الناخبون الفرنسيون ليسوا من المناصرين لروسيا.. فما مدى خطورة تحالف فيون مع بوتين؟

تم النشر: تم التحديث:
FRANCOIS FILLON
ASSOCIATED PRESS

من المعتاد تجنُّب الحديث عن السياسة الخارجية في الحملات الانتخابية للرئاسية الفرنسية. ولكن عندما يتم التطرق إليها، فمن المنطقي أن يميل المرشحون إلى التحدث عن روسيا. ففي سنة 1981، فشل فاليري جيسكار ديستان في جعل المواطنين يعيدون انتخابه بسبب اتهامه بأنه "عميل لدى بريجنيف"، وذلك عقب لقائه بنظيره السوفيتي في الفترة التي كان فيها الجيش الأحمر يحتل أفغانستان. وفي سنة 2007، حظي الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي بتقدّم سياسي لمجرد تنديده بحرب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين في الشيشان.

ولذلك تثبت هذه الأمثلة، أن الناخبين الفرنسيين ليسوا من المناصرين لروسيا. كما أثبت استطلاع رأي أُجري في فرنسا خلال الأسبوع الماضي، أن حوالي 61% من المشاركين يؤيدون وبشدة ضرورة الحفاظ على العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بعد ضمها لأوكرانيا، في حين أن الربع فقط أعربوا عن تأييدهم لضرورة انسحاب فرنسا من حلف شمال الأطلسي.

أما رأي المرشح المحافظ والروسوفيلي، فرنسوا فيون فقد أثار جدلاً كبيراً، خاصة بعد المجاملات التي حظي بها فيون من قبل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين في 23 من نوفمبر/تشرين الثاني، حيث وصفه بأنه "محترف عظيم"، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "The Financial Times" البريطانية.

وهو ما يطرح سؤالين مختلفين إلى حد ما؛ هل سيسهم هذا الموقف في ظفر السيد فيون بالرئاسة الفرنسية؟ وإذا كان ذلك كفيلاً بتمهيد الطريق أمامه للوصول إلى دفة الحكم، فكيف سيؤثر هذا على الدبلوماسية الفرنسية؟

وعلى العموم، ستصبّ تصريحات فيون لصالحه، طالما يبقيها في تناغم مع نظيره الروسي. كما يستطيع فيون في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي ستقام في أبريل/نيسان، التعويل على اليمين المعتدل، بيد أنه سيحتاج أيضاً لحشد أكبر عدد ممكن من الأصوات التابعة للجبهة الوطنية، وبالتالي قطع الطريق أمام زعيمته، مارين لوبان.

أما تحديد فرنسا لموقفها الدبلوماسي والاستراتيجي، فهو يحمل في طياته أخباراً سارة وأخرى سيئة في آن واحد. يتمثل الخبر السيئ في أن فيون لا ينظر للعلاقة مع بوتين من منظور انتهازي، حيث إن هذه العلاقة الدبلوماسية ليست وليدة الانتخابات الرئاسية. ففيون وبوتين تجمعهما علاقة وطيدة، منذ أن كانا رئيسي وزراء في عهد الرئيس الروسي، ميدفيديف، لذلك لا يمكن أن نصنف هذه العلاقة على أنها وليدة الحرب السورية، التي تأثرت على سبيل المثال بفشل باراك أوباما في متابعة التدخل العسكري، وهو ما فسح المجال أمام التدخل الدبلوماسي والعسكري الفعلي لروسيا.

في ذلك الوقت، لم يُندد فيون فقط بعمليات قصف أميركية فرنسية، ولكن أيضاً بعمليات روسية فرنسية. وقد شكّل اجتماع فيون ببوتين في نادي فالداي لكبار المسؤولين والخبراء الاستراتيجيين صدمة للرأي العام الفرنسي، خاصة أنه من غير المألوف أو المعتاد تقويض السياسة الخارجية الفرنسية من الخارج.

أما الخبر السار، فيتمثل في أن فيون لن يتخذ أية خطوة قبل التفكير ملياً فيها، فهو على دراية كاملة بوجود أمور أخرى يستوجب أن يوليها الأهمية القصوى. ويعتبر تدشين تحالف مع بوتين وبناء علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي جزءاً من هذه الأهمية، غير أنه بالرجوع إلى الرؤية المستقبلية للسياسة الخارجية فإن العلاقات الفرنسية الألمانية لديها الأسبقية على روسيا. فإن التزمت ألمانيا بالعقوبات، فإنه من المستبعد أن تقوم فرنسا بنقض تعهداتها. كما أنه من الجلي أن دونالد ترامب من واشنطن، يمكنه على خلاف فيون من باريس، أن يرفع العقوبات وينهي الدعم الغربي لأوكرانيا. وفي هذه الحالة، سيتفكك الإجماع الأوروبي الحالي حول هذه القضية، بغض النظر عمن سيتولى مقاليد الحكم في فرنسا.

على نفس المنوال، فإن الموقف الذي يتخذه فيون تجاه الرئيس الروسي بوتين قد يقع ضحية المنظور الديغولي "فمن غير المقبول أن يتم اختيار الرئيس الفرنسي من قبل روسيا والولايات المتحدة". وشكلت قوّتان من القوى العظمى الناشئة، في مؤتمر مالطا سنة 1945، عالم ما بعد الحرب، وهو ما كان بمثابة الكابوس الذي لا يستطيع أي رئيس فرنسي أن ينساه. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن اعتبار ظاهرة موالاة بوتين في فرنسا، التي قد تكون أولى ضحايا ترامب وبوتين (أو ترامب وبوتين وتشي جين بينغ) بمثابة النسخة الحديثة لمؤتمر يالطا.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة "Financial Times" البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.