هذا هو البلد الأوروبي الذي يستمتع بمذاق مميز للحزن.. فما السر وراء ذلك؟

تم النشر: تم التحديث:
7
7

بالنسبة لشخص أميركي غُرِست فيّ فكرة أهمية أن يكون المرء سعيداً أو أن يتظاهر بذلك على الأقل، مهما كان الثمن. ولعل هذه هي الروح التي يجسّدها رمز الوجه المُبتسم التعبيري، الذي يقال إنه ظهر لأول مرّة في الولايات المُتحدة الأميركية عام 1963، ويجسد العبارات الخاوية مثل "احظَ بيوم لطيفٍ!".

ولكن، وبحسب ما كتب إيرك وينر في مقال له بموقع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، في البرتغال؛ لا أحد يقول لك "احظَ بيومٍ لطيفٍ!"، لن يهتم أحد على نحو خاص إن كنت تحظى بيومٍ لطيفٍ، ربما لأنهم هم أيضاً لا ينالون يوماً جيداً، فإذا سألت شخصاً برتغالياً كيف حاله، فإن أكثر ردٍّ مُتحمّسٍ بإمكانك أن تتوقعه حينئذٍ سيكون "mais ou menos" الذي يعني: ليس جيداً وليس سيئاً.


ثقافة البرتغال


فثقافة البرتغال المُتعلّقة بالحزن يصعب تفويتها، حيث تراها محفورة بالتعبيرات الكئيبة للناس، فهي ليست تايلاند التي تُعرف بأنها أرض الابتسامات، حتى أنك ترى تلك الثقافة أيضاً في التماثيل الموضوعة بالميادين العمرانية العامة للعاصمة لشبونة، ففي مُعظم البلدان؛ تجد أن الرجال الذين يُكرمّون في مثل هذه الأماكن (ومُعظمهم من الرجال دائماً) من مفتولي العضلات، ولكن من يُكرَّمون في البُرتغال على هذا النحو هم شُعراء ذوي مزاج مضطرب.

نعم.. البرتغال أرض حزينة، وتحتل المركز رقم 93 من 157 دولة (تلي لبنان في القائمة) وفق تقرير السعادة العالمي الأخير، والبرتغاليون قانعون بسخطهم، وبطريقة غريبة وبرّاقة في الوقت نفسه، يستمتعون بذلك.

ويسهل افتراض أن البرتغاليين مُحبون للخضوع، ولكن؛ إذا قضيت بعض الوقت هناك، ستدرك بسرعة أن البرتغاليين لديهم الكثير ليعلّمونا إياه عن الجمال الخفي والبهجة والحزن.

5

فهذا "الحزن المُفعم بالسعادة" للبرتغال يُصاغ في كلمة واحدة هُناك: "saudade- ساوداد"، ولا توجد لغة أُخرى لديها كلمة مماثلة تماماً لهذه، فهي كلمة غير قابلة للترجمة بكلمة واحدة، هكذا يُؤكد لك كل شخص بُرتغالي قبل أن تشرع في الترجمة.

ويعد هذا الحزن المُفعم بالسعادة أو "الساوداد" توقاً وحنيناً، لوعة لشخص أو مكان أو تجربة جلبت ذات مرّة سعادة طاغية، فيُشبه معناه الحنين للماضي، ولكنه على العكس من ذلك؛ قد يشعر الإنسان به تجاه شيء لم يحدث أبداً، ومن المُرجّح أنه لن يحدث أبداً.

وفي قلب هذا الـ"ساوداد" يكمن شعور بالسأم من الغياب، والخسارة؛ فيكتب عنه الباحث أبري بيل في كتابه "في البرتغال" أنه: "رغبة غامضة ومُستمرّة في شيء.. غير الموجود".

ومن الممكن أن تشعر بهذا الساوداد من لا شيء، حيث قال الناشر جوزيه براتا ذات لقاء للغداء مع كاتب المقال إريك واينر، في سوق "كاي وسودري" الصاخب بمدينة لشبونة "بإمكانك حتى أن تشعر بالساوداد من أجل دجاجة"، ولكن "عليها أن تكون الدجاجة المناسبة".

