المصريون يتغيَّرون.. عائلاتٌ تتخلَّى عن المدرِّس الخصوصي وتقلِّل من المواصلات والترفيه بسبب الأزمة الاقتصادية

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTAINS
ASSOCIATED PRESS

هكذا تتكلم الشوارع في مصر.. تُخرج للعالم قصصاً تنافس أفلام السينما، وروايات الخيال، من إبداع بسطاء يتحايلون على المصاعب بضحكة تهوّن الصعب، أو مثل شعبي يضيء بحكمته طريقاً لحل مشاكل تنهال على رؤوسهم كل يوم، فيسخرون بنكتة يطلقونها ويغزلون بـ "رجل حمار" كما يقول المثل الشعبي.

"هافينغتون بوست عربي"، حاولت قراءة ملامح الغلاء في الشارع المصري لتوثيق ما تهمله البيانات الرسمية وتحليلات الخبراء التي تركز في رصد الظواهر على أرقام ليست من لحم ودم. إنها قصص المصريين اليومية في الشوارع، والتغييرات التي تطرأ على حياتهم، في مواجهة غلاء المعيشة، منها ما هو متوقع حدوثه ومنها ما هو مبتكر وغريب كعادة المصريين في "تحدي المنطق" أحياناً.

مواطنٌ فضل السير لعمله بدلاً من استقلال سيارة الأجرة، توفيراً لتكلفة المواصلات، ربة منزل أجبرت أطفالها على النوم بعد المغرب حفاظاً على فاتورة الكهرباء.. وأيضاً من باع سيارته ليتخلص من "هموم" البنزين، ومن حولها إلى كافيتريا متنقلة أمام المدارس.


بلوفر وبنطلون فقط لهذا الشتاء


"كنت أشتري أحسن بلوفر قبل حلول موسم الشتاء من محلات وسط البلد (القاهرة) بـ200 أو 300 جنيه منذ عام أو عامين، حالياً ارتفع سعر أي قطعة ملابس لـ1200 جنيه وأكثر رغم أن الخامة واحدة”.

أحمد حسن، الشاب الثلاثيني الموظف فى أحد البنوك المصرية أصبح زبوناً للباعة المتجولين بمنطقة العتبة في وسط القاهرة، بدلًا من المحلات الراقية للحصول على قطعة أو اثنتين من الملابس الشتوية رخيصة الثمن.

يتحدث أحمد لـ"هافينغتون بوست عربي"، وهو يفاوض البائع المتجول القرب من محطة مترو العتبة، "كما ترى معي 1500 جنيه وليس باستطاعتي شراء قميص وبنطلون وبلوفر من نوعية جيدة”.

اشترى أحمد قطعتين وهو يقول: بلوفر وبنطلون كفاية هذا العام.



البدلة المستعملة تحل المشكلة أحياناً ارتفعت جميع أسعار السلع في مصر عدة أضعاف خلال شهر واحد فقط، بعد قرار البنك المصري بتحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، ليصل سعر الدولار إلى نحو 18 جنيهاً في البنوك، ما أثر على الأسعار خاصة في ظل استيراد مصر لمعظم سلعها سواء الغذائية أو الملبوسات وغيرها.

"من يمتلك بدلة مستعملة، فليحافظ عليها. ومن لم يعرف أسعار الملابس، يفضل ألا يسأل عنها"، هكذا علق ساخراً أنور الهواري الصحفي المصري الذي أسس جريدة المصري اليوم، على صفحته بـ"فيسبوك"، ولا تنتهي التعليقات الساخرة للمصريين في هذا المقام.


على الأقدام أرخص من التوكتوك


يستيقظ فى الخامسة صباحاً، يرتدي ملابسه ويتناول وجبة الإفطار. وبعدها يتجه للسير لمسافة تمتد إلى 4 كيلومترات من منطقة بولاق الدكرور إلى الدقي، وسط مدينة الجيزة، ليوفر 8 جنيهات في اليوم ذهاباً وإياباً، لم يعد الراتب قادراً على ضخها في بند المواصلات.

هذا أحد الصباحات التي صارت عادية لمحمد إسماعيل، الموظف بوزارة الزراعة في الدقي بوسط القاهرة، وقد صار مجبراً على "السير" إلى العمل بعد أن كان قبل شهور قادراً على الانتقال بوسائل المواصلات.

محمد يقول بأنه يستمع إلى أفراد أسرته يطالبونه بزيادة المصاريف لمواجهة ارتفاع الأسعار، فهم "ليسوا مقتنعين أن الغلاء حل وأن المرتبات كما هي، بل ونقصت قيمتها".

أصبح الحل لزيادة مصروف البيت بضعة جنيهات، أن يتوقف الموظف الخمسيني، عن استخدام المواصلات. فقد كان يستقل التوكتوك من منزله حتى "موقف السيارات" بـ3 جنيهات، وبعدها يستقل "الميكروباص" بـجنيه واحد إلى مقر عمله، وكذلك في رحلة العودة للمنزل.

