14 مليار دولار قد تتحول لـ"فنكوش".. خبراء يشككون في جدية تعهدات مؤتمر الاقتصاد التونسي.. فهل يلقى مصير شرم الشيخ؟

تم النشر: تم التحديث:
TUNISIA
تونس | Anadolu Agency via Getty Images

34 مليار دينار، أي ما يعادل 14.7 مليار دولار هي قيمة الأموال التي نجحت تونس في الحصول عليها خلال مؤتمر دعم الاقتصاد والاستثمار (تونس 2020)، منها 15 مليار دينار اتفاقيات تم توقيعها فعلياً، و19 مليار دينار في شكل تعهدات، وذلك بحسب ما أكده رئيس الحكومة يوسف الشاهد الأربعاء 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 خلال اختتام فعاليات المؤتمر.

المؤتمر الذي عقد على مدار يومين شارك به نحو 70 دولة و40 وفداً رسمياً و4500 مشارك من رجال أعمال وشخصيات سياسية واقتصادية بارزة.

وبالرغم من إجماع أغلب الحاضرين من تونس وخارجها على نجاح هذا المؤتمر، سواء على مستوى التنظيم وحجم المشاركات الدولية أو على مستوى العائدات التي نجحت تونس في تعبئتها، التي توزعت بين اتفاقيات دولية موقعة ووعود بالاستثمار وهبات مالية، فإن ذلك لم يمنع العديد من الأصوات من التحذير من ضرورة متابعة كل هذه الاتفاقيات، ومدى سير إنجازها فعلياً على الميدان، حتى لا تبقى حبراً على ورق، ومجرد مشاريع سابقة أعلن عنها وتوقفت خلال الحكومات المتعاقبة وأعيد إحياؤها من جديد.

وأعاد المؤتمر كذلك لأذهان كثير من العرب مؤتمر شرم الشيخ، الذي عقدته مصر في مارس 2015، والذي خرج بتعهدات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات والمساعدات لم ير أغلبها النور، مما يثير مخاوف أن تتحول هذه المؤتمرات الكبرى إلى "الفنكوش"، وهو لفظ أطلقه الفنان المصري عادل إمام في أحد أفلامه، وأصبح يرمز للمشروعات الوهمية التي تصاحبها دعاية كبيرة.


نجح المؤتمر لكن تبقى المتابعة


السيد جلول عياد، رجل أعمال ووزير مالية سابق اعتبر في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن مؤتمر دعم الاقتصاد والاستثمار حقق النجاح المطلوب والأهداف التي قام من أجلها، مشدداً في ذات السياق على أن كل الوعود التي قدمتها الدول هي مشاريع واضحة المعالم.

وأضاف: "كنت شاركت سابقاً إبان تولي منصب وزارة المالية في حكومة الباجي قائد السبسي في 2011 في مؤتمر دوفيل، المنبثق عن مجموعة الدول الثماني في فرنسا، وكانوا حينها قد وعدونا بتقديم مساعدات مالية لتونس بقيمة 25 مليار دولار ولم يتحقق شيء من ذلك".

لكنه قال إن ما لمسته في المؤتمر الاقتصادي الأخير "يجعلني أقر بجدية الوعود والمشاريع والاتفاقيات التي أبرمتها تونس مع شركائها الدوليين".

عياد شدد على ضرورة متابعة كل الاتفاقيات المنبثقة عن المؤتمر، وذلك من خلال إرساء منظومة مراقبة وتسيير متكاملة بين الدولة التونسية من جهة والأطراف الأجنبية الموقعة والمتعهدة بالمشاريع، والإسراع بإنجاز المشاريع الكبرى حتى تعطي تونس دليلاً على جديتها والتزامها بكامل تعهداتها.


مشاريع قديمة


من جانبه، اعتبر شكري الجلاصي، المستشار المصرفي والمالي المقيم في فرنسا أنه على الأطراف المعنية في تونس ألا تغرق في نشوة النجاح بنتائج هذا المؤتمر لعدة اعتبارات أولها، حسب قوله، أن "النتائج التي تم الإعلان عنها تدخل معظمها في خانة تعهّدات ووعود بقروض، في حين أنّ المؤتمر أعدّ 140 مشروعاً جاهزاً للإنجاز، ومنبثقاً عن المخطط الخماسي 2016-2020".

واعتبر الجلاصي أن الهدف المعلن للمؤتمر هو جلب مستثمرين أجانب للدخول في شراكة مع الدولة أو مع مستثمرين تونسيين، أو وحدهم لإنجاز المشاريع المعلنة، غير أن ما تمّ الإعلان عنه لا يغطي إِلَّا جزءاً من القسم الأول من مشاريع القطاع العام التي ستنجزها الدولة من خلال القروض الممنوحة، وهو شيء كلاسيكي غير خارق للعادة"، وفق وصفه.

الخبير المالي ذهب أيضاً لاعتبار أن مشاريع القطاع الخاص والشراكة المبرمجة التي أعد لها خلال المؤتمر لم تحقق أي شيء يذكر، باستثناء إعلان نوايا يتيم لشركة السيارات الفرنسية (بيجو) لبعث مصنع تركيب لتغطية السوق التونسية فقط بسيارات الـ404، وهذا يعدّ فشلاً وخيبة أمل"، حسب تعبيره.

