بعدما وصف السيسي بـ"الرجل الرائع".. هكذا تمثل مصر أزمة للرئيس الأميركي الجديد

تم النشر: تم التحديث:
5
5

يجوب جمال البالغ، من العمر 48 عاماً، كل يوم قريته الواقعة جنوبي القاهرة للقيام بأعمال مؤقتة مقابل مبالغ زهيدة. فقد فُصل جمال من عمله منذ أكثر من عام جراء الأزمة الاقتصادية المتزايدة، رغم أنه يعول 5 أطفال. ويعيش عامل البناء السابق على تبرعات الجمعيات الخيرية وسلات الأغذية منخفضة الأسعار التي توفرها الحكومة ويتولى الجيش توزيعها.

وبين يوم وليلة، وبعد قرار البنك المركزي المصري في وقت سابق من هذا الشهر تعويم الجنيه وإلغاء دعم الطاقة والمحروقات، شهد جمال تضاعف أسعار السلع، ما أدى إلى عدم قدرته على العيش والإنفاق، بحسب ما ذكرت صحيفة "ديلي بيست" الأميركية.

قال جمال وهو يلهث جالساً على جانب الطريق في قرية شمباب: "استيقظت على واقع لا أستطيع أنا وأطفالي العيش من خلاله – كيف أستطيع مجاراة ذلك؟ مصر في حالة تدهور اقتصادي منذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي السلطة. والحكومة لا تعرف ما تفعله. هذا ليس صائباً. لا بد أن يعطوني وسيلة لكسب الرزق، بدلاً من تركي أعيش على التبرعات"، وفق ما نقل تقرير لموقع دايلي بيست الأميركي، الجمعة 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.


إجراءات تقشفية


ويستعد الشعب المصري البالغ تعداده 91 مليوناً لمزيد من ارتفاعات الأسعار وخفض الدعم، حيث اتخذت الحكومة المصرية سلسلة من الإجراءات التقشفية، بما في ذلك تعويم الجنيه، للحصول على قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار الذي هناك حاجة ماسة إليه.

وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية التي تعتمد عليها الفئات الأكثر فقراً جراء النقص الكبير والمزمن في الموجود. وقد تضاعفت أسعار السكر المدعوم من أقل من 4 جنيهات مصرية للكيلوغرام الواحد إلى 7 جنيهات. وارتفع سعر زيت الطهي من 11 إلى 17 جنيهاً.

تعد هذه الدولة المعرضة لأزمة اقتصادية كبيرة، أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في العالم العربي وتحصل سنوياً على مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار – وهي ثاني أكبر دولة تحصل على معونة عسكرية من الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد ناضلت من أجل الحفاظ على الاستثمار الأجنبي وقطاع السياحة في أعقاب ثورة 2011 وسيطرة القوات المسلحة على السلطة منذ عام 2013.

حينما ترشح السيسي لانتخابات الرئاسة ووعد بتحقيق السلام والرخاء والقضاء على الإرهاب والقلاقل والفوضى، تمكن من الوصول إلى السلطة. ومع ذلك، فحينما واجه أزمة اقتصادية متعثرة وانشقاقات وتصاعداً في الهجمات الإرهابية، طالب المصريين بتحمّل المصاعب التي تواجهها الدولة.

ومع ذلك، يبدو أن هناك ما يروق للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب في شخصية السيسي. ففي سبتمبر/أيلول، كان السيسي أحد الزعماء الدوليين القليلين الذين رأى المرشح الديمقراطي دونالد ترامب ضرورة لقائه قبل انعقاد الانتخابات. ووصفه ترامب بـ"الرجل الرائع" والحليف الطبيعي ضمن المنطقة خلال اجتماع معه على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي حديث له مع قناة "فوكس نيوز" بعد بضعة أيام، أشاد ترامب بالسيسي لتمكنه من تولي زمام أمور السلطة عام 2013 وتراجع نفوذ الإخوان المسلمين والقبض على عشرات الآلاف من الشعب وقتل مئات آخرين، وقال إن السيسي "يسيطر على زمام الأمور بمصر بالفعل".

مواقف متوافقة


ويرى ترامب أن هدوء السيسي وإعلانه الحرب على الجهاديين بأي ثمن يتوافق مع موقفه المناهض للإرهاب. وذكر المرشح الجمهوري حينذاك أنه "في ظل إدارة ترامب ستصبح الولايات المتحدة صديقاً مخلصاً، وليست مجرد حليف، تستطيع مصر أن تعتمد عليه خلال الأيام والسنوات القادمة".

