منتقدةً تقبّل الأقليات في بلادها.. كاتبة بريطانية تعادي المسلمين تزور كوبا للمرة الأولى و تشيد بتجربتها في "الترابط المجتمعي"

تم النشر: تم التحديث:
GFG
social media

تحولت وفاة الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو إلى حلبة جديدة للمصارعة بين المؤيدين له والمعارضين، في أغلب أنحاء العالم، ففي الوقت الذي احتفل فيه الكوبيون المنفيون برحيل "الوحش"، بكى عليه الملايين ووصفوه بعبارات المديح.

الكاتبة البريطانية كايتي هوبكنز قررت على طريقتها معرفة حقيقة كاسترو الذي أثار ضجيج العالم في حياته وحتى في مماته، فعزمت السفر إلى كوبا لمعرفة ماذا يحدث؛ فهل كان فعلاً زعيم كوبا رجلاً عظيماً أو غير ذلك.

هوبكنز كتبت مقالاً في صحيفة "دايلي ميل" البريطانية حول رحلتها إلى بلاد كاسترو وكيف شاهدت الأمر هناك، فلأول مرة في حياتها تذهب إلى بلد عاش عقوداً منزوياً عن الأنظار.

الكاتبة المعروفة بعدائها للمسلمين واللاجئين حاولت من خلال استدعائها النموذج الكوبي الذي يفتقد للتعددية الثقافية ووصفته بانه يتمتع بترابط مجتمعي انتقاد مجتمعها الذي يتقبل بشكل غير منتهي على حد تعبيرها للثقافات المختلفة وقالت "أصبحنا نعيش في بلاد مليئة بأحياء الأقليات".

وتقول الكاتبة التي سبقت ووصفت اللاجئين بالصراصير ودعت إلى حرق قواربهم في البحر "أحببت، بشدةٍ، المجتمع الذي استطاعوا بناءه هنا، وأعجبني هذا الترابط المجتمعي الذي يحافظ على سير الأمور وسط هذه الفوضى، لدينا تَقَبُّل لا ينتهي في التعامل مع الثقافات المختلفة، والذي حولنا إلى العيش في بلاد مليئة بأحياء الأقليات".


وإلى نص المقال



قِيلَ الكثير عن وفاة فيدل كاسترو


عَمَّت البهجة شوارع ميامي، حيث احتفل الكوبيون المنفيون برحيل "الوحش"، الرجل الذي سحق جميع آمالهم، وأخرس المعارضة، وفرض سنواتٍ من الفقر على شعبه.

وقابلت ذلك عباراتٍ مبتذلة من المديح على لسان الليبراليين واليساريين، الذين رفعوا كاسترو إلى مصاف الرموز؛ إذ وصفه رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بالرجل الثوري والخطيب الأسطوري، وقال عنه جيريمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني إنَّه كان بطلاً من أبطال العدالة الاجتماعية.

وتحدث أيضاً زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون عن كاسترو قائلاً إنَّه "سيبقى للأبد في قلوب البشرية التقدمية".

ولهذا أتيت إلى كوبا، لكشف حقيقة هذا الوحش.

جئت إلى هنا للسخرية من صنّاع الصحافة الليبرالية الذين يقيمون بالمدن الراقية، مثل إزلينغتون وبروكلين، ويشترون طعامهم من أفضل الأماكن كمتاجر "هول فودز" المشهورة، وفي نفس الوقت يكيلون المديح لرجلٍ حتى بعد وفاته ما زال شعبه يعيش على الحصص التموينية، ويبحث طويلاً في المتاجر للحصول على الحليب.

جئت إلى هنا أيضاً لإظهار احتقاري لهذه العقلية الاشتراكية الزائفة التي تقول إنَّ البشر متساوون. فإذا كان الجميع يحصلون على حصصٍ متساوية من اللاشيء تقريباً، إذاً ما الذي تملكه الاشتراكية هنا لنحتفل به بالضبط؟

جئت إلى هنا لإيصال صوت الشعب الذي أُجبِرَ على الصمت من قِبل النظام، الذي فرض 10 أيام من الحداد على الشعب، كما يفرض عليه كل شيء في حياته تقريباً.

ولكني لم أجد ما أتيت من أجله. وجدتُ شيئاً مختلفاً تماماً.

