القادة العراقيون منقسمون حول وضع سكان الموصل.. تزايد أعداد الضحايا يفرض تساؤلات حول خطة المعركة

تم النشر: تم التحديث:
MOSUL
ASSOCIATED PRESS

جاؤوا إلى المستوصف الطبي في سيارات عسكرية، يعانون من شدة الألم، أو يصعب إنقاذ حياتهم. فقد تم نقل جندي عراقي من القوات الخاصة بعد أن تمزق جسده إلى أشلاء جراء انفجار هائل. ووصل أيضا 4 أطفال تشوهت وجوههم بعد أن نجوا من انفجار سيارة كانت قد أحرقت منزلهم، وجندي آخر تعثر في شرك ملغوم ووجهه شاحب وجسده ممدد على نقالة وهناك ثقب في صدره.

تمكن المحظوظون منهم من الوصول إلى المرفق الطبي في الموصل سعياً وراء الحماية. وذكر عجوز من بين مئات النازحين جراء المعارك الشرسة التي تدور في الأحياء التي يقطنونها بالمدينة "القذائف تنهمر علينا". وأضاف أنه لا يوجد كهرباء أو مياه في الحي الذي يعيش به، ولا سبيل للبقاء بالمنزل، وفق ما نقل تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية، الإثنين 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

تتزايد أعداد الضحايا المدنيين والعسكريين مع انتشار البؤس في الموصل، بعدما شنَّ الجيش العراقي هجماته لاستعادة المدينة من قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). فقد لقي نحو 600 مدني مصرعهم، بحسب أحد التقديرات، فضلاً عن العشرات من ضحايا جنود القوات الخاصة من النخبة العراقية المدربين بالولايات المتحدة.

وأدت المذبحة إلى تباطؤ تقدم قوات الجيش، وإحياء الجدل الذي نشأ بشأن الحكمة من خطة المعركة، التي تصورت إمكانية أن يحتمي سكان الموصل بمنازلهم، وهي الوسيلة التي كان من المأمول أن تدرأ مخاطر النزوح الجماعي وتدمير المدينة.

يقول القادة العراقيون إنهم يمتنعون عن استخدام الأسلحة الثقيلة للحفاظ على حياة السكان، ولكن ذلك يأتي على حساب التقدم البري. ويضيف القادة أيضاً أن حلفاءهم الأميركيين يشجعونهم على دراسة الخطوات التي يمكن أن تحد من ضحايا المدنيين، ولكنها تسرع من تحقيق الانتصار على تنظيم داعش خلال الأيام الأخيرة لإدارة أوباما، أو على الأقل إظهار بعض علامات تحقيق تقدم على تلك الجبهة.

الجنرال سامي الأريضي، قائد الكتيبة الثالثة للقوات الخاصة العراقية، هو أحد القادة العسكريين الذين يختلفون مع قرار الحكومة بعد بدء المعركة بشأن توعية أهالي الموصل بالبقاء بمنازلهم.

وذكر متحدثاً عن نهر دجلة، الذي يقسم المدينة إلى نصفين، ويعد حالياً بمثابة تذكرة بصعوبة ما سيواجهونه قبل السيطرة على نصف المدينة "لو لم يكن هناك أي مدنيين، لوصلنا إلى النهر".

ومع ذلك، ففي ظل استهداف تنظيم داعش للمدنيين عن عمد، فإن أي خطة لإخلاء المدينة تكون محفوفة بالمخاطر. وأضاف الأريضي "إذا تعرضوا للمعاناة، فسوف نتحمل تلك المسؤولية".


مقاومة شرسة من داعش


إن معركة استعادة الموصل لن تكون يسيرة. فقد أدت المخاوف من شن تلك العمليات المعقدة في مدينة يتجاوز تعداد سكانها مليون نسمة إلى تأخير التنفيذ لأكثر من عام كامل. ومن المؤكد أن القيمة الرمزية للموصل لدى تنظيم داعش باعتبارها أكبر المدن الخاضعة لسيطرته من حيث تعداد السكان ستجعل قوات التنظيم تقاتل بشراسة قبل أن ترحل عن المدينة.

