المقاتلون الأجانب نعمة ونقمة على الأسد.. لهذا السبب يخشاهم النظام رغم دعمهم له

تم النشر: تم التحديث:
MILITIAS IN SYRIA
social media

بينما حمل المُشيعون نعشَ أحد قادة "حزب الله" المقتولين، هرعوا لمسح الدماء التي لا تزال تتقاطر من جسده، فقد تمَّ غُسلُه بصورة متعجلة، بعد أن أُحضِر على عجل من ساحات القتال في حلب إلى مستقره الأخير في لبنان.

في الوقت الذي تتصدر فيه الطائرات الحربية والصواريخ والقنابل الروسية العناوين الرئيسية بالأخبار التي تتحدث عن التدخل الأجنبي في الصراع في سوريا الذي دخل عامه الخامس، فإن آلاف المقاتلين بالقوات البرية المؤيدة للرئيس بشار الأسد هم أيضاً من خارج البلاد، بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.

هؤلاء المقاتلون هم جزء من القوة الكبيرة والمتزايدة للميليشيات الشيعية القادمة من لبنان والعراق وإيران وغيرها من البلاد، التي ترى أن الحرب في سوريا هي صراع أيديولوجي وإقليمي ضد خصومهم السنة.


تزايد نفوذ الميليشيات


عادةً ما كانت تحاول الميليشيات الشيعية غير السورية الحفاظ على أنشطتها مستترة، ولكن جرأتها في الإعلان عن دورها في الصراع السوري قد تزايدت. هذا الأسبوع، قالت إيران، أقوى حلفاء الأسد، إن ألفاً من رجالها قتلوا في سوريا، في إعلانٍ غير معهود جذب الانتباه إلى الدور العسكري الإيراني في سوريا، دور كانت إيران تُغلِّفه بالسرية.

وفي الأسبوع الماضي، نشر تنظيم "حزب الله" الشيعي اللبناني المدعوم من قِبَل إيران صوراً لعرضٍ عسكريٍ ضخم خارج لبنان، عبر الحدود على الأراضي السورية.

عندما مرَّ موكب جنازة القائد بتنظيم "حزب الله" بقريته في أحد جبال لبنان بالقرب من بيروت الشهر الماضي، تهامس بعض أقاربه متسائلين عما إذا كان يجب على أحبائهم القتال في دولةٍ أجنبية. ولكن الآخرين أشادوا بدوره في معركة حلب، المدينة المُحاصَرَة في شمالي سوريا.

قال أحد أقارب القتيل لمراسل صحيفة "فيننشيال تايمز" بالجنازة إنَّه "لم يكن من الأمر بُد. لو أنهم لم يذهبوا للقتال بسوريا، لكان تنظيم داعش قد وصل إلى هنا بالفعل وقام بذبحنا جميعاً".

كانت الثورة السورية ضد حكم عائلة الأسد المستمر منذ أربعة عقود قد بدأت عام 2011، ولكن الثورة سرعان ما تحولت إلى صراعٍ طائفي، إذ أصبحت سوريا وجهةً للمقاتلين غير السوريين الذين تحركهم الأيديولوجية.


صراع إقليمي


تعكس أيضاً هذه الجماعات المسلحة العديدة التي انضمت للقتال في سوريا الصراع الإقليمي بين إيران، ذات الأغلبية الشيعية، وبين الدول السنية كالسعودية وقطر وتركيا، التي تشارك في الصراع في سوريا. إذ توفر هذه الدول السلاح والدعم للثوار السوريين، بينما تدعم إيران بعض الميليشيات الشيعية.

هذه الثورة، التي تقودها الأغلبية السنية في سوريا، جرَّأت الإسلاميين الذين تمكنوا من تَصَدُّر المشهد الثوري، وجذبت عدداً كبيراً من المقاتلين المتطرفين غير السوريين للانضمام إلى الفرع التابع لتنظيم القاعدة بسوريا، وكذلك تنظيم داعش المُنشَق عنه.

أما بالنسبة للميليشيات الشيعية، فقد هرعت للوقوف إلى جانب بشار الأسد، حليف إيران القديم، وأحد أفراد الطائفة العلوية، إحدى الأقليات السورية التي ترتبط بالمذهب الشيعي.

بررت الميليشيات الشيعية وجودها في سوريا في البداية بحاجتها للدفاع عن المزارات الشيعية المقدسة هناك، وكذلك الدفاع عن المناطق التي تهدد أمنها، كتدخل "حزب الله" على طول الحدود اللبنانية السورية سهلة الاختراق. وكان الحرس الثوري الإيراني قد أعلن رسمياً عن إرساله لعددٍ غير مُحَدَّد من المستشارين العسكريين لدعم النظام السوري. ولكن العديد من المراقبين يعتقدون أن إيران تستغل الصراع في سوريا لزيادة نفوذها بالمنطقة.


