كيف انتصر على البشر؟ القمل يطور مقاومته للمبيدات.. وهذه الوسيلة الفعالة للقضاء عليه

تم النشر: تم التحديث:
S
s

سيجعلك هذا المقال تحكّ رأسك. سامحني. لا مناصَ من ذلك. أنا شخصياً أشعر بالحكة، ولكن الأمر بالنسبة لك له علاقة بقمل الرأس. إنه يدفّئ نفسه على فروة رأسك، يغربل خصلات شعرك بقرون استشعاره، ويتناول وجبة مشبّعة من دمائك.

بهذه البداية الصادمة، استهلت الكاتبة باولا سوكوزا، الحاصلة على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية، مقالها في صحيفة الغارديان البريطانية والذي قد يكون مقززاً للبعض، ولكنه يستحق القراءة؛ لأنه يتناول مشكلة عاناها البشر منذ نشأتهم، ورغم محاولة الإنكار فإن المشكلة ما زالت قائمة في القرن الحادي والعشرين، ولا يبدو أنها ستُحل قريباً؛ بل إنها قد تتجه إلى الأسوأ.


نص المقال


سيجعلك هذا المقال تحكّ رأسك. سامحني. لا مناصَ من ذلك. أنا شخصياً أشعر بالحكة، ولكن الأمر بالنسبة لك له علاقة بقمل الرأس. إنه يدفّئ نفسه على فروة رأسك، يغربل خصلات شعرك بقرون استشعاره، ويتناول وجبة مشبعة من دمائك.

لقد تعلمت كيفية التعرف على أنواع الحكة المختلفة، منذ أن اكتشفت وجود وحشين برأسي. بعضها يكون زاحفاً وبطيئاً، كأنَّ الدفء يسري بفروة رأسك. والبعض الآخر يكون لدغات سريعة.

يُعتقد بوجود قمل الرأس في نسبة تتراوح بين 8% إلى 10% من أطفال المملكة المتحدة، وهناك نحو 6 إلى 12 مليون حالة في السنة بالولايات المتحدة الأميركية. ولكن القمل ينتقل أيضاً بين البالغين.

فربما عانقت زميلة لك قد انتقل إليها القمل من أطفالها، ربما انتقل من المشط، أو ربما جرّبت ارتداء قبعة جديدة، فانتقل القمل إلى بيته الجديد. عكس الاعتقاد السائد، لا يوجد ما يؤكد نظرية أن الرجال أقل جاذبية للقمل عن النساء، هل شعرت بالدغدغة خلف أذنك الآن؟

يبلغ عمر القمل على الأرض نفس عمر الإنسان تقريباً. تم الحصول عليه وحفظه من المومياوات البيروفية، ونزعه من أسنان مشط جندي روماني. وعلى الرغم من معرفتنا القديمة، فإننا نعرف القليل عن القمل. (من ناحية أخرى، هو يعرف الكثير عن حيلنا).


محاربو الحشرات


اتصلت بخط المساعدة الخاص بمحاربي الحشرات التابعين لجمعية المهتمين بنظافة المجتمع في بريطانيا، وقلت: "لقد مشّطت شعري بشدة، ولدي كل العلاجات الحديثة، ورغم ذلك وجدت قملتين وبعض البيضات السليمة. كيف أعرف إن كنت قد أمسكت بها جميعاً؟". ينتبه زملائي فجأة إلى ما أقوله. وبعد لحظات، يبدأ الجميع في حك رؤوسهم.

إن لم يكن لديك قمل، فستمسك بعض الطفيليات الوهمية، أي ذاك التصور الخاطئ بأن رأسك قد تم غزوه. إحدى كبيرات خبراء إزالة القمل أخبرتني بأنها رأت حلماً بعد تسلّم وظيفتها الجديدة بأسابيع، أن قملة عملاقة تطاردها. إنه يطاردك حتى في وسائل اتصالك.

