الإضراب يشل الحياة في الجزائر.. هكذا عاش المواطنون أول أيام الاحتجاجات

تم النشر: تم التحديث:
IDRAB
إضراب عام في الجزائر | social media

على أمل تحصيل علمي كبير، استيقظ نبيل قريشي يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، من منطقة ذراع القايد التابعة لولاية بجاية بمنطقة القبائل 270 كلم شرقي الجزائر، وقد حمل محفظته بعد ليلة من التحضير متوجهاً إلى الثانوية التي يدرس بها على بعد نحو 11 كلم بمنطقة خراطة.

نبيل وكعادته مرَّ على صديقيه منير يرغم، وابن عمه إسماعيل، وانتظر الجميع الحافلة وسط درجات حرارة متدنية، وبعد قرابة ساعة من الزمن، ومع الإرهاق الناتج عن متعرجات ومنعطفات المنطقة، وصل الثلاثي إلى مقر دراستهم.


إنه الإضراب



دقَّ جرس المؤسسة، ودخل الجميع إلى الساحة، إلا الأساتذة الذين ركنوا إلى قاعتهم بإدارة الثانوية، ولم يتحركوا صوب حُجَر التدريس، لأن 80% منهم استجابوا لنداء نقابتهم للدخول في إضراب عن العمل.

أما الـ20% المتبقية، حسب ما صرح به عبد السلام سلامي، أستاذ بهذه الثانوية لـ"هافينغتون بوست عربي"، فرفضوا تجميد العمل خوفاً من تهديدات الوزارة المعنية، كونهم ما زالوا متربصين.

وبذلك أصبح نبيل قريشي وزميلاه مرغمين على الانتظار حتى الثانية بعد الزوال، لدراسة ساعة واحدة متعلقة بمادة التربية الإسلامية.

يقول نبيل في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنه "كما ترون لم نتمكن من الدراسة بسبب إضراب الأساتذة، وهي ليست المرة الأولى التي نصطدم بهذا المشكل، ففي كل فصل تعليمي تقريباً يكون توقف للدراسة ما بين يومين أو 3 أيام".

ويضيف: "كيف لنا أن نقطع كل تلك المسافة، وسط ظروف مناخية وتضاريسية قاسية، لنصل إلى المؤسسة من أجل أن يقال لنا عودوا على الساعة الثانية بعد الزوال لدراسة مادة واحدة ثانوية، ولساعة من الزمن فقط".


المفاجأة



في تلك الأثناء أراد إسماعيل، ابن عم نبيل، أن يستثمر الوقت، ليتوجه إلى مخبر التحاليل الطبية التابع لمستشفى المدينة "خراطة" لإحضار نتيجة تحاليل دم جدته، والمفاجأة أن المخبر لا يعمل، بداعي الدخول في إضراب أيضاً.

يقول إسماعيل: "حتى قطاع الصحة الحساس هو أيضاً شل الخدمة، وتوقف عن العمل، بدليل أنني لم أتمكن من استخراج نتيجة تحاليل دم جدتي، فعمال المخبر انضموا إلى قافلة المضربين".

ويردف: "أكد عمال المخبر على أنهم لن يعملوا اليوم وغداً، إلا للحالات الاستثنائية والعاجلة، فمصلحة الاستعجالات بهذا المستشفى تقدم الحد الأدنى من الخدمة حفاظاً على أرواح المرضى عملاً بالقانون".


التمرد



أمام ما حصل، وانعدام الخدمات قرَّر نبيل ورفيقاه العودة إلى المنزل، ومقاطعة الساعات التي يشرف عليها الأساتذة المتربصون، بعد تهديدات الوزارة المعنية بفصلهم نهائياً عن العمل في حال الإضراب.

منير يرغم، تلميذ بثانوية خراطة، يقول لـ"هافينغتون بوست عربي"، "نحن دائماً الضحية، نرفض أن نقضي يوماً كاملاً بعيداً عن البيت ومن دون خدمات الإطعام، من أجل ساعة، وفي آخر النهار!".

ويضيف: "قررنا نحن التلاميذ، ودون تحريض مقاطعة الدراسة، حتى نهاية الإضراب الذي دخل فيه الأساتذة والعمال، فإما الدراسة بانتظام، أو البقاء بالبيت".

