صحيفة أميركية: المنطقة الآمنة التي تسعى لها تركيا في سوريا ستؤثر على المعركة ضد داعش

تم النشر: تم التحديث:
S
s

في مكانٍ ليس ببعيد عن الميدان الذي قام فيه سابقاً جلادو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بتنفيذ بعض الإعدامات العلنية، رفع الثوار السوريون رايةً تعلن بداية عهدٍ جديد، يعبرون فيها عن ترحيبهم بالمنطقة الآمنة التي أقامتها تركيا شمالي سوريا بمدينة جرابلس، والتي تحدث عنها العديد من الأشخاص على هاشتاغ "#safehaventurkey" على تويتر.


الأتراك يُريدون منطقة آمنة للمدنيين


حتى أواخر شهر أغسطس/آب، كانت هذه المدينة الحدودية بوابة استراتيجية لدخول الإمدادات والمقاتلين الأجانب القادمين للانضمام إلى الدولة المزعومة لتنظيم داعش، التي تتقلص مساحتها حالياً باستمرار، نتيجة للعمليات العسكرية ضد التنظيم. الآن، أصبحت هذه المدينة هي حجر الأساس في خطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -التي تشعر تجاهها الولايات المتحدة الأميركية بالقلق- لتحويل مساحة واسعة من شمالي سوريا إلى منطقةٍ آمنة للأشخاص الفارين من العنف والمعارك، وفق ما جاء في صحيفة وول ستريت جورنال.

أحد المقاتلين السوريين، ويُدعَى أبو زكريا، تحدث لصحيفة "وول ستريت جورنال" عن الرئيس التركي أردوغان، أثناء حراسته لمبنى تابع للثوار، تم وضع ملصق كبير للرئيس التركي بجانب بوابته الأمامية، قائلاً: "إنَّه يساعدنا في بناء سوريا جديدة. هذه ليست سوى البداية".

لكن وفق صحيفة "The Wall Street Journal" هذه العملية التي يقوم بها الجيش التركي تشكل ضغطاً على التحالف الأوسع، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم داعش، والذي يمر الآن بمرحلةٍ حرجة، إذ يحاول التحالف حالياً طرد مقاتلي التنظيم خارج مدينة الموصل، آخر معاقل التنظيم الكبرى بالعراق، وأيضاً خارج مدينة الرقة، عاصمة التنظيم الفعلية بسوريا.

هذا الأسبوع، وطبقاً لبعض المسؤولين الأميركيين، اشتبكت قوات الثوار السوريين التي تدعمها تركيا مع المقاتلين الكرد المدعومين من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية، وذلك أثناء محاولة الطرفين لانتزاع السيطرة على مدينة الباب الاستراتيجية في شمال حلب من يد تنظيم داعش.

وتخشى إدارة الرئيس الأميركي أوباما من أن تؤدي هذه المواجهات بين الطرفين إلى شغل القوات الكردية السورية عن الهجوم على مدينة الرقة، مما سيؤدي إلى تباطؤ سير المحاولة الحالية للتحالف لتوجيه ضربة حاسمة لتنظيم داعش.

وقال أحد المسؤولين العسكريين الأميركيين الثلاثاء 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عن هذا الأمر: "لدينا بعض الحلفاء والشركاء الذين لا يتقبلون بعضهم البعض ولا تتفق مصالحهم. ونحن نريد أن نتأكد من تركيز جميع الأطراف باستمرار على هزيمة تنظيم داعش".

وبينما تُعَد قوات الكرد من أكثر حلفاء أميركا فاعليةً في القتال ضد تنظيم داعش، إلا أن أردوغان ينظر إليهم كإرهابيين، ويعتبرهم تابعين لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا. ولكن المسؤولين الأميركيين يقولون إنَّ القوات الكردية السورية منفصلة عن حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره واشنطن أيضاً منظمة إرهابية.


عملية درع الفرات وأهدافها المرجوة


وسط هذه المناوشات بين الطرفين، تمكنت عملية درع الفرات التي أطلقها الجيش التركي من تحقيق هدفين من أهداف أنقرة: وقف الهجمات الصاروخية التي يقوم بها تنظيم داعش على المدن التركية الحدودية، والفصل بين المنطقتين اللتين تسيطر عليهما القوات الكردية السورية، وترغب في تحويلهما إلى شبه دولة خاصة بها، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة التركية بشدة لما تواجهه من اضطرابات في مناطق الأكراد بتركيا.

طبقاً للمسؤولين الأميركيين، يقوم عددٌ قليل من القوات الأميركية بمساعدة تركيا في تنسيق هجماتها الجوية والتخطيط للمعارك، ولكن الدبابات التركية قامت بالتقدم داخل سوريا بشكلٍ أعمق مما توقعته الولايات المتحدة الأميركية في البداية.

ويقول الجيش الأميركي إنَّه لم يقم بدعم المحاولات التركية للسيطرة على مدينة الباب بسبب عدم تنسيق تركيا مع أميركا بشأن هذا الأمر.