في كل مرة أكتب فيها على الهاتف كلمة “love”، يصححها لي المصحح الآلي ويكتبها "lice أي قمل". لماذا لم يتوصل الإنسان، بعد قرون من التطور الطبي، إلى وسيلة فعالة للقضاء عليه؟ لماذا هو بارع لهذه الدرجة في مقاومة طرق الإبادة؟ وهل يحاول حقاً صنّاع الدواء، مساعدتنا ووضع حد لهذه المشكلة؟

هنا، في مدينة وودفورد في بريطانيا، يوجد صالون تجميل في شارع صغير بين مكتب البريد ومتجر بيع الزهور؛ أتمنى أن تكون لديه الإجابات.

من الباب الأمامي، هو صالون تجميل رائع، أما من الباب الخلفي –حيث لا أحد يراك- فهنالك متخصص في إزالة القمل. لتهدئة أعصابك، قاموا بإشعال 4 شمعات في أركان الغرفة، ولكن الأمر مريح؛ لكونك الزبون الوحيد بالمكان.


فروع بالدول العربية


في العام الماضي، حصلت إسما جافيد، صاحبة المكان، على رخصة المملكة لجهاز يسمى "AirAllé: ذهب الهواء"، والذي تقول بأنه يقتل 99.3% من البيض، و88.4% من القمل البالغ، باستخدام تقنية التجفيف بالحرارة. تقول جافيد بأن الفكرة أتتها بعد مشاهدتها فيلم "لا أعرف كيف تفعل ذلك؟!" لسارة جيسيكا باركر، والذي تقوم فيه سارة بأخذ أطفالها إلى عيادة لعلاج القمل.

تخطط جافيد الآن للتوسع في 100 مكان آخر -تحت اسم عيادات القمل بالمملكة المتحدة– في مراكز الصحة، والعيادات الطبية الخاصة، وعيادات التخصصات الجلدية، والصيدليات. ومن يعرف، ربما يمكنك بعد ذلك أن تقوم بجلسات إزالة القمل بكل سهولة.

تقول جافيد: "خطة عمل 2017 ضخمة للغاية". لقد قامت بافتتاح فروع في أثينا والمملكة العربية السعودية، وتعمل الشركة الأم في 32 دولة مختلفة.

من السهل أن تدرك تزايد المطالبة بحل تكنولوجي لمشكلة القمل. قم بعمل مسح لمنتديات الآباء والأمهات، وابحث عن هذا الموضوع، لتجد كمَّ العلاجات البائسة التي ظهرت. البعض يدعي أن الحل في دهان المايونيز على الرأس المصاب؛ أو زيت الزيتون، الخل، أو زيت جوز الهند. البعض يؤمن بالأمشاط الإلكترونية، التي تصفّر بعد الانتهاء، أو بالأجهزة التي تشفط أسوأه. آخرون يقومون بكيّ شعرهم بمكواة فرد الشعر، ثم يضعون شعرهم في حجرة التجميد بالثلاجة لقتل أي ناجين. آخرون يؤمنون بشدة بعلاجات الميثيكون، وآخرون يجربون كل ما سبق، ويفشلون أيضاً.

قبل نهاية التسعينات، كانت الحياة أبسط من ذلك. كنت أنحني فوق مجلة وأصب المبيدات على رأسي، أتذكر جيداً صوت سقوط وطقطقة القمل على صفحات المجلة. ولكن تلك الأيام قد ولّت. عزز القمل من مقاومته، وأصبحت المبيدات لا يُعتمد عليها. اختفت القملة الصغيرة، والحكومة لا تعبأ بذلك.


3 مليارات دولار


يتوقع صنّاع AirAllé استثمارات بحجم 3 مليارات دولار. للعلاج في صالون جافيد، قد يكلفك الأمر بين 100 إلى 199 جنيهاً إسترلينياً (رغم ذلك، يمثل هذا نصف ما كان يدفعه الزبائن، كما أنها تخطط لتخفيض الأتعاب بعد تأسيس مشروعها).

ظهرت مجموعة كبيرة من ملحقات علاج القمل، من مشابك الشعر الطاردة للقمل، وحتى الأمشاط الخاصة التي وعدت بتنظيف رأسك من القمل أفضل من خيط تنظيف الأسنان.

الحل الأوفر دائماً هو المشط. ولكنه حل مرهق للغاية، حيث لا بد من تصفيف كل شعرة من الرأس المصاب (يتراوح عددها عند معظم الناس بين 15 ألفاً إلى 100 ألف شعرة).

