خيارات صعبة.. السعودية وأميركا على موعد مع الخلافات بسبب النفط

تم النشر: تم التحديث:
W
w

يستمر الشد والجذب مع اقتراب اجتماع منظمة الأوبك القادم نهاية هذا الشهر. فالمملكة العربية السعودية حافظت على إنتاجها بمعدل حوالي 10.7 مليون برميل يومياً، بينما استمرت إيران في زيادة إنتاجها بافتتاح 3 حقول جديدة، ومن المتوقع أن يصل إنتاج الحقول الثلاثة إلى 220 ألف برميل يومياً.

ويبدو أن الموقف العام الإيراني هو الاستمرار في زيادة الإنتاج من 3.85 مليون برميل يومياً - وهو المعدل الذي وصلت إليه في سبتمبر/أيلول الماضي - إلى 4.2 مليون برميل يومياً، الذي تزعم إيران أنَّه يمثل حصة عادلة من الإنتاج الكلي لدول أوبك.

لا يبدو أن الطرفين يرغبان في التراجع، وليس هناك ما يشير إلى أن اتفاق دول المنظمة على خفض الإنتاج - الذي توصلت إليه دول المنظمة في اجتماع منظمة الأوبك الماضي في سبتمبر/أيلول - سيكون قد تحقق عندما تجتمع دول المنظمة مجدداً في نهاية هذا الشهر، بحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.


الاتفاق لن يؤثر


لم يعد هناك تفاؤل بخصوص هذا الاتفاق. ومع أنه ربما يتم الوصول إلى اتفاقٍ آخر في الأيام القليلة القادمة، إلا أن جميع الدلائل تشير إلى أنه حتى في حالة الوصول إلى اتفاق فإنه لن يؤثر بشكلٍ كبير على أزمة زيادة العرض الحالية بالنسبة للطلب. ونتيجةً لكل ذلك، انخفضت أسعار النفط من 52 دولاراً للبرميل في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى أقل من 45 دولاراً في الأسبوع الماضي.

وطبقاً للتقارير الرسمية، كان رد السعودية على هذا المأزق هو التهديد بزيادة أكبر في الإنتاج ليصل إلى 11 مليون برميل يومياً أو أكثر. ويبدو أن استراتيجية الرياض عادت إلى فكرة الضغط على الدول الأخرى المنتجة للبترول لخفض إنتاجها وتوفير حصة أكبر للسعودية من سوق النفط.

بدأت السعودية بالضغط بالفعل على إيران، لكنها امتدت إلى الضغط على الولايات المتحدة الأميركية. وفي عالمٍ جديد بنظامٍ جديد بعد انتخابات الرئاسة الأميركية، تبدو هذه المقاربة السعودية محفوفة بالمخاطر، وربما تضع السعودية في موقف حرج.

ومن المتوقع أن يستمر سعر برميل النفط في الانخفاض إن لم يتم التوصل إلى اتفاق في اجتماع الأوبك في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الحالي. فكميات النفط المعروضة بالفعل كبيرة جداً، وفي التقرير الأخير لوكالة الطاقة الدولية عن السوق توقعت الوكالة زيادة العرض بشدة مقارنةً بالطلب، سواءً في دول الأوبك، التي ارتفع فيها الإنتاج في سبتمبر/أيلول بحوالي 240 ألف برميل يومياً ليصل مجمل الإنتاج إلى 33.6 مليون برميل يومياً، أو في الدول غير الأعضاء بمنظمة الأوبك، التي تحاول الشركات المنتجة بها زيادة إيراداتها قدر الإمكان، وستبدأ حقول جديدة في الإنتاج في البرازيل وكندا وكازاخستان خلال الشهور القليلة القادمة.

يقابل هذه الزيادة في العرض انخفاض شديد في الطلب، فلا يوجد طلب على شراء النفط تقريباً في الدول المتقدمة، كما يبدو أن الصين قد توقفت عن شراء المزيد من النفط لاحتياطها الاستراتيجي.


المزيد من الأزمات


وبحسب الصحيفة، سيسبب هذا الانخفاض في سعر البرميل المزيد من الأزمات، كما سيؤدي إلى زعزعة استقرار الدول المعتمدة على عائدات النفط كفنزويلا ونيجيريا بشكلٍ أكبر. وأية زيادة في إنتاج النفط بالسعودية ستؤدي إلى تفاقم هذه الأزمات. وربما ترى الحكومة في السعودية أنه على الدول الأعضاء بمنظمة الأوبك تحمل هذه الأزمة.

إذ تعاني معظم الشركات الأميركية المنتجة للنفط الصخري مادياً. ويختلف الوضع من منطقة لأخرى بالولايات المتحدة الأميركية، فتكلفة الإنتاج وحجمه من الممكن أن يختلفا من منطقةٍ لأخرى بشكلٍ كبير.

