في ظل تراجع المعارضة وخيارات ترامب.. سياسة الولايات المتحدة في سوريا على مفترق طرق

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
shutterstock

أدت الخسائر الجسيمة لقوات المعارضة في سوريا إلى خلط الحسابات السياسية للولايات المتحدة، في لحظة حرجة من الحرب طويلة الأمد الدائرة في هذا البلد العربي.

ويأت ذلك في ظل انتخاب دونالد ترامب، الذي سبق أن أشار إلى إمكانية حدوث تحول دراماتيكي في سياسات بلاده الخارجية، بعد توليه السلطة في يناير/كانون الثاني القادم 2017.

وضع ترامب، الذي لم يوضح خططه بخصوص سوريا خطوطاً عريضة لخروج محتمل عن نهج إدارة أوباما، التي سبق أن زودت بكميات محدودة من الأسلحة وتمويل المعارضة المسلحة التي تحاول الإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد، التي قاتلت أيضاً على فترات تنظيم داعش.


مع الرابح


ومنحت المكاسب الأخيرة لقوات الأسد المدعومة من روسيا زخماً للنداءات التي يطلقها بعض مستشاري ترامب المقربون، بالإضافة إلى غيرهم من الاستراتيجيين الأميركيين، لخفض دعم المعارضة السورية.

ويعتقد البعض أن الحرب لإسقاط الأسد قد خسرت بالفعل، وأن على الولايات المتحدة أن تتحالف مع روسيا، وربما الحكومة السورية أيضاً، في هجوم شامل على من يعتبرونهم "متطرفين"، في إشارة إلى تنظيمي داعش وجبهة النصرة.

رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش، وهو مستشار مقرب من ترامب قال "أرني استراتيجية الآن للتخلص من الأسد"، مشيراً إلى عدم وجود أي استراتيجية من هذا القبيل، وأضاف "الروس معه والإيرانيون معه، ولا يوجد أي تحالف للقوى يهزمه في المنطقة. لذلك الأمر يبدأ من الواقع".

وفي مقابلة مع وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت غيتس، الذي التقى أيضاً مع ترامب، قال غيتس إنه من غير المرجح أن يدعم الأميركيون هذا النوع من الالتزام العسكري اللازم للإطاحة بالأسد، مضيفاً: "أعتقد أن علينا البدء بأن نكون واقعيين، الأسد سوف يبقى في السلطة، والروس ملتزمون بذلك".

في غضون ذلك، واصلت قوات النظام، المدعومة من روسيا وإيران وحلفائها من الميليشيات الشيعية، التقدم داخل الأحياء التي تسيطر عليها قوات المعارضة في شرقي حلب، والتي تُعدّ ساحة حرب محورية، منذ تحقيق القوات الحكومية لمكاسب هامة بدأت قبل أسبوع.

ويتحكم النظام الآن فيما يقرب من نصف أحياء مدينة حلب التي كانت تحت سيطرة قوات المعارضة، وهي الخطوة التي قد تجبر المعارضة على الانسحاب من عدد من الأحياء.

وروى السكان عن قصف مكثف مستمر على مناطق مدنية، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى في الأيام الأخيرة.


إدارة ترامب


وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ​​الأسبوع الماضي أنه يُجري تنسيقاً مع ترامب بشأن السياسة في سوريا. إذ تحدث الرئيس الروسي مرتين للرئيس الأميركي المنتخب، إلا أن المسؤولين في إدارة أوباما يشككون في قدرة ترامب على بناء أي تحالف جاد مع بوتين في سوريا.

ويقول مسؤولون، حاليون وسابقون، في إدارة أوباما، إنهم سعوا لسنوات للتنسيق مع موسكو لإيجاد وسائل سلمية لإنهاء الحرب، ولكن روسيا استخدمت الدبلوماسية مراراً كغطاء لدعم الأسد ودفع هجوم عسكري، على حد قولهم.

جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، قال في مقابلة مع "بي بي سي" الأسبوع الماضي: "أعتقد أنهم انسحبوا من هذه المفاوضات باعتبارها وسيلة لمواصلة خنق حلب وتركيع المواطنين فيها".

