نشطاء النوبة يرفضون نتائج اجتماع المشير طنطاوي ويصرون على زيارة أرض أجدادهم.. إليك خطتهم لشل الطرق بجنوب مصر

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
sm

لجأت الدولة المصرية للمشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق الذي قاد البلاد بعد عزل الرئيس الأسبق حسني مبارك لحل أزمة النوبة التي تجددت بسبب اتهامات وجهها نشطاء نوبيون بمحافظة أسوان الجنوبية للحكومة بالتخطيط لبيع أراضيهم التاريخية.

اللجوء لطنطاوي جاء لأنه من أصول نوبية وقد احتل أعلى منصب في البلاد خلال الفترة الأحرج في تاريخها (رئيس المجلس العسكري)، وفِي الوقت ذاته فإن طنطاوي هو الذي مهد لصعود نجم الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي عندما عينه رئيساً للمخابرات العسكرية قبل أن يعزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي طنطاوي من منصب وزارة الدفاع ويعين السيسي بدلاً منه.

ولكن اجتماع طنطاوي ورئيس مجلس النواب علي عبد العال (ينتمي أيضاً لمحافظة أسوان) مع عدد من قيادات المحافظة بينهم قيادات نوبية لم يلق قبولاً من النشطاء النوبيين الذين يعرفون بالشباب النوبي، والذين توعدوا بإغلاق الطرق الرئيسيّة لمدينة أسوان بوابة مصر الجنوبية بعد أن تم استبعادهم من هذا الاجتماع، كما يقولون إنهم تعرضوا لإطلاق نار من قبل الجيش ما أدى لوقوع إصابات بينهم.

ورفض عدد من قيادات الاعتصام النوبي (الذي بدأ في 5 نوفمبر/تشرين الثاني احتجاجاً على سياسات الدولة ضدهم) نتائج المفاوضات التي قادها نواب المحافظة العشرة (بينهم نائبان نوبيان) وقيادات نوبية من الحزب الوطني مع المشير محمد حسين طنطاوي الذي استدعاهم للتشاور معه حول أزمة النوبة.

واعتبروا أن المشاركين في هذا الاجتماع لا يمثلونهم، وأن قرار المعتصمين هو التصعيد نظراً لعدم جدية الدولة في التعامل مع حقوق أهل النوبة الشرعية، حسب تعبيرهم.

وقالت وفاء عشري عضوة الاتحاد النوبي، إن المعتصمين الذين يقدر عددهم بألف شاب ويتواجدون في مقر الاتحاد النوبي بمدينة أسوان قرروا رفض ما أسفر عنه اجتماع نواب محافظة أسوان العشرة مع المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق ومستشار رئيس الجمهورية، والذي حضرته قيادات المحافظة على رأسهم المحافظ ومدير الأمن، بجانب قيادات الحزب الوطني التي تمت دعوتها بديلاً عن ممثلي الاعتصام من الشباب.

وتحدثت مصادر من ناشطي الاعتصام لـ "هافينغتون بوست عربي" عن تلقي بعض أعضاء الاتحاد تهديدات من الجهات الأمنية، وصلتهم عن طريق صفحاتهم على موقع فيسبوك.


اجتماع مخادع


وذكرت وفاء عشري في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي"، أنه قبل اجتماع المشير أرسل الحاكم العسكري مندوبين عنه لإبلاغ المعتصمين بضرورة فتح الطرق، وتحضير وفد من أربعة شباب لحضور الاجتماع مع المشير طنطاوي، وبالفعل تمت الاستجابة لذلك الأمر، وقام الشباب بفتح طريق أبو سمبل المغلق من قبل المعتصمين لمرور السيارات العالقة منذ بدء الاعتصام، إلا أنهم اكتشفوا أن الأمر خدعة وأن المشير دعا قيادات الحزب الوطني لحضور اجتماعه.

وأكدت عضو الاتحاد النوبي، أنه فور انتهاء الاجتماع حضر عدد من أعضاء مجلس النواب النوبيين إلى مقر الاتحاد النوبي الذي يتواجد به الاعتصام ، وأبلغوا الشباب أنه تقرر اختيار أربعة من الشباب لمقابلة رئيس الجمهورية، ولكن مع اشتراط أن يتم إنهاء الاعتصامات، وفتح الطرق، مع إبلاغنا بإمكانية تخصيص منطقة خور قندي لأهل النوبة (منطقة يقول النوبيون إنها مملوكة لهم تاريخياً وتم طرحها في الأراضي المعروضة للاستصلاح مؤخراً).