وأضاف متحدثاً مع قناة فوكس: "هناك توافق جيد مع السيسي. وهناك مشاعر طيبة بيننا".

وبمجرد ظهور النتائج، كان مكتب الرئيس السيسي تواقاً للإشارة إلى أن السيسي هو أول زعيم في العالم يتصل بترامب كي يهنئه على الفوز في الانتخابات الرئاسية. وبعد استشعار موجة من التغيير، نقل موقع دايلي بيست عن أعضاء البرلمان الموالين للنظام المصري قولهم إنهم كانوا يرغبون في فوز ترامب، بعد أن شعروا بخيانة إدارة أوباما لهم بسبب وقف المساعدات العسكرية فور تولي السيسي زمام الأمور عام 2013.

وقال أعضاء البرلمان إن ترامب يشاركهم الحماسة بشأن القضاء على الجماعات الإسلامية وسيتحرّى بحسّه التجاري الثاقب مواضع الاستثمار الناجح في البلاد.

وأكد السيسي مرة أخرى إشادته بترامب خلال لقاء له السبت الماضي مع وكالة الأنباء البرتغالية LUSA. وقال إنه يتوقع منه أن يشارك "بصورة أكبر" في الأزمات التي تتعرض لها المنطقة خاصة فيما يتعلق بتقديم الدعم إلى مصر.

وقال: "الرئيس ترامب أظهر تفهماً كبيراً لما يحدث بالمنطقة ككل وما يحدث بمصر بصفة خاصة. أتوقع المزيد من الدعم وتعزيز علاقاتنا الثنائية".

ومع ذلك، فهل سيصبح هذا الرجل القوي ذراع ترامب الأيمن في المنطقة بعد تعرض مصر لأزمة اقتصادية متفاقمة وتزايد حجم الشقاق بالداخل؟

لا يحب ترامب أن يدعم الخاسرين؛ وقد يتوصل في مرحلة ما – سواء كان مخطئاً أو صائباً – إلى أنه لن يحقق أي نجاح من خلال تحالفه مع مصر. فقد ناضلت مصر على مدار سنوات عديدة للخروج من الأزمة.

وفي مبادرة منها لدعم الجنيه، استهلكت القاهرة احتياطياتها من العملات الأجنبية، حيث هبط الاحتياطي إلى 19 مليار دولار في الشهر الماضي، أي نحو نصف ما كان عليه قبل اندلاع الثورة. وأدى ذلك إلى تفاقم نقص الدولار، ما أرغم البنوك على وضع قيود متعسفة على إمكانية الوصول إلى العملة الأجنبية، ما أدى بدوره إلى وقف استيراد بعض السلع والمواد الخام، الأمر الذي أحدث نقصاً كبيراً في الإنتاج.

وفي ظل انخفاض أسعار النفط العالمية توقفت المساعدات القادمة من بلدان الخليج. وأدى الخلاف مع المملكة العربية السعودية حول الدعم المتزايد الذي تقدمه القاهرة لروسيا وسياساتها في النزاعات الإقليمية، مثل النزاع السوري، إلى قيام شركة أرامكو الحكومية السعودية إلى وقف كافة شحنات المحروقات الرخيصة منذ أسبوعين، ما أدى إلى تخبط مصر بحثاً عن سد تلك الفجوة.

وحينما واجه البنك المركزي ضغوطاً متزايدة من صندوق النقد الدولي وقطاع الأعمال، تخلى البنك عن سعر صرف الجنيه مقابل الدولار البالغ 8.8 جنيه من أجل جذب تدفق رؤوس الأموال والقضاء على فوضى السوق السوداء. وقامت الحكومة أيضاً بخفض دعم الوقود، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 40%. ووصل سعر الدولار الأميركي إلى 17.9 جنيه مصري، أي نحو نصف قيمته السابقة.


أزمة مستقبلية



ويمكن أن تؤدي الإجراءات، التي رحب بها مسؤولو البنوك وخبراء الاقتصاد والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى ارتفاع معدل التضخم بنسبة 25% خلال الشهور القادمة. ونقل موقع دايلي بيست عن جيسون توفي من كابيتال إيكونوميكس قوله: "سيعاني المصريون من أزمة اقتصادية في المستقبل القريب، وترتفع تكلفة السلع المستوردة يومياً – مثل الأرز والسكر والقمح. وستنخفض الدخول وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى الحد من حجم الاستثمارات". وذكر أن الدعم سيواصل الانخفاض أيضاً.