وشهدت أغلب ولايات الجزائر يوم الإثنين 21 نوفمبر/تشرين الثاني تمرد التلاميذ ومقاطعتهم الدراسة، ففي سطيف اعتصم المئات منهم أمام مقر الولاية، لمطالبة الحكومة بإيجاد حل لمطالب الأساتذة والعمال، وإنهاء ما سمَّوه مهزلة قطاع التعليم.

ويقول خالد أحمد رئيس فدرالية أولياء التلاميذ لـ"هافينغتون بوست عربي"، "إن نسبة 40% من المؤسسات التربوية تمرد فيها التلاميذ ورفضوا الدراسة المتقطعة، والانضمام إلى إضراب الأساتذة والعمال".


الإضراب عام



لم يكن الإضراب في الجزائر خاصاً بقطاع التربية والتعليم، بل مسَّ جميع القطاعات الخدماتية والإدارية، كالجامعات، والإدارات المحلية، والمستشفيات.


وكانت 13 نقابة كاملة تمثل 7 قطاعات حساسة في الجزائر قد اجتمعت في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، واتفقت، بحسب جريدة "الجزائر"، على شلِّ القطاعات أسبوعياً ولمدة 3 أسابيع، بداية من 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

رئيس النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية بالجزائر، إلياس مرابط أكد لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن نقابتهم اتفقت مع 12 نقابة أخرى "مواصلة النضال وتحقيق الأهداف المشتركة للعمال"، على حد وصفه.

idrab

وأضاف: "مستعدون للدخول في إضراب كل أسبوع، بحسب ما تم الاتفاق عليه سابقاً، ما لم تحقق الحكومة مطالبنا كشركاء اجتماعيين، ونطمئن الجميع بأن المرافق الصحية ستضمن الحد الأدنى للخدمة".

ايدير عاشور رئيس مجلس الثانويات الجزائرية "الكلا"، ثمن تكتل النقابات للضغط على الحكومة لتحقيق المطالب، واعتبر أن الثانويات عبر الوطن اليوم أثبتت وحدتها من خلال تحقيق نسبة استجابة للإضراب وصلت 60%.

عاشور أوضح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن تلاعب الحكومة وتعنتها في تطبيق القوانين ضد العامل، سيجعل جميع النقابات أكثر صلابة لتحقيق المطالب كاملة خاصة تلك المشتركة.


لا وثائق إدارية


الفدرالية الوطنية لعمال البلديات بالجزائر هي الأخرى انضمت إلى قافلة المضربين، وهو ما خلق فوضى كبيرة على مستوى الإدارات المحلية التي تعد لبنة استخراج الوثائق الأساسية.

وبعكس النقابات الأخرى التي حددت الإضراب بـ3 أيام متجددة، فعمال البلديات في الجزائر وسعوا الإضراب إلى 5 أيام كاملة، للضغط أكثر على الحكومة لتحقيق المطالب.

idrab

كمال بهات رئيس الفدرالية، قال لـ"هافينغتون بوست عربي" إنّ بعض بلديات اليوم، سجلت نسبة استجابة للإضراب بلغت 80%، على غرار ولاية بجاية وتيزي وزو والبويرة، فيما بلغت نسبة الاستجابة 50% ببعض البلديات.

وأضاف: "رغم أن فدرالية عمال البلديات غير منضوية في التكتل النقابي، الذي توحد للدخول في إضراب اليوم، إلا أننا قررنا دعم الفكرة، لأن عمال البلديات ليسوا بمنأى عن المشاكل التي يعانيها زملاؤهم في باقي القطاعات".

وتعجَّب كمال بهات من بقاء السلطات صامتة رغم الإضرابات المتكررة بالبلديات منذ سنة، ويعتبر عدم رد الحكومة على المطالب سواء كان بالسلب أو الإيجاب "أمراً محيراً جداً".


الهم المشترك


دخول النقابات في الجزائر في إضراب عام، وراءه جملة من الأسباب والمطالب، كلها تصبُّ في تحسين الإطار العام للعامل، وكل نقابة لها منظورها تجاه تلك المطالب، لكن القاسم المشترك بينها هو قانون إلغاء التقاعد النسبي.

