كيف حوَّلت الدعاية النازية رجلاً إلى قاتل يؤمن بتفوق العرق الأبيض؟

تم النشر: تم التحديث:
8
8

قال قاضي المحكمة أثناء الحكم على قاتل عضوة البرلمان البريطاني "جو كوكس" بالسجن مدى الحياة إن الجريمة تمت باسم سيادة العرق الأبيض.

ووُصف توماس ماير الذي يناهز من العمر 53 عاماً بأنه شخص هادئ يحب البستنة، لكن تم الكشف أثناء محاكمته عن علاقته طويلة الأمد واهتمامه بسيادة العرق الأبيض والفكر والنازي بالإضافة إلى حيازة الأسلحة.

وقال له القاضي ويلكي قبل النطق بالحكم: "أنت لست وطنياً، لأنك بهذا العمل المشين قد خُنت رمز بلادنا؛ ألا وهو الالتزام بالديمقراطية البرلمانية"، وفقاً لما ذكرت النسخة البريطانية لـ"هافينغتون بوست".

وأضاف القاضي: "كما يتضح.. إن ما ألهمك بهذا العمل ليس حب الوطن أو إخوانك المواطنين بل إعجابك بالنازية وما يشبهها من مبادئ مناقضة للديمقراطية مثل سيادة العرق الأبيض".


"في حرب ضد النظام"


وأظهرت المحكمة كيف أطلق ماير الرصاص على كوكس وطعنها وهو يصيح: "بريطانيا أولاً!" و"حافظوا على بريطانيا مستقلة!"، قبل أسبوع من الاستفتاء على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي في بلدته بيرستال غرب يوركشير.

ويحذر المشتركون بالحملات المضادة للكراهية بأن ماير ليس وحده من حيث معتقداته، وأنه توجد "لائحة كبيرة بإرهابيين بريطانيين نازيين يؤمنون بأنهم في حرب ضد النظام".

وقال نيك لويلز، المدير التنفيذي لمنظمة "أمل لا كراهية"، إنه يوجد 48 شخصاً على الأقل من اليمين المتطرف اتُّهموا بالإرهاب أو القتل أو أفعال العنف ببريطانيا وويلز خلال الـ16 عاماً الماضية.

وقالت سو هيمنغ، رئيسة قسم مكافحة الإرهاب في جهاز الادعاء الملكي البريطاني: "لم يُبدِ ماير أي تفسير لأفعاله لكن استطاع الادعاء إثبات أن جريمة ماير التي اقترفها مع سبق الإصرار والترصد لا توصف إلا بأنها هجوم إرهابي قام به من أجل دعم أيديولوجيته المريضة".

كما أُثبت بعد مقتل جو كوكس في يونيو/حزيران الماضي أن ماير كان على اتصال بمجموعة النازيين الجدد بأميركا والمسماة "التحالف الوطني" منذ عام 1999 ومنظمة "سيادة البيض بجنوب إفريقيا" منذ عام 1991.


إيصالات لشراء الكتب


ونشرت المجموعة المناهضة للكراهية "مركز قانون الفقر الجنوبي" إيصالات تُثبت شراء ماير كتباً تتضمن "كيمياء البارود والمفرقعات" و"القتل بالحرق" و"دليل الذخيرة المرتجلة" الأمر الذي يثبت كيف صنع مسدساً من أنابيب وأغراض أخرى يمكن شراؤها من متاجر الخردوات.

كما اشترى كتاب أدولف هتلر "كفاحي" الذي كان يوزع على أعضاء الحزب النازي.

وتُظهر إيصالات أخرى منذ عام 2003 أن ماير اشترك بمجلة "الخطاب الحر" وهي مجلة "التحالف الوطني النازي" بأميركا.

ولقد اشترك ماير بمجلة "S.A. Patriot" التي تنشرها مجموعة مناصري نظام الفصل العنصري أو "نادي وحيد القرن الأبيض". وفي منشور بالمدونة في يناير/كانون الثاني عام 2006 أُشير إلى ماير بأنه "أحد أوائل المشتركين والداعمين" للمجلة.

كما يُظهر البحث في كتب جوجل أن ماير كان يكتب خطابات المجلة في عاميّ 1991 و1999.

وكتب ماير عام 1991: "الحركة الوطنية ببريطانيا مستمرة في كفاحها برغم كل الظروف، وأنا لازلت أومن برغم كل شيء بأن العرق الأبيض سيسود في كلٍّ من بريطانيا وجنوب إفريقيا، لكني أخشى أنه سيكون طريق كفاح طويل وملطخ بالدماء".

وكتب ثانيةً في عام 1999 قائلاً إنه يؤمن "بأن أعداء نظام الأبارتايد ليسوا الجماهير السوداء بل الليبراليون البيض والخونة".

ويقول لويلز من منظمة "أمل لا كراهية" إن أيديولوجية ماير الأساسية "ترى أن الدولة –خاصةً السياسيون الليبراليون- هم المستهدف أكثر من الأقليات".

وأضاف لويلز أن هذا التوجُّه أصبح مسيطراً بين النازيين البريطانيين خلال التسعينات و"يظل أحد أعمدة فكرهم القوية حتى يومنا هذا".