معنى هذا أن أمثال "جمال" البالغ عددهم 23 مليون نسمة ممن يكافحون تحت خط الفقر سيتعرضون للتجويع لا ريب.

وقد تحدثت إلى "ديلي بيست" مؤسسة بنك الطعام المصري، وهي أكبر موزع لصناديق مؤن الطعام في البلاد، وأفاد بنك الطعام المصري بأنهم شهدوا ازدياداً مقداره 20% في أعداد الصناديق التي يوزعونها على الفقراء متوقعين زيادة الطلب، فمع صناديق مؤن الطعام الأساسية التي يوزعها البنك شهرياً على المعدمين والبالغ عددها 670 ألف صندوق، أطلق بنك الطعام المصري هذا العام برنامجاً لتوزيع 100 ألف صندوق سراً على أفراد الطبقة المتوسطة الذين هبطوا تحت خط الفقر، حيث يشمل البرنامج العائلات التي تضطر مثل "جمال" لتعيش على أجر يومي قدره 1.30 دولار في القرى ودولارين في المدن للفرد الواحد.

يقول د. رضا سكر، مدير المجموعة: "يشارف ما لا يقل عن 10% من أفراد الطبقة المتوسطة على الهبوط نحو الطبقة الفقيرة"، فيما يشرح أن الصناديق التي توزع على هؤلاء لا تحمل أي علامة فارقة أو شعار مؤسسة البنك الخيرية؛ حرصاً على عدم التسبب بالحرج والخجل لتلك العائلات من عار قبول المعونات والصدقات.

ويضيف د. سكر: "إننا نتلقى طلبات جديدة للحصول على مساعدات غذائية كل يوم، وحوالي نصف من نقوم بمساعدتهم على الأقل يعتمدون كلياً على هذه الصناديق في تموينهم الغذائي الشهري رغم أنها لا تكفيهم من الناحية الغذائية".

كذلك تأثرت بأزمة البلاد المواد الطبية التي في أغلبها مستوردة، فثمة نقص دائم في الأدوية اللازمة لعلاج السكري والسرطان وأمراض القلب والكُلى؛ كذلك تحدث الموظفون في مستشفيات عمومية إلى "دايلي بيست" وأفادوا بأنهم مضطرون إما لشراء الأدوية من السوق السوداء بـ10 أضعاف السعر، وإما مشاهدة المرضى يذوون ويموتون أمام أعينهم في بعض الحالات التي لا يتوافر فيها العقار الطبي بتاتاً.

وتحدث كذلك إلى الموقع الأميركي محمود فؤاد، مدير المركز المصري لحماية الحق في الدواء –وهو مؤسسة تراقب مؤن البلاد الدوائية- وقال إن الوضع إن استمر على ما هو عليه 3 أشهر فإن 80% من مشافي البلاد العامة ستغلق، وقال إن 1500 نوع من الأدوية تنقص البلاد منها 112 عقاراً لا غنى عنها لإنقاذ حياة المرضى.

وقال: "إن الافتقار إلى سياسة حكومية واضحة في المؤن الدوائية وأسعار الأدوية الثابتة رغم تأرجح قيمة الجنيه مع غياب قانون التأمين الصحي كلها تضيف إلى الأزمة وتفاقمها".


تزايد الضغوط


ورغم أن المصريين ترنحوا عبر السنوات الماضية فإنهم يخشون الآن أن تزايد الضغوط على المعدمين قد يشعل فتيل فوضى جديدة.

وقد كثرة التظاهرات الاحتجاجية العامة المعارضة للحكومة رغم ندرتها في مصر، هذه الدولة التي منعت خروج أي مظاهرات غير مُصرّح بها منذ عام 2013 حينما عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، كما زُجّ بعشرات الآلاف من مناوئي النظام بالسجون منذ حينها.

ورغم أن السيسي تمتع ذات يوم بشعبية كبيرة فإن رسوم الكاريكاتير الناقدة له ولحكومته الآن باتت منتشرة بكثرة على الإنترنت، ففي أحدثها وتحت وسم (هاشتاغ) "الموت" يظهر الجنيه المصري كشخصية كرتونية تغرق، فيما الدولار الأميركي يسخر منه ويحثه على "العوم".

