شتَّتها النزوح.. عائلات عراقية تتمزق بين المخيمات وتُمنع من التواصل "لأسباب أمنية"

تم النشر: تم التحديث:
IRAQ
THOMAS COEX via Getty Images

بحثاً عن حياة آمنة بعيداً عن دمار المعارك وسيطرة "داعش"، فرّ إحسان إسماعيل منذ نحو شهر من قريته أبو جربوعة (شرق الموصل) قبل ساعة فقط من والده ووالدته وشقيقته، مؤملاً أن يجتمع شملهم مجدداً في مخيم النزوح، وهو الأمل الذي تبدد خلال أيام.

حيث نقلت القوات الكردية إحسان إلى مخيم الخازر بانتظار أن يلحق به أفراد عائلته، لكن هؤلاء نُقلوا إلى مخيم آخر، ومُنع إحسان من الانضمام إليهم.

وتمنع القوى الأمنية العراقية وقوات البيشمركة الكردية النازحين من الخروج من مخيماتهم، وتأخذ هوياتهم فور وصولهم إلى المخيم وتفرض عليهم البقاء داخله. وتبرر ذلك بـ"أسباب أمنية" دفعت منظمة هيومان رايتس ووتش إلى تشبيه الوضع بعملية "احتجاز".

ويقول إحسان (18 عاماً): "مرّ شهر على هذه الحال، أنا في مكان وهم في مكان، ولا يُسمح لي بالخروج... كل ما أريده هو أن أذهب إليهم. أفتقدهم كثيراً".

ويتساءل الشاب صاحب العينين الخضراوين والشعر الكستنائي: "ما الفرق، لا أفهم؟! المخيم مخيم والسياج هو ذاته!".

في مخيم قيماوة (شمال الموصل)، لا يُمنع النازحون من الحركة فقط؛ بل أيضا من استخدام الهواتف الجوالة، بحسب منظمة هيومان رايتس ووتش. ونتيجة ذلك، لم يتمكن إحسان من التحدث إلى عائلته سوى مرتين فقط خلال شهر.


"وكأنه حجْزٌ!"

وأثارت الإجراءات الأمنية في المخيمات قلق المنظمات الإنسانية.

وتوضح بلقيس ويلي من "هيومان رايتس ووتش": "في المخيمات التي تشرف عليها القوات العراقية، لا يُسمح للنازحين بالتحرك بتاتاً، إلا إذا قررت السلطات نقلهم أو إعادتهم إلى مناطقهم".

وتضيف: "في المخيمات التي هي تحت سلطة حكومة إقليم كردستان، لا يسمح أيضاً للنازحين من الموصل بالتحرك بشكل عام"، مشيرة إلى بعض الاستثناءات المحدودة، مثل مخيم ديباجة (جنوب الموصل)، حيث يُسمح للنازحين بالتنقل داخل القرية فقط بعد أن تُؤخذ منهم هوياتهم ضمانة لعودتهم.

عند مدخل مخيم الخازر، الواقع شرق الموصل ويشرف عليه عناصر من البيشمركة، سوق صغيرة تتنوع بضائعها بين خضراوات ومواد غذائية وملابس، لكن عملية البيع والشراء تتم من خلف سياج حديدي يفصل بين الباعة وزبائنهم النازحين.

وتقول ويلي: "لم أر شيئاً من هذا القبيل. إنه أمر مقلق من شأنه أن يؤسس لمسار خطير؛ أن يُمنع آلاف العراقيين من التحرك في بلدهم".
وتتابع: "إنه أمر مرفوض على المستويات الدولية كافة (...) وحتى إن لم يكن حجزاً، فإنه يبدو كذلك في الحقيقة".

ويروي نازحون آخرون قصصاً أخرى تشبه قصة إحسان.

ويقول فواز خالد (42 عاماً) الذي يجلس برفقة شقيقيه وجيرانهم يشربون الشاي في إحدى خيم الخازر: "نحن على هذه الحال منذ 28 أكتوبر/تشرين الأول، ولا أحد يسمعنا!".