ليس الوضع جيداً بالطبع، فإرث كاسترو الذي تركه في الحياة اليومية لشعبه عبارة عن فوضى مُدمِّرة؛ إذ تبحث المباني عن شيءٍ تستند إليه حتى لا تسقط، وبالكاد تسير السيارات بين عمليات الإصلاح المتتالية، ويعرض الرجال أجسادهم مقابل العملة الصعبة، وهو الأمر الذي تفعله النساء أيضاً عن طيب خاطر، وذلك لكسب المال حتى يتمكنَّ من تدبير أمورهن.

ويصطف الناس في طوابير لا تنتهي ومعهم بطاقاتهم التموينية، يأملون الحصول على اللحم أو الحليب، ويملأون فراغات بطونهم بالخبز، وينتظرون في صبر بجانب الأرفف الفارغة بالمستودعات.

لا توجد أكياس للتسوق هنا، ولن ترى الناس يسيرون مُثْقَلين بالبضائع.

هنا، ترى النساء يحملن رغيفاً واحداً من الخبز، وكيساً واحداً من اللحم، وليمونة، وقطعة واحدة من الفاكهة. وكلها قطعٌ من لغزٍ صعب، يستغرق حله وقتاً طويلاً، ولكنه يشكل في النهاية وجبة غداء لأسرة.

أتساءل كيف يشعرون في أثناء زحفهم عبر الأروقة المتداعية للوصول إلى الغرف الصغيرة التي يتشاركونها، وكيف ينشرون ثيابهم في شرفاتهم التي بالكاد تتشبث بالمباني التي يعيشون بها. كأنهم ينهارون بالحركة البطيئة على مر العقود. معزولون عن العالم، بلا إنترنت، وبلا قنوات تلفزيونية فضائية مدفوعة، وبلا طاقة كهربائية.

البلد هنا متوقفة في الزمن، كما لو كانت قد قُصِفَت بقنبلةٍ نووية، ثم تم إعادة تسكينها بالمواطنين الأقوياء وأصحاب العزم، الذين يجدون طريقةً ما للحياة وسط الخراب والحطام. كابوسٌ غريب ينتمي إلى عالم روايات جورج أورويل.

ولكن، في النهاية، هذه ليست قصة حزينة؛ لأنني وجدت الشعب الكوبي قوياً، وفخوراً بشدة بطريقة معيشته.

في أثناء اصطفاف الآلاف من الكوبيين في ميدان الثورة، وقفت معهم طوال الليل في أثناء انتظارهم بالصفوف، يقفون في طوابيرٍ طويلة دون شكوى. شبابٌ ومسنون، وأطفالٌ صغار يرتدون أفضل ملابسهم، يتوافدون وينضمون إلى آخر الصف في أدب، ولا يبدو عليهم أنهم يريدون أن يسبقوا الآخرين.


وبدت دموع الكثيرين منهم صادقة


إحدى الحاضرات، تُدعَى ماريا ديل كارمن، وتبلغ من العمر 57 عاماً، كانت تقف بالصف منذ ما قبل الفجر. تحدثت ماريا عن كاسترو قائلةً: "أشعر بالقهر الشديد، كما لو كان أبي قد تُوُفي. لقد كان بمثابة الأب بالنسبة لي. كل ما نملكه، ودراستي بالطب، كل ذلك بفضله".

رحلتُ عن المكان، وعدت مبكراً في اليوم التالي، وكانوا ما زالوا هناك أيضاً وجوهٌ جديدة، مستعدة للوقوف والانتظار للأبد في هذه الأجواء الحارة حتى يمكنها المرور على النصب التذكاري الخاص بكاسترو في ميدان الثورة، الميدان الذي كان مكاناً محورياً بالنسبة لكوبا في السنوات الأخيرة، وشهد العديد من خطابات كاسترو الطويلة.

كان من ضمن المشيِّعين بلكيس ميريليس، يبلغ من العمر 65 عاماً ويعمل بالهندسة المدنية. وصل ميريليس إلى الميدان قبل البداية بساعتين.

وقال ميريليس عن كاسترو: "أنا حزينٌ جداً. أتيت لأقدم احترامي لوالدنا، وصديقنا، وقائدنا. لقد كان هو الرجل الذي حررنا، وأرسل الأطباء والمدرسين إلى جميع أنحاء العالم".

يؤكد بعض المواطنين، بنبرةٍ هامسة، أن السلطات تضغط على الشعب للحضور. وعن هذا الأمر، أشار أحد الرجال المسنّين إلى الحافلات التي كانت تجلب المواطنين للميدان لسماع خطابات كاسترو، وهي الحافلات التي كان أحد نواب النظام المحليين مسؤولاً عن ملئها، وإلا يتعرض للمحاسبة والعواقب.