وكان رسم كاريكاتيري الشهر الماضي قد صوّر السيسي كأنه يسرق ساعة يد من معصم رجل يموت، كناية عن مصر، فحصد الرسم الكاريكاتيري 8500 إعجاب.

وبعد خفض قيمة الجنيه بفترة وجيزة أسس الطلبة المصريون مجموعة ساخرة على فيسبوك في دعوة للانتحار الجماعي حصدت عشرات الآلاف من تسجيلات الإعجاب قبل إزالة الصفحة من فيسبوك.

وقبل ذلك انتشر مقطع مقابلة تلفزيونية يصور سائق "توك توك" يتحدث بغضب عن رداءة الأوضاع المعيشية في البلاد، فحصد أكثر من 6 ملايين مشاهدة؛ غير أن المقطع ما لبث أن أُزيل من على موقع قناة "الحياة" المؤيدة لنظام السيسي، بعدما وصل أمره إلى مسامع رئيس الوزراء الذي دعا ذلك السائق لحضور جلسة نقاش برلمانية.

وكان السائق قال لمقدم البرنامج عمرو الليثي: "تشاهدون مصر على التلفزيون فتظنونها فيينا، ثم تخرجون إلى الشوارع فتجدونها ابنة عم الصومال"، فأشعل هذا المقطع سلسلة من المقاطع المشابهة التي انتشرت كالنار في الهشيم، من مثل مقطع فتاة غير محجبة تدعم أقوال السائق وتؤيدها.

عندما دعا أحد منتقدي النظام المصري من مقره في تركيا إلى الخروج في تظاهرات جماعية بتاريخ 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 عبر مقطع فيديو على صفحته لقي المقطع 144 ألف مشاهدة، لكن حينما جاء اليوم المنتظر حضرت إلى ساحات الاحتجاجات قوات الأمن المدرعة والمدججة بسلاحها لتمشط المنطقة في دورياتها، وأُمِر الناس بالتزام بيوتهم، ولم يخرج إلى الساحات إلى قلة قليلة سرعان ما اعتقلوا وألقي القبض عليهم، بيد أن فكرة الاحتجاج وحقيقتها كانت كافية لتقلق النظام وتشحن أجواء الإعلام.

اعتقل وقتها 300 شخص على صلة بالاحتجاجات المزمعة بتهم الانتماء إلى حزب الإخوان المحظور، كما قال سكان المناطق المجاورة لميدان التحرير الشهير بالقاهرة لـ"ديلي بيست" إن الشرطة داهمت الشقق الخاصة.


تخفيض الدعم


ومن المنتظر أيضاً أن ترفع الحكومة المزيد من دعمها لأسعار الوقود والمحروقات بحلول شهر مارس/آذار، كما أنه من المتوقع أيضاً –عملاً لخطة الإصلاح الصارمة التي وضعها صندوق النقد الدولي- أن يخفض الدعم الحكومي للخبز ما سيؤجج المخاوف من تكرار شغب الخبز عام 1977 الذي اندلع عقب إجراءات تقشفية مماثلة.

وفي مقابل هذه الجهود تلقت مصر قبل أيام الدفعة الأولى من قرض استدانته من صندوق النقد الدولي قيمته الإجمالية 12 مليار دولار، وفق ما أكدته وزارة الاقتصاد للإعلام المحلي، كما هنأت كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي القاهرة، على مساعيها "الطامحة للإصلاح".

لكن هذا المبلغ لا يُتوقع له إنهاء مصائب البلاد المزرية في الأمد القصير، ولا حتى أن تصل قطرات غيثه إلى الطبقات المعدمة في المستقبل القريب أبداً، رغم ضيق ذات الحال والعسرة.

فهل يتغاضى الرئيس المنتخب ترامب عن عدم استقرار مصر؟ هل يهب لنجدة مصر مثلما ألمح أعضاء مصريون في البرلمان والرئيس المصري نفسه؟ أهالي قرية شمباب يقولون إنهم لا يقوون على التخطيط لمستقبل أبعد من قوت الغد.

يمسك صلاح بزمام حمار وهن العظم منه ويجره في القرية فيما يتساءل في إلحاح "عندي 9 أطفال، كيف لي تحمل مسؤوليتهم؟".

ويختم بالقول: "على الحكومة فعل شيء، ولا يهمنا كيف أو مِن أين. الناس لا تقوى على تحمل هذا وحدها. لن يبقوا أحياء".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.