وأوضحت أنه بعد استبعاد ممثلي الشباب النوبي لاجتماع المشير أدركوا أن تلك العروض تهدف خداع المعتصمين حتى يتم إنهاء كافة أنواع التعطيل، واللعب على عامل الوقت لتفكيك هذا التجمع، مع توقع توجيه ضربات أمنية للمعتصمين، حسب قولها.


دفعوا الثمن مرتين


وحسب المحامي والناشط السياسي المصري زياد العليمي فإن أهل النوبة دفعوا ثمن عملية تطوير مصر مرتين، الأولى عند بناء خزان أسوان حيث هجروا على أربع مراحل في الفترة من 1898 وحتى 1933 حينما تم تهجير أبناء 28 قرية نوبية غرقت تحت المياه التي تم تخزينها في خلف خزان أسوان، للاستفادة منها في ري كافة أراضي الوطن، والثانية عام 1962 عندما تم تهجير سكان باقي القرى النوبية لإتمام عملية بناء السد العالي.

ويقول إن الهجرة الثانية لباقي سكان القرى النوبية الأربعة والأربعين، كانت سريعة ودون دراسات كافية، فنقلت بعض الأسر لمساكن بديلة غير صالحة للحياة في مناطق صحراوية، وكانت النتيجة وفاة عدد كبير من كبار السن وحديثي الولادة أثناء وبعد التهجير مباشرة، بينما تركت باقي الأسر لتبحث عن مسكن لها بجهودها الذاتية في باقي محافظات مصر، دون دعم من الدولة.


الذهاب لأرض الأجداد


وكانت الأزمة قد اشتعلت عندما دعا الاتحاد النوبي العام لمسيرة في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 للتعبير عن رفض ضم مساحات شاسعة من أراضي قرى نصر النوبة التاريخية وأبرزها منطقة "خور قندي" إلى مشروع المليون ونصف فدان التي ستباع للمواطنين والمستثمرين، (لأنهم يعتبرونها أرضهم التاريخية) بجانب القرار 444 الذي اعتبر 110 كيلومترات من أراضيهم شرق بحيرة ناصر منطقة عسكرية، وهو ما يخالف نص المادة 236 من الدستور الذي يعطيهم الحق في العودة لأراضيهم، وذلك خلال فترة انتقالية مدتها 10 سنوات، حسب الدستور الجديد.

وكانت دعوة 5 نوفمبر/تشرين الثاني تستهدف تنظيم مسيرة لزيارة المنطقة التي يسميها النوبيون أرض الأجداد في منطقة "خور قندي" الموجودة في توشكى، إلا أن منع الأمن للقوافل حينها، وسحب رخص السيارات دفع الشباب النوبي لإعلان اعتصامهم داخل مقر الاتحاد النوبي المتواجد على طريق السادات الرئيسي المؤدي إلى مطار أسوان الدولي.

ورغم صدور بيان عن رئيس الجمهورية أعطى أهل النوبة الأولوية في تملك أراضي توشكى ضمن مشروع المليون ونصف فدان، إلا أن هذا القرار قوبل بالرفض حيث اعتبره نشطاء النوبيين التفافاً على النص الدستوري، وهدراً للحق التاريخي، لأنهم يرفضون أن يشتروا أرضهم.

وقرر المعتصمون داخل الاتحاد تجديد الدعوة لزيارة أرض الأجداد تحت شعار #قافلة_العودة_النوبية والذي أصبح هاشتاغاً واسع الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، وقرروا أن يكون موعد الزيارة السبت 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 .


1000 متظاهر واشتباكات مع الجيش




وفي صباح يوم السبت 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 توجه حشد من شباب النوبة وصل عددهم إلى 1000 نوبي يستقلون أكثر من 20 سيارة إلى طريق أبو سنبل السياحي الشريان الرئيسي لمنطقة أبو سنبل السياحية ومنطقة توشكى وقرى النوبة التاريخية، وكذلك هو الطريق المؤدي للسودان، وبعد مرور ساعة من بداية المسيرة، وتحديداً في الكيلو 40 على الطريق وقبل ساعتين من الوقت المحدد للوصول لما يصفه النوبيون بأرض الأجداد قامت قوة أمنية بوقف المسيرة، وإبلاغهم أن هناك أوامر عليا بعد السماح لهم بتلك الزيارة.