يتمتم العديد من الأشخاص بخصوص أمور مشابهة؛ إذ يتحدثون عن المزارعين، الذين أعطتهم حكومة كاسترو الأبقار لينتجوا منها الحليب، ولكن المزارعين كانوا يدرون تماماً ماهية مصيرهم في حالة سرقة إحدى الأبقار أو موتها.

ويتحدثون أيضاً عن السائقين الذين فشلوا في إيقاف سياراتهم إلى جانب الطريق في أثناء مرور موكب كاسترو بسبب سرعتها، ليموتوا بعدها بالرصاص خارج الطريق.

ويتهامس بعضهم أيضاً بشأن المفارقة العجيبة بين تولفر الرعاية الصحية الأساسية والتعليم الأساسي، وعدم تولفر مناديل المراحيض أو الحليب.

ويتحدثون كذلك عن دولةٍ تعتمد على العملة الأجنبية بشدة، إلى درجة أن السائحين فيها هم مواطنو الدرجة الأولى. فالسكان المحليون ممنوعون من دخول الفنادق والمواقع السياحية. وهو تفاوتٌ صارخ جعلني أشعر بعدم الراحة.

هذه مقاربةٌ غريبة لمفهوم العدالة الاجتماعية، ومفهوم منحرف عن البشرية التقدمية، مفهوم متوقف في الزمن. فالمباني على وشك الانهيار، والكل متساوون في الفقر تحت الطبقات العليا من أفراد الجيش والحكومة الذين يملكون النقد الأجنبي.

ومع هذه العيوب كلها، يبدو أن هذا الشعب يحب كاسترو بالفعل؛ إذ يمثل لهم الأب، الذي بقي حبه لهم مستمراً على أية حال، رغم تخلّيه عن نمط حياتهم في كثيرٍ من الأحيان. كان كالزوج الخائن الذي يحب زوجته بصدقٍ رغم خيانته.

ومقابل كل فصل في التاريخ يثبت مدى وحشية هذا الرجل، توجد صفحة أخرى تثبت العكس، منها القيم الراسخة في نفوس الكوبيين اليوم.

فالوطنية تتجلى في الطريقة التي يلفّون بها علم دولتهم حول أكتافهم، والطريقة التي تصر بها الشابات اللاتي يبعن الكعك عليّ لآخذ بعض الأوراق من عملتهم معي، لتذكرني ببلدهن بعد رحيلي.

وكذلك الفخر بجزيرتهم الصغيرة، التي وقفت في وجه العملاق الأميركي بشجاعة كشجاعة داود في مواجهة جالوت.

والترابط العائلي الشديد، حيث البشر يقفون معاً، ويبقون معاً، ويظلون أقوياء من أجل بعضهم البعض لتصبح الأمور أفضل.

وكيف ظهرت مجموعة من الشباب الصغار فجأة للتأكد من حصولي على باقي نقودي في أثناء شرائي من أحد أكشاك الطعام، وتلك المرأة التي أعطتني مظلتها في أثناء وقوفي بالطابور تحت الشمس.

أحببت، بشدةٍ، المجتمع الذي استطاعوا بناءه هنا، وأعجبني هذا الترابط المجتمعي الذي يحافظ على سير الأمور وسط هذه الفوضى.

وشعرت بأن تحررهم من ماديات عالمنا له نفس حفاوة الحرية اللامتناهية التي نحظى بها في بلادنا.

فلدينا الحرية في الاحتجاج على كل شيء، وتَقَبُّل لا ينتهي في التعامل مع الثقافات المختلفة، والذي حولنا إلى العيش في بلاد مليئة بأحياء الأقليات. لدينا أنظمة معقدة للرعاية الصحية لدرجة أن بلادنا من الممكن أن تفلس بسبب تكاسلنا الشديد. ولدينا أيضاً أنظمة تعليمية تصمم بشدة على تقديم الدعم للأغبياء على حساب الأذكياء والمهرة، الذين يفشلون بسبب ذلك في النهاية.


أتعجب فعلاً من كل هذا!


ربما نعتقد أننا نعيش في مجتمعاتٍ راقية نتمتع فيها بحريةٍ أكبر من أي وقت آخر في التاريخ.

ولكنني فهمت الآن كيف أن تحرير كاسترو لشعبه من كل هذه الأمور من الممكن أن يكون إرثاً أعظم في النهاية.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Daily Mail البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.