هل يمكن تجميد الجثامين لإعادتها للحياة ولو بعد مئات السنين؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

حصلت مؤخراً مراهقة تحتضر ذات 14 ربيعاً، وهي من عائلة مسلمة، على حق حفظ جثمانها بالتبريد أو ما يسمى بالقبر الجليدي، وذلك بعد معركة قضائية في المملكة المتحدة مع والدها الذي كان يرفض تنفيذ رغبتها.

وفي خطاب أرسلته الطفلة للقاضي قبل وفاتها، قالت فيه "أظن أنني إذا حصلت على حق حفظ جسدي بالتبريد فسيمنحني الفرصة للشفاء والعودة للحياة مرة أخرى، ولو بعد مئات السنين. لا أريد أن أدفن تحت الأرض.. أريد أن أعيش، وأعيش عمراً أطول، وأعتقد أنه في المستقبل ربما يمكنهم العثور على علاج لنوع السرطان الذي أصابني وإعادتي للحياة مرة أخرى".


تبريد بعد الوفاة


ووفقاً لتقرير صحيفة ديلي ميل البريطانية، فإن عدداً من الأطفال الصغار، حتى أنَّ بعضهم في سن السابعة، تم تجميد جثامينهم بعد الوفاة.

من الصعب الحصول على أرقام دقيقة للأشخاص الذين قاموا بذلك، إذ لا يوجد نظام معين لتسجيل هذه المعلومات.

وتقدر الأرقام بوجود المئات ممن تم تجميد جثامينهم في الولايات المتحدة وروسيا، حيث توجد منشآت متخصصة للقيام بذلك في هذه الدول. ولا توجد قوانين معينة تحظر هذه الممارسات بشكل صريح، لكن توجد بعض الصعوبات القانونية وذلك لأن معظم الدول تحدد الطرق التي يجب اتباعها للتخلص من الجثث، والتي لا تشمل هذا النوع من الحفظ والتخزين الطويل.

لكن ما هي القضايا الأخلاقية التي تتضمنها إتاحة هذه الممارسات؟، وما هي العواقب في حال أصبح "حفظ الجثث بالتبريد" أمراً شائعاً؟

وتجميد الجثث عملية تبريد عميقة للجثة بهدف حفظ الأنسجة في درجة حرارة منخفضة جداً. وفي الواقع، يمكن القول إن هذه العملية هي أحد أشكال التحنيط البارد.


غرض تبريد جثثهم


الأشخاص الذين يلجؤون إلى تقنية التجميد يفتنهم احتمال حفظ جثثهم إلى أن تأتي لحظة غير محددة في المستقبل، يمكن للعلم والتكنولوجيا حينها من معالجة أسباب الوفاة، وإصلاح الأنسجة التالفة، والأهم من ذلك، إعادة هذه الجثث إلى الحياة مرة أخرى.

ولكن هل يبدو ذلك معقولاً؟

يمكن بالتأكيد حفظ الأنسجة البشرية وكذلك الأنسجة الحيوانية.

وقد أظهرت جثث الماموث المحفوظة في الجليد، أن أجزاء من الحمض النووي (DNA) يُمكن أن تكون قابلة للحياة بعد آلاف السنين.

والأهم من ذلك، هو أن الحيوان المنوي الخاص بالإنسان وكذلك الأجنة يُمكن حفظها أيضاً حتى عدة سنوات وتبقى مع ذلك محتفظة بقدرتها على الحياة.

ورغم أن العلماء يشككون إلى حد كبير بإمكانية إنعاش جثة حُفظت بالتجميد، لكن ما أن ظهرت مؤسسات تعطي الأمل بإمكانية العودة للحياة في المستقبل ولو البعيد وعدم فقدان الأمل بمجرد الوفاة، حتى ألهم ذلك أفراداً تعلقوا بمستقبلٍ واعد يمكن للعلم التقني فيه من حل مشكلة فناء البشر.

وقد مثّل الصراع الوجودي مع الموت أحد أبرز السمات الثقافية للإنسان مذ بدأت الأفكار تُسجل من خلال الفن أو الكتابة.

ورغم أن الأديان تؤكد على فكرة البعث والخلود، إلا أن أشخاصا آخرين لا يؤمنون بالأديان بدؤوا باللجوء إلى العلم بحثاً عن نفس الغايات.

