ماذا حدث بعدما استضاف فرنسيان لاجئين سودانيين في بيتهما؟

تم النشر: تم التحديث:
8
8

تعيش "تالي دوماسنيل" وزوجها بالقرب من الحديقة العامة في مدينة لافسنوا الواقعة شمال فرنسا. خلال شهر حزيران/يونيو الماضي، استقبل الزوجان لاجئين سودانيين طردا مؤخراً من مخيم "كاليه"، وقد قرر الزوجان التكفل بكل ما يحتاجه هذان اللاجئان.

تالي منخرطة في جمعية ثقافية تدعى "منزل الماء" وتستقبل هذه الجمعية فنانين داخل مقرها الرسمي. وشاءت الأقدار أنها قابلت العام الماضي الفنانة التشكيلية البولونية، كارولينا برزوزان، في زيارة للجمعية لتقدم عملاً يتحدث عن أوضاع المهاجرين خصوصاً الذين يقطنون في مخيم كاليه، وفقاً لما ذكرت صحيفة nouvelobs الفرنسية.

وبفضل أعمال كارولينا التوعوية، قررت تالي وزوجها استقبال بعض اللاجئين في منزلهما، فتقدما بطلب لبعض الجمعيات التي تهتم بهذا الموضوع، إلا أن طلبهما قوبل بالرفض نظراً للموقع النائي الذي يوجد فيه منزلهما، حيث إنهما يعيشان في منطقة ليس فيها عدد كبير من السكان.

وقالت تالي: "في أوائل شهر حزيران/يونيو، فاجأني زوجي عندما أخبرني باتجاه لاجئين سودانيين نحو منزلنا طالبين السكن والكفالة، لم أتردد لثانية واحدة وفتحت لهما الباب مباشرة".


البداية من كاليه


وصل كل من محمد، البالغ من العمر 26 سنة وأمجد، البالغ من العمر 30 سنة، إلى منزل عائلة دوماسنيل في أول أيام رمضان. كلاهما من السودان وقد قضيا قرابة 3 أسابيع في مخيم كاليه. في البداية كانا لا يعرفان بعضهما البعض لكن مع مرور الوقت وجدا نفسيهما في نفس الرحلة ويعبران نفس الطريق.

وعن هذا اللقاء الأول مع اللاجئين قالت تالي: "في أول ليلة، أتذكر جيداً أنهما لم يتحدثا كثيرًا، لكني اكتفيت باصطحابهما إلى غرفتهما وأنا أعلم جيداً أنهما يحتاجان لبعض الوقت كي يتعوّدا على الأجواء الجديدة في البيت. والشيء الوحيد الذي طلباه مني هو فرشاة ومعجون أسنان".

كما أضافت: "في أحد الأيام، اصطحبتهما معي إلى السوق حيث اكتشفت أن أكثر مخاوفهما تتمثل في عدم وجود نوعية أكل معتادين عليها، ما يدفعهما لشراء المواد الأساسية".

وأدركت تالي أنهما يبحثان عن طعام خاص، فقد كانت تعتقد في الأول أنهما يبحثان عن العدس فقط، لكن تبين لها في ما بعد أنهما يحبان أكل العدس المطبوخ لأنه أحد أشهر الأطباق في بلادهم، وهكذا أيقنت أنهما لم ينسيا وطنهما.

ونجحت تالي في التواصل مع الرجلين بالرغم من صعوبة ذلك، حيث لا يتكلم كل من محمد وأمجد اللغة الفرنسية ويتقنان فقط القليل من الإنكليزية، لكنهما نجحا في الأخير في التواصل من خلال الاعتماد على تعابير الوجه.

ومع مرور الوقت، بدأ الرجلان يندمجان في محيط العائلة، حيث أصبحت تالي تسمع تلك الأسئلة المتواترة كثيراً في المنازل على غرار "من سيطبخ لنا اليوم؟"، و"ماذا ستطبخين لنا؟"، وأصبح كل منهما يريد المساعدة في الأشغال المنزلية اليومية.

وتحدث الشابان لاحقاً لتالي عن قصتهما وعن مشاكل توفير الغذاء والملجأ المريح والماء الصالح للشراب، كما تحدثا عن أجواء الحرب في دارفور، حيث استطاع محمد أن يهرب من الميليشيات التي تقتل المدنيين، أما أمجد فقد تم سجنه واضطهاده.


تطلعات الرجلين


في أحد الأيام، أرادت تالي وزوجها معرفة تطلعات الرجلين، بهدف معرفة ما يرغبان في تحقيقه في المستقبل، ليتضح أن الشابين يريدان البقاء في فرنسا ويطمحان لتعلم اللغة الفرنسية وبسرعة.

لمحمد وأمجد القليل من الدراية باللغة الفرنسية، حيث أنهما لم يحصلا أبداً على دروس في اللغة الفرنسية. وقد سألت تالي أمجد عن سبب عدم تلقيه دروساً في اللغة الفرنسية عندما كان في مخيم كاليه فأجابها قائلاً: "العيش في مخيم داخل غابة يعني أن تقضي ساعات طويلة منتظراً دورك في الصف لتأكل أو لتغتسل وبذلك لن تهتم بتعلم اللغة الفرنسية".

لحسن الحظ، قامت منظمة "مو إي مارفاي" بمساعدة اللاجئين في مخيم كاليه على تعلم أسس القراءة والكتابة، أما الآن فيشارك كل من محمد وأمجد في دروس لتعلم اللغة الفرنسية بمعدل يومين في الأسبوع، وبدأ الاثنان في التمكّن تدريجياً من هذه اللغة.

وعن وقوفها إلى جانب اللاجئين السودانيين قالت تالي: "لقد بدأنا في رحلة البحث عن منزل أفضل للاجئين، واتصلنا بإحدى الجمعيات الخيرية التي بدورها أكدت لنا استعداد أحد الزوجين إعارة كل من محمد وأمجد منزلاً لمدة سنة كاملة وبالمجان. أما بالنسبة للأمور الإدارية فقد حققنا نجاحاً باهراً، حيث أسسنا جمعية للتضامن مع اللاجئين والمهاجرين التي أصبحت في ما بعد أكثر ديناميكية بعد أن مكّنت أمجد ومحمد من منزل جديد لا يبعد كثيراً عن منزلي، ما جعلني أزورهما باستمرار".

لقي قدوم المهاجرين إلى المدينة استحسان رئيس البلدية، رغم أنه لم ينكر وجود مخاوف بعض الناس من المهاجرين، ولم تكن عائلة دوماسنيل لتنجح في مساعدة هذين السودانيين لولا تكاتف جهود بعض المواطنين.

ومن خلال هذه الحادثة تأكدت تالي أن أغلب الفرنسيين حساسون جداً في ما يتعلق بمسألة المهاجرين ما يدفع بالكثير منهم إلى تقديم يد المساعدة، وما تنقل محمد وأمجد للسكن في منزل خاص إلا دليل على النجاح في إزالة الحواجز من أمام المهاجرين من خلال تحفيزهم على الاندماج بسرعة عن طريق تعلم الفرنسية وتمكينهم من سكن لائق.

وتقول تالي: "أتمنى أن نكون منفتحين أكثر على قضية اللاجئين والمهاجرين لكي يكون هناك تواصل مباشر بين المهاجر والشعب الفرنسي ولنؤسس روابط قوية معهم في المستقبل لكي نعيش جنباً إلى جنب".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة nouvelobs الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.