ويشرح خالد، وهو أب لـ9 أولاد، كيف وصل إلى المخيم قائلاً: "حين رأينا أعلام البيشمركة من داخل القرية (أبو جربوعة)، قررنا الخروج مجموعات صغيرة لكي لا يعتدي علينا الدواعش، خرجت مع شقيقيَّ الاثنين على أن تلحق بنا زوجاتنا".

ويتابع: "وصلنا إلى حاجز البيشمركة، قلنا لهم إن هناك عائلات خلفنا، أجابوا: نأخذكم ويلحقون بكم".

بعد 3 أيام، سمع خالد أن زوجته وأطفاله وعائلتي شقيقيه في مخيم قيماوة.

يقول: "ذهبت فوراً إلى المسؤولين في المخيم وقلت لهم إننا نريد الالتحاق بعائلاتنا، أجابونا بأنها إجراءات فقط، وسينتهي الأمر بعد 10 أيام، وها نحن بعد شهر ولم يتغير شيء، أطلب الخروج وهم يرفضون".

وبالإضافة إلى اتصالات هاتفية قليلة جداً بينهم وبين زوجاتهم، يأتي أقرباء لهم ليسوا بنازحين لزيارتهم، ويتولون نقل الأخبار بين أفراد العائلة.

"قلبي محروق على ولدي"

ورداً على سؤال لوكالة فرانس برس حول القيود المفروضة على سكان المخيمات، قال الأمين العام لوزارة البيشمركة جبار ياور: "إنه موضوع أمني (...) نحن في حالة حرب مع جهة إرهابية تستخدم كل الطرق الممكنة لشن عمليات إرهابية داخل المدن وقد يتسلل عناصر (داعش) بين النازحين وينشئون خلايا سرية".

وأضاف: "هذا أمر طبيعي. يبقى النازحون في المخيمات إلى حين فحصهم من الناحية الأمنية". لكن المشكلة أن هذا الفحص يستغرق أسابيع طويلة جداً.

ولم تر شيماء إسماعيل (38 عاماً) ابنيها محمد (20 عاماً) وأحمد (21 عاماً) منذ فرارهم معاً من أبو جربوعة.

وتفرقت الوالدة التي كانت مع ولديها محمود (16 عاماً) وأماني (3 سنوات) عن محمد وأحمد عند حاجز للبيشمركة. ظنت أنها ستلتقيهما في المخيم، لتُفاجأ بأنهما في مخيم آخر.

وتقول بحسرة: "طلبت الذهاب عند أولادي، فلم يسمحوا لي".

وتضيف وقد وضعت على رأسها شالاً ظهر شعرها الكستنائي من تحته: "رجوتهم أن أذهب إليهم أو أن يأتوا لي بهم، ولا من مجيب".

وتكلم شيماء ولديها مرة في الأسبوع، فهما يخافان أن يأخذ مسؤولو قيماوة، الذي يشرف عليه الأكراد أيضاً، الهاتف الجوال منهما: "يخبرونني بأنهما بخير ويقفلان الخط".

وتضيف: "محروق قلبي على ولديَّ!".


"أخاف ألا أخرج"

عند مدخل قرية قوقجلي المحاذية للموصل، يقف محمد علي حسين (62 عاماً) الذي فر من حي القادسية الثانية في مدينة الموصل، في محاولة للالتحاق بعائلته بعد أكثر من عامين من الفراق بسبب سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على المدينة.

ويقول أستاذ الرياضيات الذي يحمل على ظهره حقيبة باهتة اللون، وقد بدت عليه علامات الحيرة: "أنا أصلاً من بغداد، وعائلتي في كركوك. أولادي أساتذة في الجامعة وابنتي طبيبة وزوجتي معلمة، أريد أن أصل إليهم بكركوك أو أعود إلى بغداد".

ويضيف: "قيل لي أن أذهب إلى مخيم الجدعة (جنوب الموصل) الذي تشرف عليه القوات العراقية، لكن أخاف أن أدخل المخيم فلا أخرج منه. يجب أن أجد حلاً آخر".