلاته بالمركبة. وقال أحدهما "نحتاج إلى الباب لعربات الهامفي الأخرى التي ما زالت تعمل. نحن نعمل تحت ضغطٍ مستمر لتوفير الأجزاء لباقي العربات".


جوجالي.. الساحة الخلفية للحرب


ظهرت العديد من ساحات الإصلاح المؤقتة حول حي جوجالي على الحدود الشرقية لمدينة الموصل، وهي المنطقة الخلفية للحرب مع تنظيم داعش، والتي يوضح حالها الآن كيف ستكون الحرب مع التنظيم في الموصل مُدَمِّرة وطويلة وصعبة، بحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الثلاثاء 6 ديسمبر/كانون الأول 2016.

كان التقدم المذهل الذي حققه الجيش العراقي في الأسابيع القليلة الأولى لحملته العسكرية لاستعادة مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، والمعقل الأخير لتنظيم داعش في العراق، قد أدى إلى توقعاتٍ متفائلة مخدِّرة لسير المعركة، إذ يبدو أن التنظيم لن يقوم بتسليم المدينة للجيش العراقي.

ومنذ دخلت القوات العراقية حي جوجالي، أحد أحياء الصناعات الخفيفة بالمدينة، في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2016، تباطأ تقدم الجيش في المعركة، وقال حسين عن ذلك "عندما بدأنا المعركة، كنا نعتقد أن الأمر سينتهي في غضون أسابيع، والآن نأمل فقط أن ينتهي الأمر مبكراً في العام الجديد (2017). ولكن مقاتلي التنظيم ليسوا جبناء، إنهم يقتلون بنفس السهولة التي يتنفسون بها".


خسائر على الطريق إلى "منبر الخليفة"


تبعد الآن القوات التي تم نشرها خلف الخطوط الأمامية الرمزية للمعركة، التي تم تحديدها ببعض الأكوام من التراب، حوالي خمسة أميال من مسجد النور، المكان الذي أعلن فيه قائد تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، نفسه خليفةً لدولته الإسلامية المزعومة منذ حوالي 30 شهراً. ولكن كل الشوارع والقطاعات المؤدية إلى المسجد، الذي يرمز بشكلٍ كبير للهدف من المعركة، تُكَلِّف الجيش العراقي خسائر أكبر في الأفراد والمعدات.

فالسيارات المُفَخَّخة، التي استُخدِمَت لتدمير العشرات من عربات الهامفي الموجودة في ساحات الخردة المؤقتة، تستمر في التسبب في خسائر مُدَمِّرة للمركبات العسكرية التي زودت بها أميركا الجيش العراقي، التي تشكل الجزء الأساسي من سلاح المدرعات به.

تؤثر هذه الخسائر المستمرة للجيش العراقي أيضاً على الروح المعنوية للجنود، وهو الأمر الذي لا يمكن تقدير حجمه بسهولة.


في مواجهة الأنفاق


ومع أن الجنود العراقيين المتمركزين في حي جوجالي والطرق المؤدية إليه مصممون على الفوز بالمعركة، مهما طالت مدتها، إلا أن بعضهم يعترف أنه من الممكن أن يستمر القتال في أنفاق مدينة الموصل وأزقتها حتى حلول الصيف القادم.

وقال العريف محمد توفيق بالجيش العراقي "سمعنا أن التنظيم حفر بعض الأنفاق بالمدينة، وأرسل صبيةً يرتدون الأحزمة الناسفة. لم نتدرب على مواجهة مثل هذه الأمور".

لم تكن هذه المعركة العسكرية الطاحنة والبطيئة هي النتيجة التي كان يأمل فيها المسؤولون العراقيون في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق الحديث.

الرائد سعيد علي، والمسؤول عن إحدى نقاط التفتيش في جنوبي المدينة، في منطقةٍ ليست بعيدة عن إحدى القرى الخالية التي اشتبك فيها الجيش العراقي في معركةٍ قاتلة مع حوالي 50 من مقاتلي التنظيم، قال إنَّ القادة السياسيين "كانوا يتوقعون انتهاء المعركة في خلال أسابيع. حسناً، فليأتوا إلى هنا ويحاولوا الفوز بها".


