انسداد في مشاورات تشكيل الحكومة المغربية.. و"الأحزاب الثلاثة" يضع هذا الشرط التعجيزي لحل الأزمة

تم النشر: تم التحديث:
BENKIRAN
بنكيران | Anadolu Agency via Getty Images

تسود المشهدين السياسي والإعلامي معاً في المغرب حالةٌ من الترقب عما سيسفر عليه في مقبل الأيام استئناف مشاورات رئيس الحكومة المكلّف، عبد الإله بنكيران، لجمع أغلبية برلمانية تشكّل حكومته الجديدة.

مر 40 يوماً على تعيين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي تصدّر انتخابات 7 أكتوبر/تشرين الأول، عبد الإله بنكيران، رئيساً مكلفاً للحكومة من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس، لكن بنكيران -الذي يستعدّ لولاية ثانية- لم يوفَّق في مشاوراته الأولى في ضمان أغلبية برلمانية.

ورغم ذلك، فإنه لا يزال متمسّكاً بالأمل في تشكيل حكومة تضمّ حزبي الاستقلال (حزب محافظ حل ثالثاً) والتجمع الوطني للأحرار (حزب ليبرالي من يمين وسط حل رابعاً).

وفي آخر تصريح صحفي، عبر بنكيران عن أمنيته أن يغيّر حزب التجمع الوطني للأحرار، بقيادة عزيز أخنوش، موقفه بخصوص مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة.


وشدّد بنكيران، على أن اللقاء الذي جمعه بأخنوش مؤخراً، على هامش مؤتمر المناخ بمراكش، كان ودّياً، عبّرا فيه عن "عدم اختلافهم حول المناصب وعدم تعاملهم مع الأمر كأنه غنيمة"، على حد وصفه.


التكتل.. مأزق بنكيران


رئيس الحكومة المكلّف، عبد الإله بنكيران، وجد نفسه في مأزق حقيقي عندما وصل إلى حالة "انسداد" في مشاوراته لجمع أغلبية كافية تدعم الحكومة في البرلمان، خصوصاً بعد الإعلان عن تكتّل حزبيّ من ثلاثة أحزاب؛ وهي: التجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية (ليبرالي محافظ حل خامساً)، ثم الاتحاد الدستوري (ليبرالي حل سادساً).


هذا التكتّل بقيادة رجل الأعمال عزيز أخنوش المقرب من القصر والأمين العام الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، يصرّ على أن يفاوضهم رئيس الحكومة المكلف ككتلة سياسية واحدة، وعلى أن يشاركوا بشكل جماعي في الحكومة.



يقول عبد الله الفردوس، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري: "تحالفنا مع حزب التجمع الوطني للأحرار، واتفقنا على أن أي عرض سيقدمه رئيس الحكومة المكلف سندرسه أولاً في حزب الاتحاد الدستوري، ثم سنتشاور فيه مع حليفنا حزب التجمع الوطني للأحرار".

وأكد عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري، في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن حزب "الاتحاد الدستوري وحزب التجمع الوطني للأحرار اتخذا قرارًا مشتركًا، إما أن ينضما معاً في التشكيلة الحكومية، وإما سيرفضان الانضمام معاً كذلك".

كما أشار إلى أن الحزب -كما حليفهم- "عبّر عن استعداده للمشاركة في الحكومة"، وهما في "انتظار الجولة الثانية من المفاوضات والعرض الذي سيقدمه رئيس الحكومة المكلف".

لذلك، "فرئيس الحكومة المكلف ليس في أزمة أو في حالة انسداد، فقط يجب أن يفاوض ويقدم التنازلات لتشكيل الحكومة"، على حد تعبير الفردوس.


استبعاد الاستقلال.. شرط تعجيزي


لكن أمام الشرط الأول للأحزاب الثلاثة المشكلة للتكتل، بقيادة الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، فقد فُرض أيضاً على بنكيران شرط آخر، يقضي بأن يبعد رئيس الحكومة المكلف حزب الاستقلال عن تركيبة الحكومة المقبلة، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين قاسياً.

