"أريد الخروج أخاف على بناتي من البرد".. صرخة أمٍّ هاربة من داعش في الموصل تجسِّد معاناة النازحين

تم النشر: تم التحديث:
MOSUL
TOPSHOT - Iraqi refugees, mostly fleeing the northern city of Mosul, now held by the Islamic State (IS) group, stand at a new camp on the outskirts of the Syrian town of Ras al-Ain, near the border with Turkey, on February 2, 2016. The Islamic State group overran large areas north and west of the Iraqi Baghdad in 2014, and Iraqi forces are battling to push the jihadists back. / AFP / DELIL SOULEIMAN (Photo credit should read DELIL SOULEIMAN/AFP/Getty Images) | ASSOCIATED PRESS

تقف بشرى طلال، بعد أيام من فرارها من تنظيم "الدولة الإسلامية"(داعش) في مدينة الموصل، على طريق ترابية موحلة بين خيم النازحين في الخازر، وتهتف بأعلى صوتها "أريد الخروج، أخاف على بناتي من البرد".

وصلت بشرى إلى مخيم الخازر شرق الموصل برفقة بناتها الثلاث قبل أيام، بعدما فرت من حي السماح في الموصل التي شهدت قبل عامين مقتل زوجها على يد الجهاديين.


ماما أشعر بالبرد


في الخيمة التي تسكنها مع بناتها، وأكبرهن في الـ13 من العمر، تبكي طفلة بشرى ليلى وتنادي والدتها "ماما أشعر بالبرد، ماما أشعر بالبرد".

تنهمر دموع الأم لإحساسها بالعجز وتقول لوكالة الصحافة الفرنسية "البرد أنهكنا، بناتي مرضن من الإسهال والقيء".

وتضيف المرأة الشابة (30 عاماً)، التي أحيطت بكثيرين للتعبير عن التضامن، أن "المياه باردة، لا يستطعن حتى الاستحمام أريد فقط الخروج، لسنا في سجن أبو غريب".

وتتابع وقد لفت رأسها بحجاب أصفر يكسر سواد عباءتها التقليدية "ذهبت لأرى مسؤول المخيم وأطلب منه أن نخرج من هنا، لا أريد أن يموت أولادي من البرد".

طوال أكثر من عامين سيطر خلالها تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل، آخر معاقل الجهاديين في العراق، عانى سكان المدينة من الممارسات الوحشية والقيود الصارمة التي كانت تفرض عليهم.

ونزح أكثر من 70 ألف شخص منذ بدأت القوات العراقية عمليتها العسكرية لاستعادة الموصل في 17 تشرين الثاني/أكتوبر.

وتعيش غالبية النازحين في مخيمات تزداد قدراتها الاستيعابية يومياً.


"أيدينا تشققت"


عند مدخل مخيم الخازر، وضعت عشرات الصناديق التي تحوي مدافئ جديدة بعضها فوق بعض، استعداداً لتوزيعها على النازحين الذين يعيشون في مئات الخيم البلاستيكية بأبوابها المتطايرة الشبيهة بالستائر.

وتؤكد المسؤولة في مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العراق كارولين غلاك أن المفوضية وزعت "3300 جهاز تدفئة" على مخيمي الخازر وحسن شام (شرق الموصل)، فيما يؤوي الأول "28992 شخصاً" والثاني "10860 شخصاً".

لكن نزلاء المخيم يشككون بفائدة تلك الأجهزة في ظل نقص الوقود والبرد القارس.

عند سؤاله عن البرد، يرد إدريس جبر (46 عاماً) من حي عدن الذي استعادته القوات العراقية قبل يومين في شرق الموصل، "لا تسألوا حتى!".

ويضيف "ليس هناك كهرباء، لا غاز ولا مازوت، ولا حتى أدوية إذا مرض الواحد منا من البرد".

لا يزود مخيم الخازر بالكهرباء إلا لأربع ساعات فقط خلال العصر، وليس في كل الخيم، وفق ما يقول نازحون كثر.

وتؤكد الأمم المتحدة أنها تسعى إلى تحسين ظروف النازحين مع حلول شتاء عادة ما يكون قاسياً، فتتدنى درجات الحرارة إلى أقل من الصفر مصحوبة بأمطار غزيرة وثلوج.

وتشير غلاك إلى أن "مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بدأت الشهر الحالي حملة لزيادة الدعم خلال الشتاء للنازحين العراقيين الجدد".

ولفتت إلى أن الأمم المتحدة وزعت الأسبوع الماضي بطانيات وأجهزة تدفئة وبسطاً للأرض وأغطية بلاستيكية وغيرها من المستلزمات على النازحين في مخيم حسن شام.

في مخيم الخازر، حيث تغيب أيضاً التجهيزات الضرورية، تشكو النساء من المياه الباردة التي يستخدمنها لغسل الأطباق أو الثياب أو الاستحمام.

وتقول علية زنون (56 عاماً) وهي تغسل الأطباق في وعاء كبير أمام خيمتها، "متنا من البرد، أيدينا تشققت وامتلأت بالفطريات من المياه الباردة".

أما خلال الليل، "فلا يستطيع الواحد منا إخراج رأسه من تحت الغطاء، نتكوم في مكاننا سعياً إلى الدفء"، بحسب ما تضيف.

على الطريق الترابية الموحلة بين الخيم، حيث ينتشر الغسيل على الحبال الواصلة بينها، يلهو الأطفال مرتدين قطعاً عدة من الثياب طلباً للدفء.

وتقول وردة مرعبي (71 عاماً) "لا نستطيع أن نفتح أيدينا من البرد، كيف سيتحمل الأطفال؟".


"سأموت"


نزحت فاطمة حسن عمر (38 عاماً) مع عائلتها وأطفالها الستة إلى مخيم الخازر قبل 23 يوماً، هرباً من المعارك قرب قريتها علي رش في ناحية برطلة شرق الموصل.

ومذذاك، تعاني يومياً جراء انخفاض درجات الحرارة.

تجلس فاطمة في خيمتها، وإلى جانبها اثنتان من بناتها وآخرون من أفراد عائلتها، وخلفها صندوق يحوي مدفأة لم تستخدم بعد، وبعض البطانيات المطوية في خيمة شبه فارغة إلا من بعض الصحون والأكواب.

تقول "أعطونا مدفأة، لكنها ما زالت في الصندوق، لا وقود ولا كهرباء، فكيف نستخدمها؟".

وتضيف "حصلت البارحة على بعض الكاز من جيراننا في الخيمة المجاورة لأسخن الأكل ونتدفأ قبل أن ننام فخلال الليل البرد قارس، وليس هناك سوى بطانية واحدة لكل شخص".

ترتدي فاطمة حجاباً أزرق وعباءة مخملية فوقها معطف أسود، وتضع يدها على قماش الخيمة قائلة "خلال الليل، تهتز الخيمة كلها (...) إذا ساء الوضع وبات الجو عاصفاً ستنهار طبعاً".

تعرب فاطمة عن خشيتها على أولادها "أخاف على أولادي، طفلي يعاني من الإسهال".

تشير إلى قريبتها الجالسة إلى جانبها وتردد "أخاف على الحجة".

تنضم "الحجة" مريم سفر (71 عاماً) إلى الحديث، وأمامها موقد صغير وضعت عليه إبريقاً من الشاي، تقول "حين يأتي المطر سأموت".