بقايا النمرود.. كيف تحولت من مصدر رزق لأهل المدينة إلى لغز لعلماء الآثار؟

تم النشر: تم التحديث:
4
4

تروي أنقاض نمرود المتناثرة أشياء كثيرة لأناس مختلفين. بالنسبة للشيخ عبدالله صالح، مسؤول هذا الموقع الأثري حتى طرده "داعش"، لا تمثل سوى الخراب والخسارة.

أما بالنسبة لعالمة الآثار ليلى صالح، فتلك الكتل الصخرية المتراكمة تمثل لغزاً كبيراً، وإحدى أبرز الآثار في العالم التي قد يتم إعادة بنائها ببطء، وفقاً لما ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية.

وقف كل من الشيخ وعالمة الآثار على أنقاض نمرود في الأسبوع الذي استعادت فيه القوات العراقية ما تبقى منها. كانت ليلى في الموقع يوم الجمعة، تلتقط الأحجار المنقوشة من بين الحطام. وتعيد تجميع صور الجاموس المجنح الضخم المعروف باسم "لاموسو"، الذي أسقطه داعش بين الحطام مثله مثل الكثير من التحف الفنية التي ظلت باقية في هذا المكان لنحو أكثر من 4000 عام.


"يمكن إصلاحها"


تقول ليلى: "هناك قطع صغيرة يمكن إصلاحها، خاصة الجاموس المجنح. كان مشهداً حزيناً للغاية. لكن ماذا عسانا أن نفعل؟ لقد توقعنا رؤية هذا. الأمر الجيد أننا ما زلنا نستطيع تجميعها معاً مرة أخرى".

كان المشهد مختلفاً تماماً في عين الشيخ صالح، أمس الأربعاء، بعد عودته بأيام قليلة من نفي استمر عاماً كاملاً على أيدي المغتصبين، الذين طاردوه إلى خارج المدينة جزاءً على حماية ما يمثل له كنزاً قومياً، ومصدراً لكسب رزقه.

"هذه بقيت هنا أمداً طويلاً، آلاف السنين قبل ميلاد المسيح"، قالها الشيخ قاصداً إحدى الكتل الصخرية التي كانت تشكل في أحد الأيام قلب المدينة التي عرفت لدى الآشوريين باسم كالح. اعتاد الناس زيارة هذا المكان من كل أنحاء العالم، خاصة قبل 1991. وأضاف الشيخ: "كانت مصدر رزق لقريتنا، الكثير من أهل القرية كانوا يعملون هنا".

يروي الشيخ: "في أحد أيام السنة الماضية جاؤوا بشاحنة ضخمة ومكبرات صوت. وأخذوا يصيحون بأن نفتح نوافذنا؛ لأن هناك انفجاراً هائلاً على وشك الحدوث. وبالفعل كان الانفجار هائلاً لدرجة أن منازلنا تغطت بالصخور".

تعود الأنقاض الآشورية في نمرود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

ويقدر، قيس رشيد، مندوب وزارة الآثار العراقية، حجم ما تدمر من نمرود على يد داعش بحوالي 70%. ويضيف: "لكن بالنظر إلى كمِّ الخراب والنهب الموجود يمكننا أن نقدر الخسائر بأكثر من ذلك"، في حين تقول ليلى إنه يجب أن تمتلك عين عالم آثار متدرب حتى تميز البقايا المتناثرة على الأرض، لتتحدث عن إمكانية إنقاذ بعض الأشياء.

وتضيف: "كانت هناك بعض القطع التي استطعت الربط بينها برأسي، قطع كبيرة وقطع صغيرة. أتمنى أن نستطيع فعل هذا".

هناك بعض العلامات المشجعة. أشارت ليلى إلى أنه لقاء انعقد بين اليونسكو ومحافظ نينوى الثلاثاء الماضي، أسفر عن اتفاق على تحويل التمويل من مشروعٍ أثري تعرقل بناؤه لوقت طويل، لإعادة بناء نمرود.

وتضيف: "إنها علامة فارقة، ستجعلنا مستعدين. مبدئياً سنقوم بحصر الخسائر وحماية المكان. أتمنى أن نبدأ في هذا بحلول الشهر القادم".


مطالب بالحراسة


أكد الشيخ صالح حاجة المكان للحراسة وذلك لمنع سرقة ما تبقى من نمرود. وتابع: "علينا أن نبدأ في وضع الحراس على الفور"، قالها الشيخ محذراً من أن الفشل في هذا الأمر سيقود إلى نفس ما حدث بعد غزو القوات الأميركية للعراق. عندما تمت سرقة المتحف القومي على يد المدنيين العراقيين والقوات المسلحة الأميركية.

بعد 13 عاماً، مازال الكثير من التحف مفقوداً، وما زالت تسجل أرقاماً عالية جداً في السوق السوداء لبيع التحف. كما تم نهب مواقع أخرى في أنحاء العراق في ظل عدم الاستقرار الذي ضرب البلاد بسبب الغزو الأميركي.

متحف الموصل، حيث كان الشيخ صالح يعمل أميناً له حتى عام 2009، تم تفريغه بشكل شبه كامل على أيدي داعش. عندما سيطروا على المدينة منتصف عام 2014. وبدأوا بعدها في محو كل شيء يسبق العصر الإسلامي على نحو هستيري.

تعتبر سهول نينوى - حيث تقع مدينة نمرود - مهداً لحضارات العالم، والقلب النابض للمدن الآشورية والمسيحية. وبالإضافة لتحطيم المدن الأثرية، فقد اجتاح داعش بعض المدن الحديثة والقرى في المنطقة حتى بدأ الصراع لاستعادتها منذ 6 أسابيع على يد القوات العراقية والبشمركة الكردية.

من وجهة نظر الشيخ صالح، فإنه يتشكك في أن القوة العسكرية الغاشمة التي تدخل ساحة القتال ستفعل الكثير لإيقاف داعش؛ إذ إنها استخدمت الديناميت والأسلحة الثقيلة بطريقة ممنهجة.

ولفت إلى أنهم "يحاولون الحفاظ على شركات البترول، لا على التاريخ العراقي"، قاصداً الطائرات الطنانة المحلقة في سماء المنطقة. وما تفعله داعش واضح جداً. إنهم لا يريدون الإبقاء على أي شيء سليم يعبر عن حضارة العراق. هذا واحد من الأماكن القليلة جداً في العراق التي توضح تاريخنا وكيف كانت حضارتنا منظمة. الآن تاريخنا تم تدميره. ليس لدينا ما نريه للعالم. سنفتقد هذا الأمر".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.