أطاح بالجميع.. القانون المصري الجديد يستهدف 20 جمعية أهلية ويغلق المجتمع المدني بضربةٍ واحدة

تم النشر: تم التحديث:
FD
sm

على مقربة من محطة مترو أنفاق حلمية الزيتون، تقع جمعية "نور الهدى لرعاية الأيتام". نحو 20 فتاة أمام جهاز التلفاز يتابعن بانفعال مشاجرة ضيفين في برنامج حواري، حول مواد قانون الجمعيات الأهلية الجديد. قال أحد المتصلين بالبرنامج إن "الجمعيات هاتقفل بسبب هذا القانون".

تسمرت الفتيات أمام الشاشة، وجالت في خاطرهن تساؤلات عن مصيرهن بعد تنفيذ القانون الذي لا ينتظر سوى توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي على نصوصه ونشرها في الجريدة الرسمية إيذاناً ببدء التنفيذ.

جمعية نور الهدي يقتصر نشاطها على شقة صغيرة تستضيف فيها البنات اليتيمات، وتنفق عليهن من حصيلة التبرعات التي تأتي للجمعية من أهالي المنطقة، فضلاً عن إعانة مالية من وزارة التضامن الاجتماعي. عاشت الجمعية القلق الذي دق أبواب باقي الجمعيات الأهلية في مصر بعد إقرار مجلس النواب منذ أيام قانوناً جديداً لتنظيم العمل الأهلي، والتي وصل عددها حسب وزارة التضامن الاجتماعي إلى 48 ألفاً و500 جمعية أهلية، غالبيتها اعترضت على القانون الجديد بما فيها تلك التي على علاقة جيدة مع الدولة، كمؤسسة معاً التي أسسها الفنان محمد صبحي بعد ثورة يناير وتشارك الدولة في ملف تطوير العشوائيات، صبحي بعد إقرار القانون أعلن بدء إجراء حله للجمعية اعتراضاً على مواد القانون.


لماذا تخاف الجمعيات القانون الجديد؟


سناء علي، المشرفة على جمعية "نور الهدى لرعاية الأيتام" لم تطلع على القانون، رغم ذلك أعربت عن قلقها الشديد من المستقبل القريب. "وفقاً لما فهمته من النقاشات حوله في الفضائيات، قد أتعرض أنا وصاحبة الدار للسجن إذا حصلنا على تبرعات قبل أن توافق عليها وزارة التضامن، ولو نقلنا للشقة المقابلة لنا بسبب وجود عدد أكبر من النزيلات سنتعرض للسجن أيضاً". أضافت لـ "هافنتون بوست عربي" أنه "إذا جاء أحد التجار بالمنطقة وأعطانا تبرعاً بـ 10 آلاف جنيه (500 دولار) سنتعرض للسجن أيضاً".


ماذا قال القانون عن التبرع؟


وفقاً للقانون السابق للجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة 2002، يسمح للجمعية الأهلية بعد موافقة وزارة التضامن بتلقي التبرعات من الأشخاص الطبيعيين، مصريين كانوا أو أجانب أياً كان طبيعة المال المتبرع به بشرط أن تصدر الوزارة والمكاتب التابعة لها تصريحاً للجمعية يتضمن الموافقة على جمع التبرعات والمدة والنطاق الجغرافي المصرح بهما. شرط آخر: أن تتقدم الجمعية بدفاتر الإيصالات التي تجمع بموجبها المال من المتبرعين للوزارة لختمها بخاتمها.

وعند انتهاء مدة الترخيص بجمع التبرعات التي عادة ما تكون سنة، تلتزم الجمعية بتقديم دفاتر الإيصالات المتبقية للجهة الإدارية المختصة ليجرى إعدامها بحضور ممثل الجمعية والجهة الإدارية المختصة في نهاية كل عام ومراجعة الأموال التي حصلت عليها الجمعية من التبرعات وأوجه إنفاقها.