ضغط على الزناد


كما قال أيضاً: "رغم أن ماير هو من ضغط على الزناد فإن المروجين للنازية الجديدة يجب أن يتحملوا معه المسؤولية لإشعالهم الكراهية والعنف بداخله وتوجيههما".

واستمعت المحكمة إلى أن ماير أطلق النار على كوكس من بندقية ألمانية ذات فوهة قصيرة من عيار 22.

وأُخبرت هيئة المحلفين أنه عندما قُبض عليه كان ماير يحمل رصاصات فارغة مصممة لإحداث أقصى إصابة.

كما وُجد مع ماير 25 طلقة من عيار 22، حيث كانت 12 منها رصاصة مصنوعة من الحديد.

وظهر أثناء المحاكمة أن ماير كان يحتفظ بقطع فنية نازية في منزله بما في ذلك تمثالاً للعُقاب الذي كان يُستخدم كشعار لألمانيا النازية.

كما كان لديه إصدار من كتاب "SS Race Theory And Late Selection Guidelines". وآخر بعنوان "مسيرة الجبابرة: تاريخ السلالة البيضاء" ومطبوع مكوَّن من صفحتين عن القاتل الجماعي النرويجي أندرس بريفيك.

كما وُجد في أحد أدراجه مطبوع لصفحة ويكيبيديا عن "حزب الوطنيين البيض" بالإضافة إلى معلومات عن حركة BBB أو "حركة التحرير البيضاء" وهي منظمة نازية جديدة سيئة السمعة بجنوب إفريقيا.

كما كان ماير يجمع ملفاً عن كوكس التي كانت تدير حملة من أجل البقاء بالاتحاد الأوروبي، وطبع سيرة حياتها من موقعها الإلكتروني.

وقالت منظمة "أمل لا كراهية" إن "التحالف الوطني" الذي أصبح غير موجود منذ عام 2013 ألهم أيضاً ديفيد كوبلاند الذي قام بتفجير قنبلة مسمارية استهدفت بعض الأقليات عام 1999.

وأضافت المنظمة أن قائد "التحالف الوطني" في المملكة المتحدة بول جيفريس كان يسكن على بُعد ميل من "ماير" حتى وفاته قبل عدة أعوام.

وأضاف لويلز: "ينبغي فعل المزيد لمواجهة الخطر المتنامي لتيار اليمين المتطرف في بريطانيا. بات عددهم أصغر مما كان في الماضي، لكنهم أصبحوا أكثر عنفاً وخطورة. وبينما تعطي السلطات أولوية لاستهداف الأفراد المحتمل شنهم هجمات إرهابية، ينبغي عليها أيضاً استهداف هؤلاء الذين ينشرون الكراهية ويلهمون أشخاصاً مثل توماس ماير. لقد فشلت السلطات مراراً في القيام بهذا الأمر".

وعاش ماير في منطقة لويد لين بقرية بارستل Birstall طوال 40 عاماً وعاش مع جدته في نفس البيت حتى وفاتها عام 1996.

ووصف الجيران ماير بأنه هادئ وودود ويتطوع في أعمال التشجير ويساعد جيرانه في الاعتناء بحدائقهم.

في 2010، تحدث ماير لصحيفة محلية تدعى The Huddersfield Daily Examiner بشأن أعماله التطوعية للاعتناء بالحدائق الموجودة في مزرعة Oakwell Hall وحديقة Country Park وكيف ساعده هذا في التغلب على أمراضه العقلية.

وقال للصحيفة: "يمكنني القول إن الأعمال التطوعية ساعدتني بدرجة أكبر من كل العلاج النفسي والأدوية الموجودة في العالم. يعاني العديد من الناس بسبب الأمراض العقلية ويشعرون بالعزلة والانفصال عن بقية المجتمع، فضلاً عن شعورهم بعدم الأهمية بسبب بقائهم لفترات طويلة دون عمل.

يمكن تخفيف حدة هذه المشكلات بواسطة العمل التطوعي. إن الخروج من المنزل ومقابلة أناس جُدد أمر جيد، لكن الأهم من ذلك، القيام بمجهود بدني مفيد.عندما تنتهي من عملك، تشعر بالإنجاز ويعود هذا عليك بالنفع نفسياً. أقول لكل هؤلاء الناس الذين يتعذر عليهم العمل بمقابل مادي، إن انخراطهم في أعمال تطوعية سيوفر لهم شعوراً اجتماعياً إيجابياً وعلاجاً بديلاً".

شعر سكوت، أخو ماير، بالصدمة عندما سمع أنباء مقتل كوكس. وقال لصحيفة "ديلي تلغراف": "أجد صعوبة في تصديق ما حدث. إن أخي ليس عنيفاً وليس مهتماً بالسياسة إلى هذا الحد. لديه تاريخ من المرض العقلي، لكنه حصل على مساعدة".

ولم يقدم ماير أي دفاع ضد التهم الموجهة له خلال محاكمته.

وقال سيمون راسيل فلينت، محامي ماير مخاطباً هيئة المحلفين: "أنتم فقط من سيحدد مصير توماس ماير هل سيعود مرة أخرى إلى حياته التي تتسم بالهدوء والعزلة أم سيتذكره الجميع على أنه الرجل الذي قتل جو كوكس".

وأصدرت هيئة المحلفين حكمها بحق ماير بعد 98 دقيقة من المداولات.

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة البريطانية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.