خطوة نحو الاستقرار


تعتبر العراق معركة الموصل خطوةً في إعادة بناء الدولة بعد أكثر من 13 عاماً من عدم الاستقرار، بدأت بغزوٍ أطاح بالطبقة السنية الحاكمة، ثم حربٍ طائفيةٍ أججت النزاع بين طائفتي الإسلام المتنازعتين لأكثر من ثلاث سنوات، وأخيراً ظهور الكيانات الأولى لتنظيم داعش، واحتشاد أعداد كبيرة من الميليشيات الشيعية المعروفة بـ"الحشد الشعبي" وأعلنها البرلمان العراقي كياناً حكومياً هذا الأسبوع.

ولا تشارك الميليشيات الشيعية بشكلٍ مباشر في معركة استرداد الموصل، فدورها يقتصر على التمركز ببعض المواقع الدفاعية غربي المدينة. ولكن الأعلام الشيعية تظهر في أماكن كثيرة في المدينة بالفعل، في مؤخرة المركبات العراقية، وأعلى القواعد ونقاط التفتيش الخاصة بالميليشيات.

وتخيف هذه الأعلام السكان السُّنَّة بالمدينة، الذين يعتقدون أن هذه الميليشيات تنظر للحرب كمعركةٍ طائفية، وليس كمعركةٍ وطنية لتحرير العراق.

يمكنك من مسافةٍ بعيدة رؤية الدخان المتصاعد من المدينة، والناتج عن الهجمات الجوية عليها.

تُعَد الضفة الشرقية من نهر دجلة، الذي يقسم المدينة إلى نصفين، هي المنطقة الوحيدة التي توجد بها عمليات الجيش العراقي الآن، وكان من المتوقع أن تكون النصف الأسهل من المدينة فيما يتعلق بسيطرة الجيش العراقي عليها.

قال محمد أحمد محمد، أحد كبار المدينة، أثناء جلوسه على الطريق الرئيسي المؤدي إلى الموصل "انظر إلى مركبات الجيش. جميعها أعطاها الأميركيون إلى الجيش العراقي، وجميعها أُصِيبت بالصواريخ، ونوافذها مصابة بطلقات القناصين. تبدو المركبات كما لو كانت المعركة مستمرة منذ خمس سنوات، مع أنها لم تبدأ سوى منذ شهرين".

وأمام محمد، كان أحد الميكانيكيين يعبث تحت غطاء محرك إحدى سيارات الهامفي التي تم سحبها إلى إحدى ورش التصليح الجديدة، بينما اهتم رجلٌ آخر بمحاولة إصلاح إحدى الإطارات المثقوبة. وخارج المدينة، اصطفت تسع مركبات سوداء مطموسة المعالم خارج إحدى محطات الشاحنات. وكان أحد فنيي الجيش العراقي يتجول بينها، يحاول البحث عن أية قطع سليمة يمكن له استخدامها.

وقال الفني "لا يوجد الكثير من القطع". ثم بدأ في الحديث عن قتلى الجيش العراقي نتيجة تدمير هذه المركبات قائلاً "خسرنا اثنين من الجنود في هذه العربة، وثلاثة في هذه"، مشيراً أثناء حديثه إلى الحطام المتناثر الذي طُمِسَت معالمه تقريباً.

وقف اثنين من كبار الضباط بالقرب من الحطام، يرتديان زياً عسكرياً شديد النظافة، وطلب أحدهما من المراسل قائلاً "لا تأخذ صوراً كثيرة للحطام والخسائر. نفضل ألا يرى الناس ذلك".

وفي السياق نفسه، رفض المسؤولون العراقيون توفير أية معلومات عن خسائر الجيش العراقي بالمعركة، وأعربوا عن عدم راحتهم تجاه أي شيء من شأنه أن يعطي مقاتلي التنظيم دفعةً معنوية، أو يظهر خسائر الجيش.

وقال الرائد رافض إسماعيل، الضابط بقوات المشاة بالجيش العراقي في مدينة أربيل القريبة "سنتمكن من تحقيق النصر في النهاية، سنفعل ذلك بطريقتنا الخاصة. لا تنس، نحن نقاتل الشيطان نفسه هنا".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.