ترامب يريد منطقة آمنة أيضاً


يأمل المسؤولون الأتراك في أن تلقى خططهم قبولاً أكبر لدى الولايات المتحدة الأميركية، حينما يتولى الرئيس المنتخب ترامب السلطة في شهر يناير/كانون الثاني القادم. فقد تعهد ترامب في حملته الانتخابية بإقامة منطقة آمنة كبرى في سوريا، ويوحي اختياره للجنرال المتقاعد مايك فلين لشغل منصب مستشار الرئاسة للأمن القومي باحتمالية تطوير العلاقات مع تركيا، أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ولم يستجب مايك فلين أو مكتب ترامب الصحفي لطلب صحيفة "وول ستريت جورنال"، بالتعليق على هذا الأمر حتى الآن.


أردوغان يطالب منذ سنوات بمنطقة آمنة


كان أردوغان يضغط لسنواتٍ عديدة من أجل إقامة منطقة آمنة معزولة شمالي سوريا لملايين المدنيين الفارين من المعارك. ولكن إدارة أوباما رفضت الخطة، متعللةً بخطرها الشديد، وأرجعت ذلك الرفض جزئياً لاحتمالية تسبب خطةٍ كتلك في وضع الطيارين الأميركيين في مرمى نيران القوات الروسية التي تدعم الرئيس السوري بشار الأسد.

في مثالٍ صارخ على المخاطر الشديدة لهذه الخطة التركية، قال الجيش التركي، يوم الخميس 24 نوفمبر/تشرين الثاني، إنَّ ثلاثةً من جنوده قد قُتِلُوا وأُصِيبَ عشرةٌ آخرون فيما يبدو أنه هجومٌ للنظام السوري. ولم يوفر الجيش التركي أية تفاصيل بشأن الهجوم. وكذلك لم تتمكن الصحيفة من التواصل مع السلطات السورية للتعليق على هذا الأمر.


أردوغان أفشل الانقلاب وبدأ بالعمل على المنطقة الآمنة


لكن الوضع في تركيا تغير في شهر يوليو/تموز الماضي، عندما استطاع أردوغان إيقاف محاولةٍ فاشلة للانقلاب عليه. وبعد تطهير الجيش التركي، من الضباط الذين كان من بينهم من عارضوا العملية في سوريا، بدأ الرئيس التركي بتنفيذ العملية في نهاية شهر أغسطس/آب، ولكن بصفوف أقل عدداً.

يخشى مسؤولون غربيون من عدم امتلاك أردوغان للعدد المطلوب من الجنود بسوريا لحماية المنطقة الآمنة التي يخطط لها، التي تمتد لمساحة 2000 ميل مربع. ويقدر المسؤولون الأميركيون عدد المقاتلين السوريين الذين تتعاون معهم تركيا بحوالي 1000 مقاتل وفقاً للصحيفة، وهو عدد أقل بكثير من تقديرات البنتاغون للعدد المطلوب لحماية المنطقة الآمنة، الذي يصل إلى 30 ألف جندي.

ويعترف المسؤولون الأتراك باحتياجهم للدعم الدولي للنجاح في تنفيذ تلك العملية. وهو ما عبَّر عنه أحد مستشاري أردوغان قائلاً: "لا يمكن لتركيا تحقيق ذلك بمفردها. نحتاج إلى الاتفاق مع روسيا وأميركا بشأن هذا الأمر".


روسيا لم تعترض على خطط تركيا


لم تُعلن روسيا حتى الآن اعتراضها على الخطط التركية المتعلقة بإنشاء المنطقة الآمنة. وتعمل الدولتان منذ فترة على إصلاح العلاقات بينهما، التي تضررت بشدة العام الماضي، حين قامت إحدى الطائرات الحربية التركية بإسقاط طائرةٍ حربيةٍ روسية أثناء تنفيذها لهجماتٍ جوية قرب الحدود التركية السورية. ولم ترد وزارة الدفاع الروسية على طلب صحيفة "وول ستريت جورنال" بالتعليق بشأن هذا الأمر حتى الآن.

وقال مسؤولٌ غربي آخر، إنَّه ليس هناك حتى الآن ما يشير إلى استعداد تركيا لنشر المزيد من قواتها بسوريا.

وكانت قوات الثوار السوريين الحليفة لتركيا لم تواجه سوى مقاومةٍ ضعيفة أثناء تقدمها للسيطرة على المنطقة شمال شرقي حلب، التي تبلغ مساحتها أكبر من 650 ميلاً مربعاً، بدايةً من مدينة جرابلس.

ولكن مؤخراً، أصبح القتال أكثر صعوبة. إذ أقام تنظيم داعش دفاعات حصينة حول مدينة الباب. وطبقاً للحكومة التركية والوكالات الإخبارية التي تديرها الحكومة، فقد خسرت تركيا هذا الأسبوع حوالي 14 قتيلاً وعدة دبابات في سوريا.

ويقول السكان بالمدينة إنَّهم ما زالوا يشعرون بالقلق بخصوص الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش بالمدينة. ولم يتم إعادة تشغيل مخبز المدينة الذي نهبه مقاتلو التنظيم حتى الآن.

وعلق محمد حبش، الرئيس الجديد لمجلس مدينة جرابلس، على الدور التركي قائلاً: "لقد كان تدخل تركيا حيوياً بالنسبة لنا. ولكننا نحتاج أكثر إلى المساعدة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.