الجلاصي رأي أيضاً أن النتائج المعلنة اقتصرت على خطوط قروض من دول شقيقة وصديقة وصناديق استثمار إقليمية ودولية بقيمة 15 مليار دولار نصفها اتفاقات ونصفها وعود.

وتساءل: "لا أدري هل تونس كانت في حاجة لمؤتمر دولي كانت تكاليفه باهظة، للحصول على قروض، فهذا ما تقوم به كل الحكومات التونسية السابقة في الأيام العادية مع عدة أطراف خارجية، ويصادق عليها مجلس النواب باستمرار طيلة السنة، وكان آخرها قرض من الشقيقة الكويت من صندوق التنمية الكويتي لتمويل مشروع يُعنى بتطوير قدرات مخزون الثروة المائية".


قطر وتركيا والسعودية


في المقابل، أثنى شكري الجلاصي على ما وصفه بـ"الدعم المحترم جدًّا" من بعض دول العالم العربي والإسلامي، مثل قطر والكويت والبنك العربي للتنمية والبنك الإسلامي للتنمية وتركيا والسعودية، في شكل قروض ميسّرة وبمدة سداد طويلة تصل لـ20 سنة.

وتكمن الأهمية في ذلك وفق تعبيره "في أنها قروض دون اشتراطات وإملاءات على السياسات الاقتصادية السيادية، على عكس القروض الممنوحة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصناديق التنمية الأوروبية".

وتساءل الجلاصي في ختام حديثه قائلاً "بعد نهاية المؤتمر تبقى عدة أسئلة مطروحة حول مآل القروض التي تعهّد ووعد بها ضيوف المؤتمر، هل ستذهب فعلاً للاستثمار والتنمية وإنجاز القسم الأول من مشاريع القطاع، وخاصة في الجهات الداخلية المهمة، أم ستصرف لسدّ العجز في ميزانية الدولة كما قامت بذلك الحكومة مع القرض الممنوح هذه السنة من البنك الإفريقي للتنمية؟".


الدعم القطري البارز


المؤتمر الاقتصادي شهد حضور أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، الذي كان له دلالات كبيرة وفق مراقبين، تتعلق أغلبها بالدور القطري الفعال في إنجاح هذا المؤتمر بالتنسيق مع الأطراف التونسية.

وأكد المدير العام لصندوق قطر للتنمية، خليفة بن جاسم الكواري، أن الحكومة القطرية تكفلت بكل مصاريف المؤتمر الاقتصادي وحملاته الترويجية منذ انطلاقها خلال الأشهر الماضية وحتى ختامه.

فقد وقعت الحكومة القطرية أمس مع نظيرتها التونسية التزاماً بدفع 2.4 مليون يورو على شكل هبة مقدمة لتغطية كل مصاريف المؤتمر الاقتصادي.

كما كانت قطر قد أعلنت عن دعم تونس بـ1.25 مليار دولار تتوزع بين مشاريع اقتصادية ووعود بالاستثمار وهبات.

وكان السفير القطري بتونس عبد الله بن ناصر الحميدي أكد في وقت سابق أن لجنة خاصة من وزارة المالية في قطر ستتوجه إلى تونس للتنسيق مع الجانب التونسي في إيجاد صيغة يتم بمقتضاها تحويل مبلغ المليار و250 مليون دولار التي أعلن عنها أمير قطر خلال مؤتمر الاستثمار.


الغياب الإماراتي والأميركي


وحول الغياب الإماراتي والأميركي اللافت عن المؤتمر مقابل هذا الدعم القطري، قال رضوان المصمودي رئيس مركز دراسات الإسلام والديمقراطية إن الغياب الإماراتي مفهوم جداً لاعتبارات سياسية وأيديولوجية وفق قوله، مضيفاً "من الخطأ التعويل على الدعم الإماراتي أو الاستغراب من المشاركة الضعيفة لها خلال مؤتمر، لأننا نعلم سابقاً موقفها من الثورات العربية، وتجربة الانتقال الديمقراطي عموماً، ومن حركة النهضة (أكبر الأحزاب التونسية) خصوصاً".

في المقابل، اعتبر المصمودي أن "حزب نداء تونس الممثل في رئيس الدولة الباجي قائد السبسي الذي دعمته الإمارات سابقاً قبل تحالفه مع النهضة في الحكم حرص على أن يكون هناك تواجد إماراتي خلال المؤتمر خلال اتصالاته الحثيثة، لكن يبدو أن ذلك لم يحرز أي تقدم، وأن الموقف الإماراتي من التحالف بين راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي محسوم"، وفق وصفه.

أما عن الغياب الأميركي خلال المؤتمر فقد وصفه المصمودي بالمفاجأة غير السارة بعد حضور نائب وزير التجارة ونحو 20 من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين.

وأكد المصمودي في السياق ذاته أن نحو 150 شخصية أميركية بارزة قامت بالتنسيق مع أطراف تونسية للقيام بحملة قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي في تونس لحث الرئيس الأميركي باراك أوباما على حضور المؤتمر، لكن مع الأسف لم يتم ذلك، على حد قوله.

يذكر أن فعاليات المؤتمر الاقتصادي لدعم تونس انعقدت وسط تواصل الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات في قطاعات مثل التربية والمحاماة وإعلان اتحاد الشغل -أكبر منظمة نقابية- المضي في خوض الإضراب العام في القطاع الخاص، احتجاجاً على قانون المالية لسنة 2017.