ووفقاً لما رواه سمير أبو سريع أحد النشطاء النوبيين الذي كان متواجداً في القافلة، فإن الشباب النوبي رفضوا العودة عن تلك المسيرة، وقرروا الاعتصام أمام القوة الأمنية، ومع حلول المساء وحين علم المعتصمون داخل مقر الاتحاد النوبي الموجود بمدينة أسوان بمنع القافلة، خرجوا من المقر وأغلقوا طريق السادات الذي يتواجد عليه الاتحاد، والذي يؤدي إلى مطار أسوان الدولي.



ولم تمر إلا ساعات قليلة حتى وصل إلى محيط مقر الاتحاد عناصر من الشرطة العسكرية التابعة للقوات المسلحة المصرية، وحدثت مناوشات مع المتظاهرين، قامت على إثرها تلك القوات بإطلاق النار على المتظاهرين فأصيب اثنان منهم -حسب وفاء عشري عضو اتحاد النوبة- ثم عاد المعتصمون إلى داخل الاتحاد وفتح الطريق.

وفي مساء اليوم التالي الأحد 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 قرر الشباب النوبي التصعيد، فقاموا بتعطيل حركة القطارات عند مزلقان كلابشة والذي استمر لمدة 4 ساعات قبل أن يعيدوا الحركة على الخط الرئيسي الذي تأتي عليه رحلات القطار من القاهرة إلى أسوان.


قطع الطرق الأربعة الرئيسية وشل حركة المحافظة


وذكرت مصادر من داخل حراك الشباب النوبي أنه بالتوازي مع قرار استمرار الاعتصامات سواء في مقر الاتحاد النوبي، أو على طريق أبو سنبل، فإنه تقرر التحضير لشل الحركة بالكامل داخل مدينة أسوان، خصوصاً بعد ما وصفوه بالخداع الذي تم في مفاوضات المشير طنطاوي مع نواب أسوان.

وأكدت المصادر لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن التوجه لدى النشطاء هو غلق الطرق الرئيسية الأربع للمدينة مع قطع خط السكة الحديد في توقيت واحد ولمدة عدة ساعات لإيصال رسالة للرئيس عبد الفتاح السيسي أنه لا تراجع عن زيارة الشباب النوبي لما يعتبرونها أرض أجدادهم.

ورغم حرصهم على تكتم الموعد، إلا أن هافينغتون بوست عربي علمت أن الطرق التي ينوون إغلاقها هي طريق أبو سنبل المتواجد عليه المعتصمون، والذي يؤدي غلقه إلى وقف حركة السياحة بالكامل داخل أسوان، وكذلك وقف حركة التجارة مع السودان، إضافة لوقف الإمدادات إلى المناطق الاستثمارية في توشكى.

والطريق الثاني هو طريق السادات المتواجد عليه مقر الاتحاد النوبي المؤدي إلى المطار الدولي، بجانب التهديد بغلق طريق أسوان الصحراوي وهو الشريان الأساسي لخروج التجارة من مناطق المحاجر الشهيرة في أسوان، والتي تمد القاهرة بالرخام والرمل والكثير من المواد الخام، والطريق الأخير هو الطريق الزراعي والموجود به السكة الحديد، وغلقه سيؤدي إلى وقف حركة القطار بالتوازي مع غلق طريق السيارات.


الغضب داخل 50% من أهل أسوان


وحذر محمد عزمي رئيس الاتحاد النوبي من تهاون الدولة في التعامل مع غضب الشباب الذي لا يمكن السيطرة عليه، حسب تعبيره.
وقال في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي" "الغضب كبير جداً لدى أهالي النوبة الذين يمثلون أكثر من 50% من أهل عائلات وأهل أسوان، وأعدادهم تصل إلى 5 ملايين نوبي"، حسب قوله .

وأضاف "لا يمكن أن يتم الاعتماد على عامل الوقت لقتل الحماس بداخلهم والتراجع، فهذا التجاهل يؤدي إلى زيادة الغضب، خصوصاً وأن هناك العديد من الفئات التي أعلنت تضامنها معهم مثل نقابة المحامين بأسوان".

وزعم أن هناك أوامر عليا صدرت إلى وسائل الإعلام بعد التعاطي مع قضيتهم.

وقال "حين تواصلنا مع قناتي العربية والحرة أبلغتنا كلاهما بأنه تم رفض منحهما تراخيص تغطية تلك المظاهرات، وذلك بأوامر عليا، وهو الأمر الذي يعطي مؤشراً سلبياً عن تعامل الدولة مع القضية مثل قرار الرئيس الذي صدر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 الذي يعطيني أولوية في شراء الأراضي المطروحة للاستصلاح، وأردف متسائلاً كيف أشتري أرضي التي هي ملكي بحكم الاتفاقيات والدستور( في إشارة إلى أن النوبيين يعتبرون هذه الأرض أرضهم).