"الآن أصحو مبكراً ساعتين قبل موعدي المعتاد وأعود للمنزل متأخرًا ساعتين بعد انتهاء العمل لتوفير ثمن المواصلات لمستلزمات الأسرة” لكن هناك بنوداً أخرى كما يقول، لم يعد الراتب قادراً على الوفاء بها، ولا يقدر الجسد المنهك على ابتكار بدائل لها".


دروس خصوصية عائلية فقط


وإذا كانت المشاهد في الشوارع تضج بشكوى المتعبين والحالمين فإن البيوت لم تكن صامتة.

للبيوت مشاهدها التي تتداعى في مناورات يائسة لتقليص الإنفاق، بدءاً من الاقتصار على وجبة الفول الشهيرة للإفطار والعشاء، والتنويع عليها بخلطها بالبيض أحياناً لوجبة الغداء، بعدما صار تنوع الأطعمة على المائدة المصرية المتوسطة حلماً مستحيلاً وصارت اللحوم ضيفاً عزيزاً في الوجبات الاستثنائية.

مثلاً، في ظل تكدس الفصول الدراسية وضعف العملية التعليمية في المدارس المصرية تصبح الدروس الخصوصية التي يذهب فيها معلمون لتدريس الطلبة في المنازل أو يذهب الطلبة الى معلمين متميزين ذوي سمعة طيبة في المراكز المعدة لذلك أمراً واقعاً ومقبولاً من المصريين - وإن كان القانون يعتبرها جريمة.

الواقع الآن يقلص الحاجة لهذه الدروس بعدما صارت عبئاً على الميزانية الأسرية في مصر وبدأت عودة الأهالي إلى ممارسة دور المدرس الخصوصي ومتابعة التحصيل الدراسي لأبنائهم.

محي الدين أحمد، المدرس في منطقة الهرم بالجيزة، تحول إلى مدرس لأولاده بالمنزل، ليتخلص من ميزانية دروس خصوصية لأطفاله الثلاثة وصلت إلى 2000 جنيه شهرياً.

"أكثر من نصف راتبي أنا وزوجتى الموظفة كنا ننفقه على تلك الدروس الخاصة لأبنائي جنى، وأحمد، وابتسام"، يقول محي الدين المدرس بالمرحلة الثانوية، "لذا قررت أن أتحول إلى مدرس ابتدائي لأولادي وعندما يتخطون هذه المرحلة ، ربنا يحلها من عنده".

وربما كان تخصص محيي الدين في التعليم قد سهل عليه المهمة ، لكن آباء آخرين ليس عندهم خبرة التدريس، لم يجدوا حلاً إلا تقليل عدد الحصص، واضطر البعض للاستغناء عن الدروس الخصوصية لأبنائه تماماً، رغم تردي أوضاع التعليم في المدرسة، ليصبح الأولاد مهددين بالرسوب آخر العام.


من دون لحوم وحلوى ذلك أفضل جداً


"بلاها لحمة.. بلاها شبْكة"، شعارات أطلقها المصريون خلال الفترة الماضية، فكلما ارتفع سعر سلعة مهمة ظهرت دعوات على الفضائيات لمقاطعة هذه السلع الغالية كاللحوم والأرز والسكر ومواجهة غلاء المعيشة.

لكن مع ارتفاع أسعار لبن الأطفال والدواء لم تجد هذه الدعوات نفعا، ولن تجد من يستمع إليها، وكعادة المصريين انطلقت حملات أخرى ساخرة تواكب دعوات المقاطعة مثل ما كتبه أحد المواطنين على صفحته بـ"تويتر": "بلاها لحمة، وبلاها فراخ، وبلاها سمك، بلاها عدس، وبلاها أرز"، في إشارة إلى أن جميع السلع ارتفعت أسعارها ولم يعد المصري يجد ما يأكله بسعر معقول حالياً.

وتفاعل كثير من النشطاء مع أحد الهاشتاغات الداعية للمقاطعة بقولهم: "بلاها حلاوة المولد، وبلاها لحمة وملابس الشتاء، وأدوات مدرسة، وعلاج مرضى، وسكر، وزيت.. ما بلاها عيشة أحسن".


شاي وشيشة مع الأولاد في البيت


ولكن يبدو أن للغلاء وجهاً ايجابياً فقد يعيد الأزواج من دخان المقاهي إلى دفء البيوت.

مصطفى أبو المجد، يحكي عن تحوله النفسي والأسري بسبب الغلاء، يقول: "اشتريت شيشة "أرجيلة " مستعملة، وكيس فحم وبقيت أقعد مع زوجتي في البيت "أشيش" وأشرب الشاي والقهوة من يد زوجتي.. وبدأنا نقترب من بعض أكثر.. تحكي لي عن مشاكلها مع الجيران وأنا أحكي لها مشاكلي في الشغل، وبالمرة نونس العيال في البيت".

أما مصطفى محمد الذي اعتاد يومياً بعد عودته من العمل وتناول الغداء أن يرتاح قليلاً ثم ينزل للجلوس على المقهى مع رفاقه وجيرانه، الأمر الذي يكلفه يومياً 20 جنيهاً، فقد قرر توفير هذا المبلغ لمصاريف البيت التي زادت بعد ارتفاع الأسعار. ولم تعد الجنيهات العشرون كافية لمصروف المقهى ويتوقع أن تخلو المقاهي من روادها قريباً.