فيما تزيد إيران الأمور تعقيداً بالنسبة لترامب، إذ إنها جزء لا يتجزأ من الحلف الروسي-السوري، ولكن ينظر إليها فريق الرئيس المنتخب باعتبارها خصماً خطيراً. فقد تعهد ترامب بإعادة صياغة اتفاقية إيران النووية التي دخلت حيز التنفيذ العام الجاري 2016.

ومن المنتظر أن يكشف اختيار ترامب لأعضاء إدارته، طبيعة التحول في نهج الولايات المتحدة تجاه العديد من القضايا، فقد اختار الفريق المتقاعد مايكل فلين مستشاراً للأمن القومي، واختار الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس وزيراً للدفاع.

وينتقد كلاهما سياسة إدارة أوباما في سوريا، قائلين إنه قيّد الهجوم الأميركي على داعش. ودعا الجنرال ماتيس إلى قرار من الكونغرس يجيز استخدام القوات الأميركية إذا لزم الأمر.

كما شكك الجنرال ماتيس لفترة طويلة في أسلوب إدارة أوباما في دعم بعض قوات المعارضة السورية ضد الأسد.

ومع ذلك، ندَّد الجنرال ماتيس أيضاً بتوغل روسيا عام 2014 في أوكرانيا، داعياً إلى تقديم المزيد من الأسلحة لكييف، واتخاذ موقف أكثر صرامة من الذي اتخذته منظمة حلف شمال الأطلسي.

وقد يلقي اختيار ترامب لمنصب وزير الخارجية مزيداً من الضوء على خيارات أميركا الاستراتيجية.


تفاهمات وتحالفات


وحتى إن قلصت الولايات المتحدة دعم قوات المعارضة في سوريا، يرى العديد من المسؤولين في الإدارة أنه لن ينتهي الدعم المقدم من دول مثل المملكة العربية السعودية وقطر. فقد تورطت هذه الدول السنية في حرب إقليمية بالوكالة مع نظام الأسد وإيران ذات الغالبية الشيعة.

وربما تستطيع الولايات المتحدة أن تزيد من تحييد هذه الدول، عن طريق التنسيق أكثر مع روسيا في سوريا.

وعلى الرغم من تزايد احتمالات سقوط حلب من جراء الهجوم الذي يشنه النظام المدعوم من روسيا وإيران، أوضح وزير الخارجية جون كيري الجمعة 2 ديسمبر/كانون الأول 2016، أن الطريق الدبلوماسي لن يتغير كثيراً عن جهود إدارة أوباما، المستمرة منذ فترة طويلة، لإقناع كل من روسيا وسوريا بالموافقة على المفاوضات.

والتقى كيري الجمعة مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في روما مؤخرا؛ لبحث كيفية معالجة الوضع الإنساني في حلب، بما يسمح للنظام والمعارضة السورية بالاجتماع لإجراء محادثات.

ومع ذلك، يعترف المسؤولون الأميركيون أنه من غير المرجح أن توافق روسيا على اتفاق مع إدارة أوباما في الأسابيع المتبقية لها في السلطة.

في الوقت نفسه، تريد الولايات المتحدة وضع الأمور في نصابها في محاولة لاستعادة السيطرة على مدينة الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش.

ووصف الأسد ترامب بأنه "حليف طبيعي" ضد الإرهاب، في مقابلة مع التلفزيون البرتغالي الرسمي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، لكنه قال أيضاً إن خطاب الحملة لا يمكن ترجمته قبل أن يصير النهج الجديد للولايات المتحدة.

وقد علقت قوات المعارضة ضد الأسد محذرة من تصريحات ترامب، قائلة إن الشحنات العسكرية الأميركية لا تمثل سوى جزء صغير من المساعدات، ولكنها مهمة في المعارك ضد كل من الأسد وتنظيم داعش.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أصدرت لجنة المفاوضات العليا، التي تمثل المعارضة السورية في محادثات السلام الدولية، رسالة مفتوحة إلى ترامب هنأته على انتخابه، معربةً عن أملها في العمل معه على إيجاد طريقة لحماية المدنيين، والعثور على السلام و"إنهاء الدكتاتورية البغيضة".

وفيما تتنافس المؤشرات المختلفة حول التكهن بسياسة ترامب تجاه سوريا، يبقى الأمر المؤكد أن موقف الولايات المتحدة من المعارك المشتعلة هناك منذ 6 سنوات هو بالفعل على مفترق طرق.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.