عنف الوالد، أم حبُّه، أم تجاهل المسؤولين؟!.. رحلة للبحث عن الأسباب الحقيقية لمقتل بطلة المصارعة المصرية ريم مجدي

تم النشر: تم التحديث:
4
4

من قتل ريم مجدي بطلة المصارعة المصرية التي لم تتجاوز الخامسة عشرة من العمر؟ هل ماتت منتحرة كما يقول البعض؟ أم فقدت حياتها لحبها لأبيها؟ أم قتلها الضغط العصبي بسبب لوم الأب عقب تدريب فاشل وتجاهل المسؤولين؟

الحقيقة وراء مصرع بطلة المصارعة المراهقة لا تزال غائبة، ربما لا يكشفها تشريح جثتها، ولا احتجاز أبيها، ولكننا سعينا لسماع كل الشهادات حول القصة المتضاربة لموت هذه الفتاة التي لم تعد قادرة أن تحقق حلم أبيها بحصد ميدالية أوليمبية.


للمأساة وجوه


القصة حسب رواية عم الطفلة يلخصها المثل القائل "ومن الحب ما قتل".. فقد تحدث في أحد لقاءاته عن سر العلاقة بين الطفلة ووالدها، والتى انتهت بقفز "ريم" من السيارة -حسب إحدى الروايات- مما أودى بحياتها إثر إصابتها بنزيف فى المخ، وفقاً للتقرير المبدئي للطب الشرعي.

والد "ريم" أصبح الآن محتجزاً لدى النيابة بسبب رواية تختلف عن تلك السابقة، فتهمته هي "ضرب أفضى إلى موت"، وقصته مع ابنته تشغل الإعلام الذي لم ينشغل قبل فترة بسيطة بفوز الفتاة ببرونزية بطولة العالم للناشئين بجورجيا، وذهبية بطولة أفريقيا للمصارعة للناشئات في الجزائر.

هناك كذلك رواية ثالثة كانت انتشرت في البداية، حيث أعلنت الصحف أن الفتاة ماتت في حادث سير، ثم ما لبثت والدتها أن فجرت مفاجأة في النيابة عندما قالت أن ابنتها قفزت من السيارة بعد تعنيف والدها لها على أدائها في التدريب ذلك اليوم "الجمعة الماضية". ومن وقتها لم تتوقف الشائعات ما بين اتهامات لوالدها بمعاملة سيئة لابنته دفعتها للانتحار، ووجهة نظر أخرى تنفي ذلك.

"هافينغتون بوست عربي" زارت مدينة الإسماعيلية حيث تعيش أسرة الطفلة المتوفاة، لتسمع شهادات أطراف مختلفة عن "ريم" وعلاقتها بـ"مجدي"، والدها ومدربها.


في عزبة المنشار لا يعرفهم أحد




photo

فى الكيلو 11 من محافظة الإسماعيلية، طريق خال من البشر تسير فيه السيارات بسرعة كبيرة، قائد السيارة أخبرني أن حوادث المرور تقع بشكل شبه يومي تضيع فيها الأرواح، ومنها حادث "ريم" التي سمع أنها توفيت هنا في حادث سير، بعد كيلومتر واحد ظهرت لافتة تحمل اسم "عزبة المنشار" لتظهر منازل متفرقة وسط رقعة زراعية أغلبها بالطوب الأبيض، ومعظمها مغطى بالخوص.



photo

أوصلني دليل إلى منزل "ريم" أكبر المنازل في المنطقة يحيط به سور مرتفع وله بوابة حديدية كبيرة، طرقت الباب فلم يجب إلا نباح عدد من الكلاب بالداخل.



photo

أمام الباب المواجه لمنزل "ريم" جلست "أم إبراهيم" وطفلاها وسيدة تحتسيان الشاي. قالت إن سائق التوك توك أخبرها أن ابنة "الكابتن" توفيت في حادث "ميكروباص" على الطريق أمام العزبة. وأوضحت أنها كانت ترى "مجدي" وزوجته وبناته يومياً يستقلون السيارة فى السابعة صباحاً، ويعودون في المساء، ولم يحدث بينهم أي احتكاك قائلة إن ما تعلمه أنه "كابتن" فى الإسماعيلية.



photo


صديق وحيد بالمنطقة


"والله كان يعبدها عبادة".. هكذا تحدث الحاج قدري الصعيدي الذي تجاوز الستين من العمر، ويسكن على بعد أمتار من منزل "ريم" والشخص الوحيد في المنطقة الذي كان يتحدث معه "مجدي"، موضحاً أن والدها كان يطلب منه دائماً الدعاء لها، وكان لا يتحدث إلا عنها، وكلما فازت فى مسابقة أتى إليه وهو فرح ليقول له "شفت ريم يا جدي عملت إيه؟"، مضيفاً "ما كان يفارقها أبداً، وكان يخشى على أولاده من الهواء، ولذلك بنى سوراً عالياً حول المنزل وكان يأخذهم يومياً معه إلى المدينة -زوجته وابنتاه وريم- ولا يتركهن وحدهن في البيت".