ورأى أن الحل الأساسي والجذري للأزمة هو إعطاء مؤشر إيجابي والسماح للنوبيين بزيارة أرض الأجداد لتكون بادرة حسن نوايا، مع التشاور المباشر مع الرئاسة لتفعيل المادة 236 من الدستور والبدء في رسم خريطة للأراضي النوبية، وتحديد مراحل تسليمها، مع الشروع في تشكيل هيئة لتعمير النوبة، وإلغاء طرح أي أراضي استثمارية جديدة في منطقة توشكى إلا بعد تحديد أراضي قرى النوبة.


أرض لها أصحاب وورثة أيضاً


وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 مشروعًا قوميًا لاستصلاح 4 ملايين فدان، تم تقليصها إلى مليون ونصف المليون فدان، بعد الإعلان بسبعة أشهر، تخصص نسبة 20% منها للمصريين و 80% للمستثمرين العرب والأجانب.

وعندما طرحت الحكومة كراسة الشروط الخاصة بالمرحلة الأولى من مراحل هذا المشروع لتخصيص 500 ألف فدان للبيع، فوجئ النوبيون بطرح 12 ألف فدان من أراضيهم التاريخية للبيع في هذه المرحلة.

وأطلق النوبيون حملة طرق أبواب لمنع بيع الأراضي النوبية بالمزاد العلني، فجمعوا عدداً من أصحاب الحق التاريخي في الأرض وحاولوا التوجه لموقع أراضيهم لمنع بيعها، إلا أن قوات الأمن اعترضت طريقهم! اعتصموا في موقع توقيفهم، وطالبوا بحقهم الدستوري في التنقل، إلا أن مطالباتهم ووجهت بإطلاق النيران التي أصابت عدداً من الشباب الذين حاولوا الحفاظ على حقوقهم المشروعة وحقوق آبائهم وأجدادهم.

واعتبر زياد العليمي الناشط السياسي والعضو السابق بالبرلمان المصري في مقال له بعنوان "أرض النوبة لها أصحاب.. ولها ورثة أيضاً" أن التاريخ المصري الحديث لم يشهد اضطهاداً منظماً، ونكوصاً عن العهود من الأنظمة والحكام المتعاقبين للبلاد على مدى ما يقارب الخمسين عاماً، كما يحدث مع المواطنين المصريين النوبيين الآن، مشيراً إلى أن هناك دائماً هروب حكومي مستمر من تنفيذ الوعود ببناء قراهم مرة أخرى، ومحاولة محو ثقافة وخصوصية حضارية تثري الطابع الثقافي لمصر امتدت لآلاف السنين، وفي النهاية طرح الأراضي التي وعدوا بتعويضهم بها للبيع بنسبة 80% لغير المصريين!

وحسب العليمي فقد أبدى معنيون بالأزمة النوبية كذلك استغرابهم للقرار رقم 444 لسنة الصادر في 29 نوفمبر 2014، بتحديد المناطق المتاخمة لحدود مصر، إذ حدد القرار بعض المناطق المتاخمة للحدود التي لا يحق لغير العسكريين التواجد فيها.

ولفت إلى أنه على الرغم من الحديث الدائم عن خطورة الوضع في المناطق المتاخمة للحدود الشرقية الفاصلة بين مصر وقطاع غزة، إلا أن القرار صدر بتحديد المناطق العازلة في الحدود الشرقية من أربعة إلى خمسة كم، بينما وصلت المنطقة العازلة الجنوبية إلى 25 كم غرب النيل، بالإضافة مساحة إجمالية قدرها 110 كم تقريباً من أراضي شرق النيل، وتم استثناء المناطق الحدودية المتنازع عليها بين مصر والسودان ـ مثل حلايب وشلاتين ـ من تطبيق هذا القرار!

ويرى العليمي أن هذا القرار يبدو أنه يشكل آلية قانونية لحرمان المواطنين المصريين النوبيين من حقهم في العودة، بالمخالفة لأحكام الدستور، لافتاً إلى أنه لا توجد أية شواهد على تهديدات جنوبية للبلاد، حسب قوله.

وفِي ختام مقاله، حذّر العليمي من أن الحقوق التاريخية لن تُنسى بمُضي الوقت، والدول لن تُبنى بسلب حقوق مائة ألف مواطن من أبنائها، سينجبون أبناءً يعرفون حقوقهم المسلوبة، ويتعلمون أن الأنظمة المصرية المتعاقبة أصرت على انتزاعها عنوة، وتهميشهم واضطهادهم.