القبيلة تأتي أولاً.. نصف مليون دولار لمقعد في البرلمان الصومالي

تم النشر: تم التحديث:
SOMALIA
الصومال | SIMON MAINA via Getty Images

أثار تصريح المرشح الصومالي لمنصب الرئاسة الصومالية، جبريل علي، الذي عبر فيه عن امتعاضه من موجة الفساد التي استفحلت في اللجان الانتخابية الصومالية، قلقاً محلياً وعالمياً.

عليّ، اتهم بشكل واضح قيادات الحكومة الصومالية بممارسة عملية شراء الذمم لضمان عودة انتخابها مجدداً، كما أن الفساد طال عدداً من السياسيين الصوماليين، وذلك بعد صدور قرارات رسمية لإبعادهم وإقصائهم، ومنع مشاركتهم أو الترشح للانتخابات البرلمانية التي شارفت الانتهاء.



ويقول جبريل علي، في مؤتمر صحفي عقده بمقديشو هذا الأسبوع، إن سوء استغلال قوة الدولة وهيبتها مؤشران على مدى الفساد الذي تمارسه السلطات الصومالية واللجان الانتخابية النيابية، موضحاً أن "السياسات السافرة التي تنتهجها حكومة مقديشو بعدم الإصغاء إلى صوت الحكمة في تصحيح مسار الأخطاء وكبح جماح الفساد وعدم حرف مسار الانتخابات النيابية، تزيد حالة الاحتقان السياسي في البلاد، وتضع نزاهة الانتخابات الرئاسية المقبلة في مثار الشبهة وعدم الوثوق بنتائجها مستقبلاً"، على حد قوله.


منظومة فساد


موجات القلق التي عبر عنها المحليون والمرشحون للانتخابات النيابية والرئاسية، أثارت الدوائر العدلية الصومالية، ليفجّر المراجِع العام الصومالي، نور فارح، قنبلة من العيار الثقيل، بعد كشفه مدى حجم الفساد المستشري في البلاد، موضحاً أن مكتبه سجّل أن مقعدين من البرلمان الصومالي بيعا بـ1.3 مليون دولار أميركي.

وأشار فارح إلى أن بعض المرشحين تعرضوا للتهديد بعدم المشاركة في الانتخابات النيابية، بينما مُنع آخرون من الدخول إلى القاعات التي يدلي فيها المقترعون بأصواتهم.

المثير للجدل، أن بعض المرشحين تمكنوا من الدخول إلى قاعات الانتخابات مدجَّجين بأسلحتهم، وبعد أن تأكدوا من أن الكفة تميل إلى خصمهم أطلقوا وابلاً من الرصاص، وهبّت الفوضى من تحت أرجل المقترعين.

كما سُجلت حالة وفاة في قاعات الانتخابات النيابية؛ إذ سقط صريعاً أحد المقترعين في مدينة عدادو، كما اقتُتل شخصان من فخذ قبيلة واحدة قبل بدء عملية التصويت، وقتل أحدهما الآخر طعناً بالسكين.

وجرى حبس مرشح آخر في مدينة بيدوا، كما شارك مرشح وهمي آخر في الانتخابات.

وبحسب المراقبين، فإن المقعد الواحد في البرلمان الصومالي يكلف ما بين 10 آلاف ونصف المليون دولار حسب قوة المتنافسين ومصادرهم المالية.

ويشارك في العملية الانتخابية أكثر من 14 ألف مقترع لانتخاب 275 عضواً في البرلمان الصومالي و54 عضواً في مجلس الشيوخ، وتستمر عملية التصويت في 6 أقاليم فيدرالية منضوية تحت الحكومة الفيدرالية.


الفساد.. بلسان أممي


ونتيجة للقلق السائد الذي بات حديث المجالس في مقديشو، أعرب مفوض الأمم المتحدة لدى الصومال، ميشل كيتن، عن قلقه حيال عملية تأجيل مواعيد الانتخابات الرئاسية والنيابية بالصومال، ولمح إلى أن القيادة الصومالية لها أهداف سياسية من وراء تأجيل موعد الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في الـ30 من نوفمبر/ تشرين الثاني.

