لماذا لا تقلق إيران من نوايا ترامب بشأن الاتفاق النووي؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

أعلن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب عن موقفه السلبي تجاه الاتفاق النووي مع إيران، ووصفه مراراً خلال حملته الانتخابية بأنه اتفاق سيئ جداً. إلا أن الرئيس الإيراني حسن روحاني لا يبدي قلقاً حيال هذا الأمر، ويبدو مستعداً لكل الاحتمالات، فمن أين يأتي هذا الهدوء والثقة؟

عندما فاز دونالد ترامب بالانتخابات وأصبح الرئيس رقم 45 في تاريخ الولايات المتحدة، أصيبت أوروبا بالصدمة. إلا أن النظام الإيراني من جانبه استقبل هذه النتائج بكل هدوء، رغم أن ترامب هدد في عدة مناسبات بأن الاتفاق النووي الإيراني لن يصمد طويلاً إذا وصل هو للبيت الأبيض، بحسب تقرير نشرته صحيفة تسايت الألمانية.


طهران: ترامب لن يغير شيئاً في سياسة أميركا مع إيران


النخبة السياسية أيضاً في إيران لم تفاجأ كثيراً بالنجاح الذي حققه ترامب، فقبل أيام قليلة من الانتخابات، أدلى المرشد الإيراني علي خامنئي بتعليقات حول المناظرة الرئاسية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، ووصفها بأنها سلبية وعبثية وأن كلا المرشحين أظهر الوجه الحقيقي والقبيح للولايات المتحدة الأميركية، وأضاف أن "المرشح الذي تبدو طباعه أكثر حدة وعنفاً هو الذي يحظى بشعبية أكبر"، وهو ما يعني أن فوز ترامب كان متوقعاً بالنسبة له.

وقد أوضح رأسا السلطة في إيران، خامنئي وروحاني، أن دخول رئيس جديد للبيت الأبيض لن يغير شيئا في السياسة الخارجية الأميركية مع إيران. حيث قال خامنئي بعد الانتخابات: "نحن لسنا حزينين ولا سعداء بهذه النتائج؛ لأنها لا تشكل أي فرق بالنسبة لنا".


إيران مستعدة لكل الاحتمالات


ولا تبدو إيران قلقة؛ بل إنها تحاول إظهار كونها مستعدة لكل الاحتمالات، فقد أكد روحاني أن بلاده ملتزمة ببنود الاتفاق النووي، مهما كانت الشخصية الموجودة في البيت الأبيض.

كما قال وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إن كل رئيس أميركي ملزَم باحترام المعاهدات والالتزامات الدولية، وأكد أن الاتفاق النووي ليس مجرد اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران، وأن لا مجال لإعادة التفاوض بشأنه من جديد.

وفي نفس الوقت، يلاحظ الإيرانيون أن كل من انخرطوا في الحملة الانتخابية ثم تم ترشيحهم لمنصب وزارة الخارجية، هم من الذين يتبنون موقفاً عدائياً جداً تجاه طهران، إذ إن "رودي جولياني"، و"نيوت غنغريش"، و"جون بولتون"، معروفون بأنهم طالما دعموا كل القوى الإقليمية التي تعمل ضد إيران.


"هذا الاتفاق الكارثي"


مايكل بومبيو، عضو في مجلس الشيوخ عن ولاية كنساس، اختاره ترامب مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه". وفي تغريدة نشرها مؤخراً، تفصح عن نواياه، أعلن بومبيو أنه ينوي إبطال "هذا الاتفاق النووي الكارثي".


إذاً ما سر هذا الهدوء الإيراني؟


دون أدنى شك، يمكن للولايات المتحدة أن تبقي على المكاسب الاقتصادية التي تحققها إيران من الاتفاق النووي في أدنى المستويات الممكنة، عبر مواصلة فرض العقوبات أحادية الجانب بحجة البرنامج الصاروخي الإيراني، أو على سبيل المثال عبر ممارسة الضغوط على الشركات العالمية لمحاصرة الاقتصاد الإيراني.

هذا السيناريو كان منتظَراً من قِبل الإيرانيين حتى لو فازت هيلاري كلينتون بالانتخابات؛ إذ إنهم كانوا يعلمون أنها لن تكون أبداً مثل الرئيس أوباما الذي عرقل فرض عقوبات جديدة في الكونغرس، واستعمل الفيتو ضدها.

تجدر الإشارة إلى أن استعداد إيران للتفاوض والتحاور، لم يكن بدافع تحقيق أهداف اقتصادية فقط، وإنما ينطوي هذا الاتفاق -بالنسبة لإيران- على أبعاد أمنية هامة، فهو يمثل نوعاً من الاتفاق المبدئي مع القوى العظمى.

فما دام هذا الاتفاق ساري المفعول، وما دامت إيران ملتزمة بوقف برامجها العسكرية المذكورة في الاتفاق، فإن هذه القوى العظمى لن تواصل جهودها لتغيير النظام في إيران، وهذا في حد ذاته يخفف الضغوط على النظام الحاكم في طهران.


إيران تتوقع أزمة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي


إذا سلطت الولايات المتحدة ضغوطاً على الاقتصاد الإيراني، فإن الخسائر التي ستتكبدها طهران ستثير غضب المسؤولين هناك، ولكن يبقى من غير المرجح أن يؤدي هذا إلى انهيار الاتفاق النووي.