وأوضح "قدري" أنه علم بوفاة "ريم" بعد قدوم الشرطة للسؤال عن منزل "مجدي"، قائلاً أنه ذهب للجنازة وكان والدها في حالة يرثي لها، مشيراً إلى أنه لم يره منذ يوم الأحد الماضي ولا يعلم عن أمر حبسه شيئاً.


أبوها لا يفارقها


في الشارع الرئيسي عدد من المحلات الصغيرة أكبرها سوبر ماركت سيد عبد الباري الذي كانت تذهب "ريم" إليه بصحبة والدها لشراء لوازم المنزل وبعض الحلوى، "سيد" قال إنها كانت فتاة هادئة وكلامها محدود، تأتي لتشتري ما يلزمها، وكان والدها ينتظرها بالسيارة لتركب معه ويرحلان معاً، مشيراً إلى أنه لم يشاهد بينهما في أي يوم مشادة أو رفع صوت من جانب والدها.

أما في مدينة الإسماعيلية فإن ذكر اسم "مجدي كابوريا" –اسم الشهرة لوالد ريم- يكفي لكي تجد من يدلك على عنوان منزل أهله.. سائق التاكسي قال لي: "مافيش حد في الإسماعيلية ما يعرفش مجدي كابوريا دا كان راجل شقي"- موضحاً أن شهرته الواسعة بسبب قوته فى ممارسة لعبة المصارعة، مشيراً إلى أنه شاهد منذ عشر سنوات "سكان شارع بأكمله يفرون هرباً من أمام مجدي".

فوالد ريم ومدربها "مجدي سويف" كان بطلاً في رياضة المصارعة في التسعينيات من القرن الماضي وحقق عدة ميداليات منها برونزية كأس العالم بالمجر وفضية دورة البحر المتوسط بفرنسا  1993.


تمنت لقاء "السيسي" لتشكو إليه عدم التكريم


قالت أميرة عبدالحكيم ابنة عم والد ريم إن آخر لقاء جمعها بريم كان بعد عودتها من بطولة أفريقيا في يونيو الماضي، وأنها اشتكت لها من تجاهل المسئولين بعد فوزها بالبطولة. وكانت تتمنى لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتشكو إليه من عدم تكريمها. وأوضحت أن "ريم" مارست لعبة المصارعة حباً في والدها. فمنذ كان عمرها 4 سنوات كانت تطلب منه اللعب ولكنه لم يسمح لها إلا عندما بلغت العاشرة لتحقق فى خمس سنوات 9 بطولات جمهورية وبطولة أفريقيا وبرونزية العالم. وأكدت أنها كانت بالنسبة لوالدها "حلمه.. ولن يقتل أحد حلمه بيده كما تتناثر الأخبار"، على حد تعبيرها، مشيرة إلى أن والدة "ريم" أخبرتها فى العزاء أن ابنتها لم تتلق تكريماً أو أي مستحقات عن البطولات التي حققتها، وهو ما أثر على نفسيتها منذ عودتها من بطولة العالم في سبتمبر الماضي.

وقالت أميرة إن والد ريم "كان يعشقها.. ووفقاً لما روته لها والدتها فإنها يوم التدريب أدت حركة خطأ وفي الطريق عنفها بأن مستواها قل بعد بطولة العالم فقامت بفتح باب السيارة كنوع من التهويش، فاختل توازنها وسقطت، ولكنها كانت بخير. فأخذوها وعادوا إلى النادي لمقابلة مدربها الآخر علاء عبد الشافي وتحدث معها لتهدئتها وعادوا للمنزل. وفي الطريق أخبرت ريم والدها ووالدتها أنها تشعر بدوار فتوجها للمستشفى بالإسماعيلية ليخبرهم الطبيب هناك أنها توفيت.

وقالت "أميرة" إن والدها لم يقل الحقيقة في البداية خوفاً من تشويه صورة ابنته التي لم تأخذ حقها فى الدنيا، ولكن مع شعور والدتها بتأنيب الضمير اصطحبها عمها للنيابة للإدلاء بشهادتها حتى تطمئن.