ورغم ذلك، تعد المقاومة التي يبديها المتطرفون أكثر وحشية مما كانوا يخشونه. فقد أرسلوا مئات السيارات المفخخة لتعطيل تقدم القوات ونشروا القناصة على أسطح المنازل وأسقطوا القذائف على الأحياء السكنية.

وفي اليوم الذي غادر خلاله سالم المولى منزله شرقي الموصل منذ أسبوعين، ذكر أن تنظيم داعش هاجم الجيش بـ3 سيارات مفخخة و3 انتحاريين. وعاد إلى منزله يوم الجمعة للحصول على الدواء وغيره من المقتنيات الثمينة. وقال "هناك أموات تحت أنقاض منازلهم". وقام اللصوص بسرقة المنازل التي ظلت قائمة.

وذكر شخص آخر يتعثر في سيره بعد فراره من حي عدن، أن الجيش أمر عائلته بالمغادرة بعدما بدأ تنظيم داعش في قصف المنطقة وتوجيه القذائف تجاهها يوم الجمعة. وقال قبل بدء سماع طلقات النيران من مبنى سكني مجاور، اضطر في إثرها إلى البحث عن مأوى يختبئ به "لقي الكثير من الناس مصرعهم".

وأشارت تقديرات خلف الحديدي، عضو المجلس الإقليمي، إلى مصرع أكثر من 550 مدنياً على أيدي تنظيم داعش خلال المصادمات أو الضربات الجوية لقوات التحالف. وذكر مسؤول بوزارة الصحة العراقية، أنه لا يستطيع تأكيد عدد الضحايا.

وقال الحديدي متحدثاً عن رحلته من مستوصفات خطوط المواجهة إلى عاصمة الإقليم الكردستاني المتمتع بالحكم الذاتي: "مات العديد خلال رحلتهم من الموصل إلى أربيل، لأن الانتظار بكل نقطة تفتيش يستغرق وقتاً طويلاً. ولقي الكثيرون حتفهم داخل المدينة. ولم تستطع عائلاتهم ترحيلهم واضطرت إلى دفنهم بحدائق منازلهم".


قلق لتباطؤ تقدم القوات


ويبدو أن تزايد أعداد الضحايا والمصاعب التي تتم مواجهتها شرقي الموصل تؤكد على قصور الاستراتيجية الحالية التي أدت إلى تعريض القوات العسكرية إلى نطاق إطلاق النيران –حيث أدت الخسائر إلى إعاقة بعض وحدات النخبة– أثناء ترك المدنيين في المناطق الخاضعة للحصار، والمعرضة لقصف تنظيم داعش بلا هوادة. ويشعر المسؤولون بالقلق الشديد جراء تباطؤ تقدم القوات المناهضة للتنظيم شمالي المدينة.

وذكر الجنرال نجم الجابوري، قائد عمليات نينوى، أن القادة العراقيين منقسمون حول ما إذا كان تشجيع الأهالي على الخروج بصورة جماعية سوف يسمح للقوات باجتياح المدينة بسرعة.

وقال الجابوري "يرى بعض القادة أنه من الأفضل أن نخرج السكان من المدينة". ويرون أن المدنيين لن يكونوا أكثر أماناً فحسب، بل ستتمكن القوات العراقية من نشر الأسلحة الثقيلة وتكثيف الهجمات الجوية والضربات المدفعية على المواقع العسكرية، بما يقوض من قدرة الجهاديين على شن هجمات مضادة.

ويعترض القادة الآخرون على تلك الفكرة، مشيرين إلى أن عمليات الإخلاء سوف تعرض المدنيين لنيران القناصة وغيرها من الاعتداءات أثناء النزوح، وأن التدفق الجماعي للاجئين سيزيد من إمكانية تسرب المتطرفين وسطهم.