أيضا التدخين دخل في منطقة "التدابير" المنزلية.

"علبة السجائر المحلي تكلفني 20 جنيهاً وتحرق في صحتي، وكتير من الأصدقاء كانوا ينصحوني من زمان أن أقلع عن التدخين ولم أكن أهتم لحد ما لقيت إن حاجة البيت والأولاد أهم من علبة السجائر ومزاجي، فأقلعت عن التدخين.. تعبان شوية بس مش مشكلة بكرة أتعود".

كان هذا الحل الذي توصل إليه أحمد سعد، سائق في مؤسسة حكومية نهاراً والذي عمل سائقاً على ميكروباص في الفترة المسائية، وكان دخله بالكاد يكفي مصاريف بيته وأولاده، ولكن بعد الغلاء قرر الإقلاع عن التدخين توفيراً للنفقات.


سائق تاكسي بدرجة "أوبر"


وحتى المواطنون من الشرائح فوق المتوسطة وأصحاب بعض المهن المرموقة ومنهم سيدات، لم تتركهم الأزمة، ووجدوا الحل في العمل كسائقين بالتعاون مع "أوبر" بسياراتهم الخاصة لزيادة الدخل الشهري ومواجهة متطلبات المعيشة، التي أصبحت غير محتملة.

عصام لطفي، مهندس في شركة عقارية ويمارس السمسرة أيضاً، يشكو من تراجع حركة البيع والشراء في السوق العقارية لعدم استقرار السوق وارتفاع سعر الدولار المستمر، قرر مؤخراً العمل مع "أوبر" بسيارته بعد أن أصبح لديه وقت نتيجة انحسار حركة المقاولات والعقارات.

"وماله أوبر، مش أحسن من القعدة في البيت، وكمان دخله كويس، وأهه حاجة تساعد في الظروف الصعبة دي لحد الأمور ما تتحسن وسوق العقارات ترجع تنشط تاني".


توقفنا عن شراء الخبز.. البيتي أرخص


"تعلمت مع عدد من صديقاتي كيفية عمل الخبز في المنزل وكذلك الكاتشاب، والشاورما، والبيتزا، وبدأنا نتشاور بشكل يومي لتحسين إنتاجنا حتى يكون قريباً من إنتاج المحلات ويرضى أطفالنا عنه، وبذلك وفرنا مبلغاً كبيراً كان ينفق على هذه المنتجات شهرياً خاصة أن عندي أربعة أطفال واستهلاكهم لا يتوقف"، تقول حنان عن الحل الذي توصلت إليه في مواجهة الغلاء، وتضيف أن بعض صديقاتها بعد أن كانت تتبرع بالملابس المستعملة الخاصة بها وبأسرتها أصبحت تبحث الآن عمن يشتريها بأي سعر للحصول على أي مبلغ يساعدها في تكاليف المعيشة.

"لا ندري ما سيحدث غداً، الأسعار لا تتوقف عن الارتفاع وتكاليف المعيشة تتزايد والدخل لم يعد كافياً.. ربنا يستر من الأيام القادمة”.


وثورة الأطفال تطالب بزيادة المصروف


لم يفرق الغلاء بين طفل ورجل، أو بين شاب وعجوز.. فطلاب المدارس طالهم ارتفاع الأسعار ولم يعد يكفيهم مصروفهم اليومي.

"كل حاجة بتزيد ما عدا المصروف، ده حتى أجرة الميكروباص والتوكتوك زادت"، يشكو "عبدالعزيز شحاتة" التلميذ بالمرحلة الإعدادية، ويرى أن من حقه المطالبة بزيادة تتماشى مع زيادة السلع حوله لا سيما المأكولات السريعة، ليقرر والده زيادة المصروف جنيهين ونصفاً: "لما طفل يومياً ياخد مني 12 جنيه ونص وهو فى إعدادي لما هيوصل جامعة هياخد كام؟"، يقول والده وهو يضحك ساخراً، "على أيامي كنت لما آخد ربع جنيه أعمل فرح".

كان عبد العزيز، كما حكى لصحيفة الوطن، يأخذ من والده مصروفاً يومياً قدره 7 جنيهات ونصف، ومع الزيادة الأخيرة في الأسعار زاد المصروف إلى 10 جنيهات، ومنها يدفع أجر التوكتوك ثم الميكروباص ليصل إلى المدرسة، وكذا رحلة العودة، وينفق بقية المصروف على أكياس الشيبسي والمياه الغازية.

استبعدنا من هذه المشاهد، تلك "التيمات التقليدية" للفقر، كأحوال ساكني القبور، ومن يشترون "أرجل" الدواجن ليتغذوا عليها والمتسولين، لأننا قررنا الابتعاد عن الميلودراما، والاكتفاء بواقعية رصد سقوط الطبقة الوسطى التي كانت في مأمن من الفقر من ثقوب الغلاء التي جعلت الخرق يتسع على الراقع في مصر.