وكان من المفترض إجراء الانتخابات الرئاسية نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وتأجلت إلى نهاية هذا الشهر، إلا أن عدم اكتمال نصاب البرلمان الصومالي بعد، واستمرار العملية الانتخابية النيابية يؤجلان فترة الانتخابات الرئاسية إلى وقت لاحق من الشهر المقبل، فضلاً عن انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه التي تسبق موعد السباق الرئاسي.

وحسب ما نقله موقع "الصومال الجديد"، فإن الانتخابات النيابية تجرى في عواصم الولايات الإقليمية بالصومال؛ وذلك بعد فشل الحكومة في توفير أجواء مناسبة لإجراء انتخابات الصوت الواحد للشخص الواحد في عام 2016؛ مما أدى إلى اتفاق منتدى القيادة الوطنية الذي يضم قادة الدولة ورؤساء الولايات الإقليمية على اتخاذ نظام انتخابي جديد وغير مباشر، وهو انتخاب أعضاء الغرفة العليا للبرلمان (مجلس الشيوخ) بواسطة برلمانات الولايات الإقليمية وانتخاب أعضاء الغرفة السفلى (مجلس النواب) بواسطة أكثر من 14 ألف مندوب يمثلون العشائر الصومالية، بحيث يصوت 51 مندوباً لأي من المرشحين المتنافسين على مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 275 مقعداً.

ووجهت السفارة الأميركية لدى الصومال انتقادات لرئيس ولاية جلمدغ الفيدرالية، متهمة إياه بالتلاعب والإقصاء بحق مرشح لعضوية البرلمان الصومالي، كما تضمنت رسالة مندوب واشنطن في مقديشو سوء استخدام السلطة في فرض بعض القرارات، واستبعاد مرشح ومنعه من المشاركة في العملية الانتخابية.

وقد رحبت واشنطن بقيادة الحكومة الصومالية الجديدة بعد انتخابات عام 2012 التي فاز بها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في الانتخابات التي أجريت بمقديشو، بعد أن اختاره أعضاء البرلمان الصومالي الذين تم تعيينهم من قِبل 135 من وجهاء وزعماء القبائل.

وكان من المفترض -حسب ما تنص عليه خارطة الطريق- أن يمهد الرئيس البلاد لإجراء انتخابات عامة خلال عام 2016، لكن الرياح لم تجرِ حسب التوقعات بسبب الوضع الأمني غير المستقر في البلاد.

وتشهد البلاد اليوم اقتراعاً غير مباشر يشكل فرصة سياسية لإنهاء حالة اللادولة في الصومال، ويمهد البلاد لانتخابات يحق فيها للصوماليين اختيار رئيسهم القادم ولكن في عام 2020.


القبيلة.. أولاً


ويرصد المحلل الصومالي والباحث أديب محمد أن صوت القبيلة ومصالحها طغيا على الأجندات الوطنية في الانتخابات النيابية؛ إذ إن أن أغلب المرشحين لا يكفّون عن إطلاق وعودهم لقبائلهم أمام الإعلام ومن دون الشعور بوخز الضمير، وبدأت تلك الأصوات التي تنادي بالقبيلة تعزز مكانة المرشحين لعضوية البرلمان، ما يعني أن الأجندة الوطنية اختفت عن المشاريع والبرامج الانتخابية للمرشحين.

بحسب قول المحلل والباحث الصومالي أديب محمد لـ"هافينغتون بوست عربي"، فإن هذه الانتخابات النيابية فجرت شرخاً اجتماعياً وفككت الروابط الاجتماعية داخل القبائل الصومالية؛ وذلك بسبب حجم الأموال التي رُصدت لبعض شيوخ القبائل الذين يشاركون في عملية ترشيح المقترعين من القبيلة لانتخاب مقعدها في البرلمان، إذ إن شيخ القبيلة يتقاضى رشوة ومبالغ تفوق أحياناً 80 ألف دولار أميركي، لمحو أسماء مقترعين وتبديلها بأسماء مقترعين جدد.

ويتابع المحللون أن الانتخابات التي تجرى في 6 مدن صومالية تقلّص فرص قوة القبيلة في الحياة السياسية مستقبلاً، كما أن تجربة عملية الانتخاب غير المباشر عن طريق المقترعين ستصبح ذات أثر رجعي في المستقبل القريب، وتمهد الطريق لإمكانية انتخاب مباشر بعد 4 أعوام.