بشكلٍ عام، فإن قطاع النفط في أميركا قام بتعديل أوضاعه حين ارتفعت أسعار النفط ليصل السعر إلى 50 دولاراً للبرميل، وكانت هناك إشارات لاتجاه الشركات المنتجة لزيادة الإنتاج، لكن القطاع لم يتكيف بعد مع انخفاض الأسعار، والذي ربما يصل قريباً إلى 40 دولاراً أو أقل. ومع أن هذه الشركات استطاعت تجنب الإغلاق والإفلاس العام الماضي، إلا أن الوقت سيأتي حين لا تستطيع هذه الشركات تسديد التكاليف المستحقة عليها، وحينها ستضطر بعض الشركات للإغلاق.

أليست هذه هي طريقة عمل الأسواق، حيث يتم إقصاء اللاعبين الأضعف في المنافسة؟ نعم، بالتأكيد هذا صحيح، لكن "فايننشال تايمز" ترى أنه لا ينبغي للسعودية أن تنسى ضمانات الدفاع التي تقدمها لها الولايات المتحدة الأميركية، التي تتضمن الدعم الواسع عسكرياً وسياسياً.

بالفعل بدأ بعض التوتر يشوب هذه العلاقة تحت رئاسة باراك أوباما، لكن هذا التوتر سيكون -بحسب الصحيفة- شيئاً بسيطاً مقارنةً بما سيصيب تلك العلاقة في حالة تسبب سياسات النفط الحالية في إغلاق شركات كبيرة بصناعة النفط الصخري بأميركا، وما سيتبع ذلك من خسارة للوظائف والدخل. إذ لا يشارك الرئيس المنتخب ترامب التيار الفكري بالحزب الجمهوري - الذي كان يتزعمه الرئيس السابق جورج بوش الأب - الذي يُكن الاحترام والتقدير للسعوديين. ويبدو أن ترامب قادر على تقييم العلاقات مع السعودية بناءً على مزاياها، والتي ستتحدد طبقاً للمصالح الأميركية.

من الممكن للحكومة الأميركية في حالة عدم رضاها عن علاقتها بالسعودية أن تقوم بالكثير من الإجراءات رداً على أية تهديدات لسوق العمل بأميركا. فيمكن -بحسب "فايننشال تايمز"- أن تقوم الحكومة الأميركية بنشر نتائج تحقيقات الكونغرس في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وما إذا كان لمسؤولين سعوديين دورٌ فيها، أو أية تحقيقات أخرى عن أية هجمات راح ضحيتها مواطنون أميركيون. من الممكن أن يقوم ترامب أيضاً بوقف الدعم الأميركي للسعودية في اليمن، ومن الممكن أيضاً أن يتفاوض بشأن الضمانات الدفاعية التي توفرها أميركا للسعودية، أو حتى يقوم بإلغاء بعضها.


عشرات الوظائف


قد تفكر الرياض بأن مبيعات أميركا للأسلحة إلى المملكة توفر عشرات الآلاف من الوظائف للأميركيين، وأن الولايات المتحدة الأميركية لن تخاطر بذلك أبداً. لكن هذا ليس صحيحاً. فالسعودية ستحتاج لشراء الأسلحة والمعدات من الولايات المتحدة الأميركية على أية حال، وواشنطن تريد نظاماً مستقراً في الرياض، ما يعني درجةً من النظام لا يمكن تحقيقها سوى بامتلاك المملكة العربية السعودية لزمام المبادرة في إدارة سوق النفط.

ليست هناك خيارات سهلة بالنسبة للسعوديين. فالتوصل إلى اتفاق بين دول أوبك لتخفيض الإنتاج بالدرجة الضرورية لإعادة التوازن إلى السوق - ما يعني تراجعاً مستمراً في معدلات الإنتاج وليس فقط خفض معدلات الإنتاج الحالية - يبدو مستحيلاً. إذ سيكون من الصعب على السعودية تنفيذ هذا الخفض الضروري لمعدلات الإنتاج لأن معظم كمية النفط التي تنتجها السعودية يتم استهلاكها داخلياً.

كما أن احتياجات المملكة من النفط - التي وصلت تقريباً إلى 3.9 مليون برميل يومياً العام الماضي طبقاً للتقرير الإحصائي لشركة النفط البريطانية "بريتش بتروليوم" - تتزايد بشكلٍ مستمر، وهذا العام ستتفوق السعودية - التي يبلغ عدد سكانها 30 مليون مواطن - في استهلاكها للنفط على اليابان، التي يبلغ عدد سكانها 127 مليون مواطن.

وهذا يعني أن خفض الإنتاج بالسعودية بقيمة مليوني برميل يومياً سيؤدي إلى انخفاض صادرات المملكة من النفط إلى حوالي 4.5 مليون برميل يومياً. بهذا الشكل، يبدو أنه لن تستطيع أية دولة بمفردها إدارة سوق النفط العالمي.

وختمت الصحيفة البريطانية أنه ربما يكون تَقَبُّل حقيقة الوضع هو نقطة انطلاق أكثر واقعية بالنسبة للسعودية من التفكير في تحقيق مصالح المملكة من خلال تهديد أميركا التي قامت بحماية المملكة طيلة العقود الخمسة الأخيرة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.