وبما أنَّه من الطبيعي أن يسعى البشر إلى الخلود، فهل يمكن أن يكون خيار "التجميد" الذي يدفع مقابله أشخاص أثرياء ومثقفون مبالغ كبيرة، أمراً خاطئاً حقّاً؟

حتى الآن، يبدو الأمر مجرد تعبير عن حرية شخصية في إنفاق الموارد الخاصة بحسب رغبات المرء على أمور كمالية، رغم أن أشخاصا آخرين قد يرون ذلك ظلماً بحد ذاته، ويطالبون بأن يكون توزيع هذه الخدمات بشكل أعدل وأن لا تبقى مقتصرة على الأثرياء، وربما حتى أنه يجب توفيره كجزء من الرعاية الصحية التي تقدمها الدولة.


الخلط بين الخيال العلمي والحقيقة العلمية


يبدو أن مشكلة هذا الجدل الدائر هو أن دعاة تقنية "التجميد" يخلطون بين الخيال العلمي والحقيقة العلمية، وهو ما يعد محاولة منهم للوصول إلى دعاية مقنعة لتقنيتهم.

لكي تتمكن هذه الادعاءات من الاستمرار، فهي تحتاج إلى أدلة أقوى كثيراً لتثبت أن إعادة الحياة بعد التجميد أكثر من مجرد خيال.

ففي نهاية الأمر، ربما تكون هذه التقنية شديدة الاستغلال لأولئك الذين يمرون بأوقات عصيبة في حياتهم، خصوصاً العائلات التي تواجه موتاً مبكراً لأحد أطفالها.

ورغم أن الشركات التي تقدِّم هذه الخدمة تتميز بالوضوح والصراحة فيما يخصّ العملية، إلا أنها تعِد بما هو أكثر.


المريض أم المتوفي؟


اللغة التي تستخدمها في إعلاناتها هي لغة قطاع الرعاية الصحية، إذ تشير إلى الشخص المتوفى بـ "المريض"، وتصف الإجراءات بالعلاج الذي يكسر الحدود عابراً إلى المستقبل.

ويمكن لهذا بالتأكيد تقديم أمل كاذب.

وفي حين لم يُثبَت الوضع القانوني لمثل هذه المنظمات في المملكة المتحدة، إلا أنه من المرجح أن هذه المؤسسات لن تتوافق أوضاعها مع متطلبات قانون الأنسجة البشرية لعام 2004.

ربما يمكن إجبار مثل هذه المؤسسات من خلال قواعد أكثر تحديداً، على أن تصبح أوضح في منشوراتها الدعائية، وعلى تقليص احتمال استغلالها للضعفاء.

والسؤال الخاص بالموارد المتوفرة هو من بين الأسئلة المطروحة أيضاً.

ألا يعتبر ذلك نوعاً من الغرور عندما نقول لأجيال المستقبل "عليكم أن تكرسوا مواردكم لإنقاذي وإعادتي للحياة مرة أخرى".

ما السبب الذي سيدفع هذه الأجيال للتعامل معي باعتباري مريضاً بدلاً من اعتباري مومياء جليدية مثيرة للفضول من القرن الـ21؟

والأهم من ذلك أن تعداد سكان العالم يزداد بسرعة كبيرة.

وعندما نُرسل جثثنا إلى المستقبل فنحن نتسبب في زيادة هذه الأعداد.

واستناداً لهذه الأسباب وإذا ما نجحت هذه التقنية يوماً ما، فربما ينبغي -بحسب الصحيفة البريطانية- أن يكون من شروط البعث في المستقبل موافقة الفرد على عدم الإنجاب خلال حياته الحالية من أجل الموازنة مع نسبة السكان المتزايدة.

وتذهب الصحيفة إلى أبعد من ذلك وتقول: في حال نجحت تقنية التجميد، ربما يمكن النظر إليها باعتبارها نوعاً من الرعاية، خاصة في ظل استغاثة طفل يموت.

ولكن كيف يمكن إرسال طفل بمفرده إلى مستقبل مجهول، حيث لا عائلة ولا أصدقاء ولا حتى موارد ليتمكن من رعاية نفسه؟
وفي النهاية، إذا أعدنا التفكير في الأمر برمته، سنجد أن هذه التقنية ليست أكثر من طريقٍ مضللٍ "للانتفاض ضد الموت".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Daily Mail البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.