والذي يجعل الساوداد مقبولاً؛ بل إنه حتى يُعد أمراً ساراً هو "أنه شعورٌ قابلٌ جداً للمشاركة" حسبما يشرح براتا، الذي أضاف قائلاً: "أنا أدعوك لمشاركة طاولة حزني". ففي البرتغال، يعد هذا الشعور طاولة كبيرة في غرفة للجميع، وفي الحقيقة؛ بدأ طاهٍ برتغالي خط إنتاج شوكولاتة سماها "ساوداد".. وبطبيعة الحال فإن مذاقها مر وحلو.


شص مثالي لشرح حزن البرتغاليين


وذات يوم؛ بينما كان كاتب المقال يحتسي قهوةً في ساحة لارغو دي كاموس وسط لشبونة، التقى بمارينا ميراندا، المتخصصة بعلم النفس السريري، وأدرك حينها أنها الشخص المثالي ليشرح حزن البرتغال السعيد.

فهي ترى أن الحزن جزءٌ هام من الحياة، وقالت إنها ليس بمقدورها أن تفهم لماذا على أي شخص أن يتجنّبه.

2

"أريد أن أشعر بكل شيء بكل الطرق المُمكنة؛ فلماذا أرسم لوحة بلونٍ واحد؟"، فبتجاهل الحزن مهما كان الثمن؛ نحن نقلِّص أنفسنا، وأضافت قائلة: "إن هناك الكثير فعلاً من الجمال في الحزن".

وفي يوم آخر؛ التقى واينر بمفتش شرطة لطيف اسمه روميو، والذي كان صديقاً لأحد أصدقاء واينر، ولدى روميو أيامٌ سعيدة وأيام حزينة، ويستقبل كليهما بحفاوة. وفي الحقيقة؛ عند الالتقاء بشخص برتغالي غير سعيد؛ فإن أسوأ شيء بإمكانك فعله هو أن تُرفع من معنوياته، حسبما يقول.

وقال: "أنت حزينٌ؛ وترغب في أن تكون حزيناً، كأن تكون في مكتب والناس يحاولون إبهاجك، وأنت تقول: لا تجعلني مُبتهجاً. فاليوم هو يوم حُزني الممتع".

وقد رجّحت دراسات عديدة أن البرتغاليين على شيء من الصواب في شأنهم هذا؛ فقد توصّلت دراسة نُشِرت عام 2008، في صحيفة الطب النفسي التجريبي، إلى أن الحزن يحسّن من ذاكرتنا، ففي اليوم الغائم الممطر، يتذكر الناس تفاصيل الأشياء التي رأوها في متجرٍ، أكثر مما يفعلون في الأيام المُشمسة المُشرقة، بحسب عالم النفس الأسترالي وقائد الفريق البحثي القائم بالدراسة، جوزيف فورجاس.

وأشارت دراسة أُخرى نشرتها الصحيفة نفسها إلى أن الحزن يحسّن من الحكم على الأشياء، فقد طُلِب من المُشاركين بالدراسة مُشاهدة مقاطع مُصوّرة لأشخاص مُتهمين بالسرقة وتحديد الكاذبين بينهم، وتمكّن المُشاركون الذين يبدون مشاعر سلبية من التعرّف بوضوح أكثر على المخادعين بين المُشتبه فيهم.

حتى الموسيقى الحزينة لها فوائد أيضاً؛ فقد أجرى باحثون من جامعة برلين الحرّة استبياناً شمل 772 شخصاً حول العالم، وتوصلوا إلى أن الموسيقى الحزينة "بإمكانها في الحقيقة أن تؤدي إلى تأثيرات عاطفية مفيدة"، بحسب الدراسة التي نشرتها مجلة Plos One.


دور الموسيقى الحزينة


ويعتقد الباحثان ستيفن كيلش وليلا تاروفي أن الموسيقى الحزينة تفعل ذلك؛ بتمكين الناس من "تنظيم" أمزجتهم السلبية؛ فالموسيقى الحزينة أيضاُ تُطلق الخيال وتثير "مجموعة واسعة من المشاعر المعقدة والإيجابية إلى حد ما" بحسب ما انتهت إليه دراستهم، ومن المثير للاهتمام أن الفوائد الإيجابية للموسيقى الحزينة قد تواجدت على نحو مُختلف بين ثقافات مُختلفة.