هذا الشرط جعل الكثير من الفاعلين السياسيين ومعهم بعض المراقبين يتساءلون عن دوافع التكتل الحزبي بقيادة أخنوش لفرض هذا "الشرط التعجيزي" على بنكيران؟

يجيب عادل بنحمزة، الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال، بأن "الذين يعترضون على حزب الاستقلال وبغض النظر عن أنهم ليسوا في موقع يؤهلهم إلى ذلك، فإنهم يقومون بذلك بغاية معاقبة حزب الاستقلال الذي انحاز إلى ما عبّر عنه الشعب المغربي عبر صناديق الاقتراع، وتعيين الملك لبنكيران رئيساً للحكومة".

ويضيف، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن هذا الاعتراض أيضاً، "يهدف إلى عزل رئيس الحكومة ومنع أي تقارب بين الأحزاب الوطنية التي تملك استقلالية قرارها في مقابل الأحزاب التي صنعتها الإدارة (في إشارة إلى أحزاب التكتل الثلاثة) في فترات سيئة الذكر من تاريخ المغرب، وتجرّب جهاتٌ اليوم محاولة توظيفها من جديد لإعاقة التراكم الديمقراطي".

كما يشدّد عادل بنحمزة، على أن حزب التجمع الوطني للأحرار، "وبصفة خاصة عزيز أخنوش الرئيس المعيّن حديثاً، يقومون بدور المناولة لنفس الجهة التي سعت إلى إفساد اقتراع 7 أكتوبر والتحكم في مخرجاته، وما تبع ذلك من محاولة للانقلاب على النتائج وعلى تنفيذ الملك لروح ومنطوق الفصل 47 من الدستور" (يؤكد أن الملك يعيّن "رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها).


سيناريوهات.. سرقة الشرعية


واعتبر عادل بنحمزة، الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال، أن هذا الأمر "عنوان أزمة سياسية عميقة لا تتعلق فقط بمسار تشكيل الحكومة الثانية لبنكيران، ولكن بما يظهر اليوم جلياً من رغبة لدى البعض في فرملة التحول الديمقراطي والمسّ المباشر بالاختيار الديمقراطي لبلادنا الذي أضحى أمراً دستورياً لا يمكن المساس به".

ويرى سمير بودينار، أستاذ القانون وعلم الاجتماع السياسي بجامعة محمد الأول في وجدة (شرق)، أن "واقع التعقيد الحالي نجده نتيجة لحالة مقصودة من "انعدام الوزن السياسي" المؤقت، جوهرها السعي لإحداث توازن بين فورة النجاح الانتخابي لحزب العدالة والتنمية الذي أكسبه شرعية انتخابية متجددة، وأحد أهم مقومات مؤسسة الحكم في البلاد وجوهرها فكرة الاستمرارية".

وأوضح بودينار أن "محاولة حزب من داخل الأغلبية الحكومية السابقة (التجمع الوطني للأحرار) فرْض مساحة جديدة لنفسه من النفوذ على مستوى سلطة القرار في تشكيل الحكومة القادمة، هو بلا شك آلية أخرى لتحقيق ذات التوازن".

كما عبر أستاذ القانون وعلم الاجتماع السياسي، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، عن أن ما يقع اليوم بخصوص تعثر مشاورات رئيس الحكومة المكلف، "لا يتعلق باستحالة تشكيل الحكومة، بل بجزء من تكتيك تشكيلها بشروط توازن مقبولة، ودليل هذا الاستنتاج أنه لا خيار آخر ممكناً حالياً لا بالمنظور السياسي ولا الدستوري ولا الانتخابي".

ما يعني، بحسب سمير بودينار، أستاذ القانون وعلم الاجتماع السياسي، أن بعض السيناريوهات التي تم الترويج لها في حال لم يخرج عبد الإله بنكيران من حالة "الانسداد"، التي وصلت حد إمكانية تعيين الملك عزيز أخنوش مكان بنكيران

، "تتعلق باستكمال المهمة السابقة وهي الضغط لإحداث تعديل ظرفي في موازين القوى السياسية والحزبية، يمكّن من تشكيل حكومي غير خاضع تماماً لظروف السابع من أكتوبر".