وقد انزعج المسؤولون في بغداد من إمكانية خروج المدنيين، حيث يخشون أن يؤدي ذلك إلى تخبط منظمات المساعدات الإنسانية التي تجد صعوبة بالغة في توفير الإقامة والغذاء للاجئين في المخيمات القائمة خارج المدينة.

وذكرت ليز جراند، منسقة الأمم المتحدة لشؤون المساعدات الإنسانية في العراق "الجيش يهتم اهتماماً بالغاً بحماية المدنيين" حتى الآن خلال معركة الموصل. وقالت إن أي محاولة غير منظمة لإخلاء المدينة من المدنيين يمكن أن "تعرض حياة مئات الآلاف لمخاطر الشتاء قارس البرودة".

وقد قرر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وكبار القادة العسكريين رفض النزوح الجماعي في الوقت الحالي، بحسب ما ذكره أحد كبار المسؤولين العراقيين، حيث تحدث عن خطة لمطالبة سكان المناطق التي تم إخلاؤها مؤقتاً بالانتقال بصورة مؤقتة إلى أماكن مجاورة أكثر أمناً لحين توقف تهديدات القصف من جانب تنظيم داعش.

وقال المسؤول إن منطق القادة يتمثل في "عدم وجود مكان يتسع لأكثر من مليون شخص"، متحدثاً حول المناقشات الداخلية، بعد أن اشترط عدم ذكر اسمه.

ورفض المسؤولون الأميركيون في بغداد التعليق على المشورة العسكرية المقدمة إلى الحكومة العراقية. وذكر المتحدث العسكري الأميركي في بغداد الكولونيل جون دوريان: "إنها جهود دائمة. فالأمر لا يتعلق بوضع خطة فقط، بل إنك تتولى تقييم مدى التقدم باستمرار".

وذكر مسؤول أميركي تحدث بشرط السرية، أن إدارة أوباما تعمل عن كثب مع حكومة العبادي لضمان تحركات القوات واستعدادها لاستقبال تدفقات اللاجئين، رداً على الإجراءات التي يتخذها تنظيم داعش.

وتتمثل إحدى الخطوات التي يحث المسؤولون الأميركيون القادة العراقيين على اتخاذها في حشد قوة عسكرية يمكنها ضمان عدم تسرب المتمردين إلى الأماكن التي تمت استعادتها مؤخراً، وإطالة أمد المعركة من خلال شنِّ هجمات من الصفوف الخلفية.

وقد قامت القوات العراقية وقوات التحالف بتعديل بعض التكتيكات الحربية رداً على التدابير الدفاعية التي يتخذها تنظيم داعش.

ويذكر المسؤولون الأميركيون خلال الأسابيع الأخيرة، أن الطائرات الأميركية قد توسعت في ضرباتها التي تستهدف قصف الطرق في الموصل، سعياً وراء إعاقة حركة السيارات المفخخة التي يستخدمها تنظيم داعش في الإيقاع بالوحدات أو القواعد المحلية. ويتسابق المسؤولون العراقيون والأميركيون أيضاً للرد على عمليات القصف الانتقامية في الأحياء المهجورة. وينقل القادة العراقيون حالياً إحداثيات مواقع القصف إلى التحالف الأميركي حتى تستطيع طائراته تدميرها.

وذكر الجنرال عبد الغني الأسدي، قائد القوات الخاصة العراقية "قد يطلقون قذيفتين أو 3 قذائف ولكن لن تكون هناك قذيفة رابعة".

وقد أخفقت التدابير في منع السيارات المفخخة التي أصابت أسرة محمد يحيى وأودعته المستوصف الطبي، حيث يعالج الأطباء زوجته وأطفاله الأربعة المصابين. وقد دخل الجيش الحي السكني الذي يقطن به، ورد تنظيم داعش يوم الجمعة بهجمات أدت إلى إحراق منزل يحيى.

وقال: "ظننا أننا نعيش في أمان، وأن الجيش يسيطر على زمام الأمور".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.