ووفقاً لجمعية المهتمين بنظافة المجتمع، فإن الشعر المبلل المغسول بالبلسم، يجعل القمل متحركاً، مما يساعد في تمشيطه. يجب التمشيط عكس اتجاه نمو الشعر ثم يتم سحب المشط عبر خصلات الشعر نحو الخارج. أي فجوة بين أسنان المشط وفروة الرأس، تمثل طريقاً لهروب القمل.

قد يستهلك الأمر نحو الساعة ونصف الساعة لتمشيط نصف الرأس فقط (أو هكذا يستغرق الأمر مني)، ولا بد أن يتم تمشيط كل أفراد الأسرة في اليوم ذاته لتفادي انتقال العدوى.

في حالتي، الأمر قد يستهلك 5 ساعات. الأمر ينتقل بعلاقتنا العائلية إلى مستوى مختلف؛ لأننا نقضي الليل كله معاً لإزالة القمل.
القمل يعذب ضمائرنا، ولكن بالممارسة نصبح خبراء. ومع الوقت، سيمكنك أن تمشط رأسك كله في نصف ساعة. بالولايات المتحدة الأميركية، هنالك المئات من العيادات التي تقدم خدمة التمشيط، والتي تقوم بها الأمهات اللاتي آمنَّ بأن عنادهن هو الحل الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه.

قضت جافيد العام الماضي في جولة عالمية لأجل القمل. بالهند، وجدت أنهم يعالجونه بالحبوب. وفي نيجيريا، رأتهم يحلقون رؤوسهم. وفي بعض الدول الأخرى، يقومون بسكب الكيروسين على رؤوس الأطفال ويتم تعريضهم للشمس بعض الوقت. تقول، بينما تحك رأسها (وكذلك مساعدتاها – الحك ضريبة هذا العمل): "ولكن، هنالك الكثير من المعلومات المتضاربة. أنا لست خبيرة، ولكني تحدثت لخبراء، والكل يتحدث عن شيء مختلف".


إنه يطور نفسه


يقوم جون كلارك بدراسة القمل منذ 16 عاماً. لقد عاش معهم على مدار الساعة. لسنتين كاملتين، ارتدى هو وزملاؤه من جامعة ماساتشوستس الأميركية، قبعة بلاستيكية صغيرة تحتوي على عدة خصلات شعر وما يقرب من 50 قملة، مربوطة من أرجلها، للإبقاء على حياتها. يقول: "كانوا سعداء. ولم نكن نحن".

منذ عدة أشهر، أثبت البحث أن القمل قد تطور في بعض مناطق الولايات المتحدة الأميركية، وأبدى مقاومة شرسة ضد المبيدات. لم يُفاجأ كلارك بتلك النتائج، وقال: "رأينا مثلها كثيراً في سلوك الحشرات الزراعية"، لذلك يكره وصف "قمل رهيب"، فكلارك يرى أن القمل يتصرف كما فعلت من قبله كائنات كثيرة.

ولكن يظل البحث مهماً، فقد أوضح لماذا لم تفلح منتجات المكافحة غير الطبية في فعل شيء، ولماذا لم تعد العلاجات القديمة فعالة. لقد تطورت الأنواع بشكل كبير، مما لم يعد يتيح للمستهلك الفرصة لمعرفة بأي منتج يثق. نيكس، على سبيل المثال، هو أول منتج غير طبي في الولايات المتحدة الأميركية، وحسب قول كلارك: "كان الأكثر فاعلية منذ بدء إنتاجه في عام 1992 وحتى عام 2000، عندما طور القمل من مقاومته. ولكن في 2014، وجدت دراسة أن نيكس أصبح فعالاً، فقط، بنسبة 25% مقارنة ببدء ظهوره في الأسواق". وما زال يتم التسويق لنيكس وما يشبهه من منتجات في الأسواق.

في أوروبا، يتم تصنيف منتجات علاج قمل الشعر على اعتبار أنها منتجات درجة أولى. تقول جوانا إبرا، من مؤسسة الاهتمام بنظافة المجتمع: "يمكنك أن تجدها في المتاجر العامة، بضمان أن المنتج سيناسب متطلباتك". لا يلزم تقييم مستقل. وبهذا، لم يعد مفاجِئاً أن الكثير من المنتجات تفشل في ملاءمة الكثير من الناس.