بسط النفوذ


وينوه فيليب سميث -الباحث بجامعة ميريلاند ورئيس تحرير مدونة "موكب حزب الله"- إلى ظهور فرع لتنظيم "حزب الله" في سوريا، كمثالٍ على محاولات إيران لبسط نفوذها. إذ يوجد مقاتلو "حزب الله" في العديد من نقاط التفتيش في بعض أجزاء العاصمة السورية دمشق، رافعين علم الفرع السوري للتنظيم.

ويقول سميث إنَّ "التأثير الأوسع لتمدد تنظيم حزب الله في سوريا ليس فقط هو قدرة إيران على نشر مقاتليها غير السوريين هناك، ولكن أيضاً ما سينتج عن ذلك من نفوذ دائم لإيران في سوريا، وهو نفوذ لن يستطيع الأسد إزاحته بسهولة".

يُقَدِّر سميث عددَ المقاتلين الشيعة غير السوريين في سوريا بحوالي 15500 إلى 25 ألف مقاتل، بينما من الناحية الأخرى يُقَدَّر عدد المقاتلين السُّنَّة الذين انضموا للجماعات الجهادية من خارج سوريا منذ بداية الحرب بحوالي 27 ألف مقاتل.

ولكن عددَ المقاتلين السُّنَّة من خارج البلاد في انخفاضٍ مستمر، وذلك لقيام تركيا بتشديد الإجراءات الأمنية على حدودها مع سوريا، بينما لم يتوقف تدفق المقاتلين الشيعة إلى سوريا.

الهجوم الأخير للنظام على مدينة حلب، والمنقسمة بين قوات النظام في الغرب والثوار في الشرق، التي يعتبر النظام السيطرة عليها أحد المراحل الأساسية في حسم الصراع، يوضِّح الدور المتزايد للميليشيات في سوريا.

إذ تشير بعض التقديرات إلى وجود 5000 مقاتل من خارج سوريا يقاتلون بالمدينة بجانب قوات الأسد، أتوا للقتال من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان وإيران.

يُرجِع العديد من الأشخاص سبب هذا العدد الكبير للمقاتلين غير السوريين إلى قلة عدد المواطنين السوريين الذين يمكن للنظام تجنيدهم في الجيش، فالرجال يتجنبون التجنيد، وعددٌ كبير منهم قد فرَّ خارج البلاد.

بالنسبة للمقاتلين القادمين من العراق، ربما تكون الدوافع المادية قد تفوقت على نظيرتها الأيديولوجية.


دوافع مادية


ففي الأحياء الشيعية الفقيرة بمدينة البصرة في جنوب العراق، تعلو الأعلام فوق العديد من المنازل، لتشير إلى استشهاد أحد أفراد المنزل أثناء القتال. وبينما قُتِلَ العدد الأكبر منهم أثناء القتال في صفوف ميليشيات الحشد الشعبي ضد تنظيم داعش في العراق، يرى من يمرون بضائقةٍ مالية أن الخيار الواضح هو الانضمام إلى الصراع في سوريا.

إذ يقول علي، أحد مواطني البصرة، ويبلغ من العمر 23 عاماً، إنَّ "هناك قبولاً بشكلٍ غير طبيعي لفكرة القتال، ليس فقط في صفوف الحشد الشعبي، ولكن في سوريا أيضاً، وذلك لأن المنضمين للقتال يحصلون على الكثير من المال". طبقاً لعلي، على الأقل واحد من أقاربه ذهب للقتال في سوريا.

وأضاف قائلاً: "يذهب عددٌ كبير من الشباب حالياً إلى سوريا، وذلك لأنه من المفترض أنهم يحصلون على 1300 دولار مقابل القتال لفترة تتراوح بين 45 إلى 55 يوماً".

ويقول مواطنو البصرة إنَّ الأشخاص الذين يقومون بتجنيد شباب المدينة يترددون على مناطقهم باستمرار، وإن عروضهم أصبحت أيضاً تشمل اليمن، حيث يقاتل المتمردون الحوثيون، الذين تربطهم علاقاتٍ ضعيفة بإيران، القوات الموالية للحكومة اليمنية المنفية، التي تدعمها السعودية.

بالنسبة لأحد أقارب علي، ويعمل سائق تاكسي، كان السفر للقتال في سوريا كافياً لتلبية احتياجاته المالية. ولكن علي ما زال مستاءً من الأمر، ويقول إنَّ "هذا خيارٌ متاح بالنسبة لهم، ولكني أيضاً أرى أن الأمر شبيه بالاتجار بالبشر".

الموضوع مترجم عن صحيفة "Financial Times" البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.