فإيران بدورها تعي جيداً ماهية هذا الاتفاق النووي، الذي سمي البيان المشترك حول التفاهمات والحلول المتعلقة ببرنامج إيران النووي، والذي نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231؛ إذ إنه يعد ملزِماً للدول المعنية به بموجب القانون الدولي، وإذا لم تقدم إيران سبباً يسمح بإنهاء هذا الاتفاق قبل وقته، فإن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على اتخاذ قرارات أحادية الجانب لإجهاضه. هذا هو أيضاً السبب الذي يجعل وكالة الطاقة الذرية الإيرانية تبدي التزاماً كبيراً، خاصة بعد صدور نتائج الانتخابات الأميركية، فيما يخص الالتزام ببنود وتفاصيل الاتفاق النووي.

وتفترض إيران في المقابل أن فترة رئاسة ترامب ستكون في الواقع كارثية على أوروبا وأميركا، حيث إن وحدة الصف الغربي في الماضي سمحت بممارسة الضغوط وتنفيذ العقوبات بشكل صارم على طهران، أما الآن فإن النظام الإيراني ينتظر من أوروبا موقفاً معارضاً لنوايا واشنطن، حيث ستفضل أوروبا احترام التزاماتها بشأن هذا الاتفاق النووي.

وهذا الالتزام الأوروبي سيكون ضرورياً جداً حتى يصمد الاتفاق، ومن دونه سينهار كل شيء، حتى لو نجح باراك أوباما في جهوده الحثيثة خلال هذه الأيام لتدعيم بعض نقاط الضعف في هذا الاتفاق قبل خروجه من البيت الأبيض.

ودول الاتحاد الأوروبي، بشكل خاص، تعد ذات مصلحة واضحة في نجاح هذا الأمر؛ إذ إن اتفاق الطاقة النووية يعد مكسباً كبيراً حققه الاتحاد على الصعيد العالمي، بعد ماراثون من المفاوضات انطلق منذ سنة 2013، واتسم بكثرة الجولات التفاوضية التي شاركت فيها بالأساس 3 دول أوروبية هي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، حتى إتمام اللمسات الأخيرة وتوقيع الاتفاق من قِبل منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني.


الاتحاد الأوروبي سيستفيد من عودة النشاط الاقتصادي في إيران


تماماً مثل إيران، تعلم أوروبا أن ما يحمله الاتفاق النووي من مكاسب اقتصادية وأمنية يمثل أمراً مهماً بالنسبة لها؛ إذ إن الشركات الأوروبية في إيران تحظى بالثقة والقبول أكثر من نظيراتها الأميركية، وهي ستستفيد بلا شك عبر الاستثمار في الطفرة الاقتصادية التي تشهدها إيران بعد رفع العقوبات.

ولا أدل على ذلك من تعدد البعثات الاقتصادية ورجال الأعمال الذين توافدوا من كل بلدان أوروبا على طهران منذ سنة 2015، للفوز بالتعاقدات واستكشاف فرص الاستثمار.

إلا أنه أيضاً من مصلحة أوروبا حماية الاتفاق الذي وقعته مع إيران التي تعد قوة إقليمية مهمة؛ إذ إن طهران تعد لاعباً مؤثراً في المنطقة، بالتوازي مع قوى أخرى مثل السعودية، ولا غنى عنها لحل المشاكل والصراعات التي سببت توافد اللاجئين على أوروبا ومشاكل أمنية جديدة، وهو ما يمثل تحدياُ كبيراُ للقارة العجوز.

وبالطبع، سيكون من مصلحة أوروبا التمتع بصلاحيات مراقبة البرنامج النووي الإيراني في أي وقت، عن طريق بعثات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو مكسب حققه الاتفاق النووي، سيسمح للغرب بفرض رقابة لصيقة على برامج إيران.


إيران تختار في 2017


بالإضافة إلى ذلك، فإن أوروبا مطالَبة وفق ما تمليه عليها مبادئها السياسية بتشجيع تعافي الاقتصاد في هذا البلد، الذي يعاني ارتفاع نسبة البطالة ومشاكل بيئية خطيرة. فمن وجهة النظر هذه، يعتبر الشعب الإيراني هو المستفيد من الانفتاح وتطوير البنية التحتية والصناعة في البلاد.

ومع اقتراب الانتخابات الإيرانية التي ستجرى السنة المقبلة، من المهم أن يحقق روحاني، المنتمي إلى تيار الإصلاحيين، بعض المكاسب ليكون بمقدوره الدفاع عن هذا الاتفاق النووي أمام الجبهة الداخلية. وإذا لم ينجح في ذلك، فإن حظوظه في انتخابات 19 مايو/أيار 2017 ستكون في خطر.

ورغم أنه من غير المنتظر أن يصعد إلى سدة الحكم وجهُ من التيار المتشدد على غرار محمود أحمدي نجاد، فإن سياسة الانفتاح تجاه الغرب، التي دافع عنها روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، ستحل محلها سياسة جديدة أكثر عدائية في حال خروج الإصلاحيين من الحكم.

هذا السيناريو المظلم، من المؤكد أن ترامب لن يحبّذه، رغم أنه يبشر بسياسة انعزالية. أما بالنسبة لأوروبا التي تعد أكثر قرباً من الشرق الأوسط وتأثراً بمشاكله، فإن سيناريو انهيار الاتفاق النووي سوف يعني مخاطر وضبابية في الرؤية ومخاوف مما ستكون عليه السياسة الإيرانية بعد ذلك.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة zeit الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.