القانون الجديد الذي أقره البرلمان 29 نوفمبر الماضي أضاف اشتراطات جديدة، منها حظر قبول الجمعيات الأهلية أموالاً نقدية تزيد قيمتها على عشرة آلاف جنيه إلا بموجب شيك بنكي، والحصول على موافقة الجهة الإدارية قبل جمع التبرعات بثلاثين يوم عمل، ورتب القانون عقوبات على مخالفة الشروط الجديدة تصل إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تبدأ من 50 ألف جنيه وحتى مليون جنيه.


من صاحب فكرة القانون وما هي أهدافه؟


سناء علي ستفكر ألف مرة وستقرأ مواد القانون الجديد، وستنتظر حتى تصدر لائحته التنفيذية لتحدد ما إذا كانت ستستمر في وظيفتها كمسؤولة عن إدارة دار الأيتام، أم ستعتذر لصاحبة الدار وتعود لرعاية أطفالها خوفاً من الملاحقات وربما السجن.

وهو بالضبط ما توصلت إليه منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي اعتبرت أن القانون سيدمر المجتمع المدني في البلاد لأجيال، وسيحوله إلى ألعوبة في يد الحكومة

عبد الهادي القصبي رئيس لجنة التضامن بالبرلمان وعضو المكتب السياسي لائتلاف دعم مصر المحسوب على الحكومة داخل البرلمان، هو من قدم المقترح الأصلي للقانون، وحدد فلسفته في "حماية الأمن القومي المصري من التمويل الأجنبي المشبوه للمنظمات الحقوقية، التي حدد رؤيته لأنشطتها في خلق حالة من الفوضى فى البلاد على مدار الأعوام السابقة جراء مخططات تستهدف الوقيعة بين الجيش وشعبه والفتنة الطائفية وإشعال الحرائق، والفوضى لإلحاق مصر بمصير الدول المجاورة لها سواء سوريا أو ليبيا أو العراق أو اليمن أو غيرها".

إلا أن لجنة القصبي بمجلس النواب تجاهلت طرح القانون للنقاش المجتمعي واستطلاع رأي القائمين على العمل الأهلي والتطوعي، ومن بين 48500 جمعية مقيدة في سجلات وزارة التضامن لم يستمع البرلمان سوى لأصوات 8 جمعيات أهلية فقط، "بنك الطعام المصري، مؤسسة معاً لتطوير العشوائيات، الأورمان، مؤسسة مستشفى 57357، جمعية رسالة، مؤسسة مصر الخير، مؤسسة أهل مصر، مستشفى بهية"، كما كتبت هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة أهل مصر للتنمية، التي نشرت بعد إقرار القانون مجمل التعديلات التي تم إدخالها على القانون، وأبدت موافقتها عليه في ردودها على المتابعين لها.


مطالبات الرافضين لن تتحقق


الفنان محمد صبحي رئيس مؤسسة "معاً لتطوير العشوائيات" رفض القانون، وقال إنه سيتخذ إجراءات حل المؤسسة اعتراضاً على القانون بمجرد تصديق الرئيس السيسي عليه.

ويرى طارق خاطر رئيس جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان أن من كتبوا القانون بأيديهم لا يريدون منه سوى غلق أقل من 20 منظمة حقوقية تحاربها الدولة منذ 15 سنة، إلا أن فضح أهداف القانون وتفصيله لينطبق على أشخاص بعينهم جعل واضعيه لا يلتفتون إلى آثاره في انسحاب المتطوعين الذين كانوا يعوضون انسحاب الدولة من الخدمات وضعف برامج الحماية الاجتماعية في مصر.

تابعت سناء علي، مسئولة جمعية نور الهدى لرعاية الأيتام، ذلك الجدل الذي أعقب موافقة البرلمان على القانون، وعرفت أن هناك من يرفضون. عدد من نواب البرلمان ومنظمات دولية لحقوق الإنسان وما يزيد على 22 منظمة محلية و6 أحزاب سياسية، انضموا إلى من يطالبون الرئيس المصري بعدم التصديق على القانون، وإعادته للبرلمان مرة.