وبالنسبة للأوروبيين وسكان أميركا الشمالية؛ يعد أقوى شعور يشمله الحزن هو الحنين للماضي، في حين أقوى ما يملكه الحزن من الشعور بحسب الآسيويين هو السكينة.

وليس ثمة من يقدم موسيقى حزينة أكثر من البرتغاليين، وبشكل خاص؛ فإن موسيقى فادو تعد بمثابة حزن على لحن، وتعني كلمة "فادو" حرفياً: القدر أو المصير، وفي ذلك يكمن جمالها الحزين، فنحن محتومٌ علينا قبول قدرنا، حتى وإن كان قاسياً، بل (خاصةً) إن كان قاسياً.

1

وترجع جذور هذا النمط الموسيقي إلى الأحياء الفقيرة وأحياء الطبقة العاملة في لشبونة قبل قرابة قرنين من الزمان، وكان أول مغنّي الفادو أو من يُطلق عليهم "فادوستاس" بالبرتغالية من العاملين بالدعارة، وزوجات الصيادين الذين قد يعودون من البحر وقد لا يعودون، وبتعبير آخر؛ كان أول من غنّى موسيقى الفادو هم أشخاص ترتبط أسماؤهم الأولى بالمعاناة.

واليوم؛ صارت موسيقى الفادو بمثابة صوت الحياة في البرتغال. فأنت تسمعها.. تشعر بها.. في كل مكان؛ في الراديو، في قاعات الاحتفالات، والأهم من ذلك كله؛ في عشرات دور موسيقى الفادو بأنحاء لشبونة، وذات ليلة؛ ذهب وايتر إلى أحدهم، وهو مكان صغير للغاية يدعى دوق دا را، ويندس بعيداً في حي كيدو بالمدينة.

ولا يوجد شيء احترافي صارم في موسيقى الفادو؛ فالمغنون أغلبهم من الهواة؛ مثل ماركو أنريكي الذي يعمل مهندساً زراعياً بالنهار ويعمل بالحانة مساءً ليساعده ذلك على كسب عيشه.

ولدى بعض مطربي الفادو أصوات جميلة، أصوات ملائكية، كما يقول أنريكي، "في حين أن البعض الآخر ليس لديهم ذلك، فقد يكون لديك صوتٌ سيئ وتصير مغني فادو غظيم"، والسبب في ذلك بحسب قوله هو "أن موسيقى الفادو تأتي من القلب".


حزن وراحة


عندما استمع واينر إلى الموسيقى؛ شعر بمزيج غريب من الحزن والراحة. أما الحزن؛ فلأن الموسيقى كانت حزينة على نحو لا يمكن إنكاره، شأنها شأن كلمات الأغنية التي ترجمها له صديق برتغالي، وأما الراحة فلأنه شعر لوهلة بعدم الندم على الانسحاق أو بإنكار الحزن، فقال: "موسيقى الفادو تأذن لي بتكريم الجانب المُظلم في نفسي".

ويقول واينر: "بعد بضعة أيام، في البلدة الساحلية إستوريل، التي تبعد نحو 30 كليومتراً جنوب غرب لشبونة، التقيت كوكا روسيتا، وهي مُغنية شعبية لموسيقى الفادو وتعد واحدة من القليلين الذين يتمكنون من كسب عيشهم من الموسيقى، وتستعد كوكا لكل عرض بدقيقة من الصمت، كنوع من الصلاة، "قبل تقديم نفسها"، فقالت إن "هذه موسيقى تمنح فيها نفسك، إنها منحة من مشاعرك وحميمية جداً".

وتمثل كوكا روسيتا جيلاً جديداً من مُغنّي موسيقى الفادو، فالألحان حزينة كما هو شأن موسيقى الفادو الكلاسيكية، في حين أن الكلمات مُتفائلة ببراعة. فهل هذه علامة على أن علاقة الحب البرتغالية مع "الحزن السعيد" بدأت في الزوال؟.. يقول واينر: "أنا يقيناً، لا آمل ذلك".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع شبكة BBC الإخبارية البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.