وقانون التقاعد النسبي المهدد بالإلغاء حسب عضو النقابة الفدرالية للمتقاعدين، أحمد قاديري، كان يمكن للعامل الاستفادة منه بطلب منه إذا بلغ 50 سنة على الأقل، ويكون قد قام بالمهنة لمدة 20 سنة فأكثر.

وبالتالي، بحسب قادري "فالعامل مرغم على مواصلة مهنته حتى سن 65 عاماً، وإثبات 35 سنة فعلية".

المتحدث دعم الفكرة، وقال: "التقاعد النسبي الذي تم تفعيله سابقاً، جاء من أجل خلق مناصب شغل للشباب البطال، لكن نتائجها على الميدان لم تظهر، وأرباب العمل أفرغوها من محتواها، لأنهم يعيدون توظيف المستفيدين من التقاعد النسبي وفق عقود سنوية".

idrab

وأشار إلى أن الصورة أثرت سلباً على مداخيل صندوق التقاعد المهدد بالإفلاس، بسبب استفادة المتقاعدين من المنح دون استكمال اشتراكاتهم في الضمان الاجتماعي لمدة تزيد على 10 سنوات.

وبالمقابل اعتبر النقابي والنائب إسماعيل قوادرية، التقاعد النسبي حقاً مكتسباً غير قابل للإلغاء والتعديل، داعياً النقابات إلى النضال من أجل منع تمرير تعديلات قانون التقاعد بصيغته الحالية، ميدانياً وفي البرلمان.

وقال النائب في تصريح سابق لجريدة "الخبر" الجزائرية http://www.elkhabar.com/press/article/109680/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A5%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A8%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D8%A3-%D9%81%D8%A7%D8%AF%D8%AD-%D9%88%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%84-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%BA%D9%8A%D9%84/#sthash.sN0376tn.fqiYuM7u.dpbs إن إلغاء التقاعد النسبي يعد تراجعاً عن المكتسبات العمالية، وظلماً للعديد من الفئات العمالية.

كما انتقد النائب، عدم استشارة النقابات المستقلة التي يحميها الدستور ويكفل لها حق النشاط، فضلاً عن أنها موجودة في قطاعات مهمة مثل الجماعات المحلية والصحة والتربية والتعليم.

ويبدو أن الوزير الأول الجزائري قد حسم الأمر مسبقاً، عندما صرح بأن التقاعد النسبي ضرورة ملحة، تفرضها المعطيات، خاصة لإنقاذ صندوق التقاعد، مشيراً الى أن الأمور تغيَّرت منذ تأسيس القانون في التسعينات.


مغازلة فاشلة


سعياً منه لإطفاء نار التهديدات لدخول الإضراب العام، ظهر وزير العمل والتشغيل والتضامن الجزائري محمد الغازي في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بالجزائر العاصمة ليمرر رسائل تطمين للعمال والنقابات.

الوزير بحسب ما نشره موقع الإذاعة الجزائرية مد يده للحوار وحل المشاكل العالقة بين النقابات بطريقة سلمية، ومن دون عرقلة القطاعات.

وأكد الوزير، أن إعداد مشروع قانون العمل وإلغاء التقاعد النسبي أملته الصعوبات المالية للصندوق الوطني للتقاعد، وذلك بغية تفادي أي أزمة قد يواجهها مستقبلاً، وهو يرمي إلى ضمان ديمومة الصندوق وتوازناته المالية والحفاظ على مكتسبات العمال.

وبخصوص دعوة النقابات المستقلة إلى ضرورة إشراكها في إثراء مشروع هذا القانون قبل عرضه على البرلمان، قال الوزير إن هذا الأمر غير منصوص عليه في القانون، مشيراً من جهة أخرى إلى وجود 65 نقابة عمالية مسجلة.

في ذات السياق فنَّد وزير التشغيل في الجزائر أخبار لجوء الدولة إلى مراجعة أجور العمال، وقال: "ذلك لن يحدث، ولن نمس إطلاقاً أجور العمال كما راج مؤخراً".

ورغم ظهور الوزير ورسائل الطمأنة التي وجهها إلى العمال والنقابات، فإن ذلك لم يشفع بدخول الإضراب وشل نسبة كبيرة من الخدمات بمختلف القطاعات.