لكن المحامي الحقوقي طارق خاطر لا يتوقع الاستجابة لهذه المطالبات، "الانتقادات المحلية والدولية للقانون لن تساهم في إثناء السيسي عن التصديق عليه خلال أيام، فهدف القانون هو "تطفيش" العشرات الذين مازالوا يمارسون العمل الأهلي في مصر".


ما المحظور على الجمعيات في القانون الجديد؟


القانون الجديد عرف الشركات ومكاتب التدريب والمحاماة التي تمارس العمل الأهلي بالكيانات على غرار "الكيانات الإرهابية" وحظر على تلك الكيانات "العمل في مجال أو ممارسة نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب أو النقابات المهنية أو العمالية أو ذي طابع سياسي أو يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة" دون أن يحدد النشاط المحظور ممارسته على وجه الدقة وهو ما يعرض جميع المحامين والباحثين المشتغلين في قضايا المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين للسجن، فألزم القانون بوضوح في مادته رقم 14 الجمعيات والمؤسسات الأهلية بـ"تنمية المجتمع وفقاً لخطة الدولة واحتياجاتها التنموية وأولوياتها" رغم أن الدستور في مادته رقم 75 ألزم بممارسة الجمعيات لنشاطها بحرية وحظر تدخل الجهة الإدارية في شؤونها.

النص الدستوري لم يمنع القانون أيضاً من حظ إجراء الجمعيات والمؤسسات الأهلية استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها، فاشترط القانون على الجمعيات تنفيذ خطة الحكومة من ناحية وعرض استطلاعات الرأي التي يجريها على الحكومة، ووفقاً للمادة 88 منه "يعاقب بالحبس الذي لا تزيد مدته عن سنة، أو بالغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد عن خمسمائة ألف جنيه كل من.. كل من أجرى أو شارك في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل الأهلي دون الحصول على موافقات الجهات المعنية قبل إجرائها".


ما هي أخطر مواد القانون؟


وتعد أخطر مواد قانون الجمعيات الأهلية على الإطلاق هي المادة 70 التي تنص على تشكيل "جهاز قومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية" الذي يعين رئيس الجهورية الأمين العام له موظف بدرجة وزير، ويضم في عضويته ممثلين عن وزارات" الخارجية- الدفاع- العدل - الداخلية- التعاون الدولي- التضامن الاجتماعي" إضافة إلى ممثلين عن "المخابرات العامة - البنك المركزي - هيئة الرقابة الإدارية" وحدد القانون لهذا الجهاز 43 اختصاصاً للبت في كل ما يتعلق بعمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية في مصر وجميع صور تعاونها مع المؤسسات والجهات الحكومية وغير الحكومية، والتمويل المرتبط بعملها.


هل الطعن على القانون هو الحل؟


رغم أن قانون الجمعيات الأهلية الذي أقره البرلمان مازال في طور المشروع وينتظر توقيع رئيس الجمهورية عليه ليدخل حيز التنفيذ وللرئيس وفقاً للمادة 123 من الدستور أن يعترض على إصداره ويعيده إلى مجلس النواب من جديد، إلا أن عدداً من المنظمات الحقوقية أعلنت عزمها الطعن في دستورية القانون أمام المحكمة الدستورية العليا.

وقال أيمن عقيل رئيس مؤسسة للسلام والتنمية وحقوق الإنسان إذا صدر القانون وطبقت نصوصه فسنلجأ إلى القضاء الإداري للطعن عليه لمخالفته للدستور، وهو ما يمهد لعرضه على المحكمة الدستورية العليا.

سناء علي ونزيلات دار نور الهدي لليتيمات لا يعرفن كثيراً عن جدل التفاصيل القانونية الكثيرة التي تحيط بصدور القانون، ولا عما يتوعد مستقبل العمل المدني في مصر بعد تصديق الرئيس وصدور اللائحة التنفيذية، لكن القلق يسكن الدار منذ سهرن أمام برنامج التوك شو. من وقتها تقل الابتسامات، وتزداد الأسئلة، وتستعد سناء لتكييف مستقبلها في مجال آخر، لا علاقة له بالعمل المدني الذي يغلقه القانون بضربة واحدة.