"لو أبوها بره مكنش حد شرحها"


الحاج منصور عم والد ريم وكبير العائلة، قال إن ريم بالنسبة لوالدها كانت "نور عينه وروحه التي بذل مجهوداً حتى أوصلها لما وصلت إليه، كما أنها أيضاً هي التي أعادته للحياة بعد أن ترك اللعبة لسنوات"، وأوضح أنه منذ عامين وبعد أن بدأ نبوغ "ريم" فى اللعبة انتقل والدها للعيش في الكيلو 11 ،"بعيداً عن الدوشة لكي يستطيع التفرغ لها وتهيئة الجو لكي تحقق حلمه في ميدالية اوليمبية، ولذلك أسس لها صالة رياضية داخل منزلهم".

وتعجب كبير العائلة من الاتهامات التي تتناثر حول تعذيب مجدي لابنته أو قتله لها ، قائلاً "هما ميعرفوش ريم عند أبوها إيه"، وروى أنه يوم الجنازة فقد والدها النطق لعدة ساعات وبعد أن استطاع الحديث طلب منه البحث عن "ريم" وإحضارها، وفي اليوم الثاني للوفاة أعادوه من المقابر وهو ينادي عليها هناك.

واستنكر الحاج "منصور" تشريح جثمان حفيدته، مؤكداً أنه لو لم يكن والدها محبوساً ما استطاع أحدٌ "إخراجها من المقبرة ونشرها بالمنشار كما حدث، حتى لو وقفت ضده الحكومة بأكملها".


"شائعات التعذيب وراءها العمة"


وأوضح "منصور" أن شائعات تعذيب "ريم" مصدرها عمتها رضا محمود يوسف، التي أجرت مداخلة مع الإعلامي المصري وائل الإبراشي باسم الحاجة "نور" لتتهم والدها بتعذيبها.

وقال إن هناك خلافات بينهما لذلك فهي تريد تشويه سمعة أخيها، رغم أنها تعيش في مدينة الغردقة ولم تر "ريم" تقريباً طوال حياتها.

وحاولت "هافينغتون بوست عربي" لقاء والدة "ريم" وعائلتها لوالدتها ولكنهم رفضوا الحديث.


"هم ليه بيحاربوني".. رسالة ريم الأخيرة للمسؤولين


ومن جانبها قالت سماح علي نائب رئيس مركز شباب الإسماعيلية ومسئول المصارعة فى المركز، وإحدى المقربين من"ريم" إن ما حدث يوم الحادث هو مجرد تعنيف من مدرب للاعبة وهو أمر طبيعي يحدث في كل أنحاء العالم، مشيرة إلى أن "ريم" اجتازت التدريب ولكنها للمرة الأولى في حياتها تحسب عليها نقاط في مصر.

وأوضحت سماح أن من يعلم علاقة "ريم" بوالدها لن يتصور أن يكون سبباً في وفاتها، فقد "كانت محور حياته وأعادته للبساط بعد سنوات كثيرة ابتعد فيها عن اللعبة". وقالت إن "ريم تعشق والدها وتفهمه من نظرة عينيه"، معتقدة أن سبب أزمتها النفسية يوم الحادث شعورها بأنها خيبت أمله فيها وهي لم تقبل يوماً أن تخذله حتى أنها كانت تجتهد اجتهاداً غير طبيعي لترضيه . وأكدت أن "ريم" كانت تمر بأزمة نفسية منذ عودتها من بطولة العالم لكونها الوحيدة التي لم تكرم من جانب وزير الشباب والرياضة وكانت تقوله لها "هم ليه بيحاربوني".


في المدرسة لا يعلمون أنها بطلة




photo

في مدرسة صفية زغلول الإعدادية للبنات بوسط الاسماعيلية ، مدرسة "ريم" كان اليوم الدراسي قد انتهى ورحل أغلب من في المدرسة إلا عدد من الصغيرات ينتظرن موعد المجموعات الدراسية، التقينا "بسمة محمود" صديقة "ريم" فقالت إنها لم تكن تحكي لهن عن بطولاتها وكانت تعاملاتها عادية مع الكل، مشيرة إلى أنها كانت متفوقة في دراستها ولم تكن تغيب عن المدرسة إلا بسبب سفرياتها لخارج البلاد.



photo

زميلات ريم سمعن بوفاتها من التليفزيون، ثم شاهدن مدير المدرسة يبكي في طابور الصباح وهو يعلن نبأ رحيلها.



photo