وعلى مدار سنوات، حرصت شركات عديدة على تسويق منتجات غير فعالة وتغاضت الحكومات عن هذا؛ بل ودافعت عن مزاعم الشركات.

وأخيراً خلال السنوات الأخيرة، ظهرت منتجات جديدة في السوق الأميركية، والتي يصفها كلارك بأنها "تقضي على مقاومة القمل". وبمعنى آخر، إن ظهور العديد من العلاجات الفعالة سيُضعف من قدرة القمل على المقاومة. لكن هناك مشكلة أخرى. فبينما تتسم العديد من المنتجات، التي تُصرف دون روشتة طبية، بعدم الفاعلية، فإن غالبية المنتجات الجديدة، مثل Sklice و Natroba، يجب صرفها بواسطة روشتة طبية.

ويقول كلارك: "إن العديد من شركات التأمين لن توافق على تغطية تكاليف هذه الأدوية".


هل القمل هو المشكلة الحقيقية هنا؟


يقول كلارك: "لا. لا يوجد شيء مميز في القمل، هو كبقية الحشرات الأخرى".


إذا لماذا نعجز عن إبادته؟


يقول إيان بورجيس: "بعيداً عن عدم قدرتنا على إحضار كل شخص في البلد وحلق رأسه وعلاجه في نفس الوقت، فحتى إذا افترضنا قدرتنا على فعل هذا، سيعود القمل بمجرد نمو الشعر مرة أخرى وتفاعله مع أي شخص من خارج البلد. لا يمكنك التخلص من القمل بشكل كامل من مكان ما. عليك ببناء سياج وتحصينات حول البلد، لتحقيق غرض كهذا".

هناك أشخاص أقل قابلية للإصابة بالقمل من غيرهم. زوجة بورجيس تساعده في مهام المعمل من وقت لآخر.
تشعر زوجة بورجيس بحكة في رأسها عادة وتشعر بالقمل وهو يتحرك في فروة رأسها. في كل مرة، يتتبع بورجيس القملة في شعر زوجته ويزيلها، يجد الحشرة شاحبة وضعيفة. يقول: "يُفضل القمل الموت جوعاً دون التغذي على دماء زوجتي".

وتحاول الأبحاث التركيز على هذه النقطة: وهي سباق تحويل العلاجات، التي ثبتت فاعليتها في التجارب السريرية وثبتت قدرتها على منع انتشار القمل، إلى منتجات جديدة قابلة للطرح في الأسواق. ويحاول كلارك استنساخ مستقبلات الرائحة لدى القمل للتحقيق بشأن وجود روائح معينة تنفّر القمل وتمنع انتشاره.


الحرب بالروائح


وعلى الرغم من الأدلة التي تشير إلى قدرة بعض الروائح على تنفير القمل، مثل نبات الخزام وأوراق الشاي والقرفة، فإن إسقاط بعض النقاط كريهة الرائحة ليس كافياً لجعل القمل يزحف بعيداً.

وأخيراً، أجلس على مقعدي الجلدي الأبيض بينما تفحص نتالي شعري لترى مفعول العلاج. استخدمت دواء Nyda، وهو علاج يعمل على خنق القمل بدلاً من تسميمه ويساعد تمشيط الشعر بعد وضع العلاج في زيادة مفعوله.

أشعر بالتوتر، لكنها تترك المشط جانباً وتقول لي: "لا يوجد أي شيء في شعرك. لا بيض. لا شيء".
أرسل إلي جافيد مجموعة منتجات مقاومة للقمل وسجّل معلومات عن أنواعه. أشعر الآن بالحرية. عرجت على المتحف وفحَص رجل الأمن حقيبتي ليجد مجموعة زجاجات مكتوب عليها " قمل". جذب سجل المعلومات وأشار إليه وقال: "لدي هذا النوع. بق الفراش". أترى؟ إن القمل مشكلة إنسانية طبيعية.

الكاتبة: باولا سوكوزا، كاتبة في صحيفة الغارديان وحاصلة على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.