"خارج الصحراء".. علي النعيمي من صيد السمك في ألاسكا إلى أقوى رجل في دنيا البترول

تم النشر: تم التحديث:
T
t

عندما وصله خبر تعيينه بمنصب وزير النفط السعودي أصبح علي النعيمي أقوى رجل في دنيا الطاقة والبترول. لكن الرجل لم يكن على أراضي بلاده حينما ورده الخبر، بل كان بعيداً عن كثبان صحاريها يبحر في مياه ألاسكا وأنهارها يتصيد سمك السلمون في عطلة من عمله آنذاك مديراً لشركة أرامكو البترولية السعودية العملاقة، حسب موقع صحيفة "فايننشيال تايمز" الأميركية.

فبعد سلسلة من النداءات والمذكرات العاجلة رد النعيمي على أحد الاتصالات الواردة من أحد مستشاري الملك فهد، الذي أخبره بأمر منصبه الجديد وأمره بتعجيل عودته على جناح السرعة.


لا خيار أمامي


يقول النعيمي في كتاب مذكراته "خارج الصحراء: رحلتي من بدوي متنقل إلى قلب دنيا البترول العالمي"، مستذكراً محادثته تلك عام 1995: "سألته إن كنت أملك الخيار في تسلم هذا المنصب أم لا، فأجابني بالنفي. فما كان مني إلا أن فعلت كل ما بوسع رجل أن يفعله لو كان محلي ساعة تلقيه خبراً جللاً كهذا – ألا وهو الذهاب لصيد السمك [كأن شيئاً لم يكن]".

لكن حينما ظهر له دبّ ضخم واقفاً على قدميه الخلفيتين على ضفة النهر أمامه فيما كان يخوض النهر على قاربه مرتدياً بزة الصيد، عندها وفي تلك اللحظة فقط قرر النعيمي أن عليه الإتيان بحركة ما على الفور "فسواء كان ذلك نذيراً أو إشارة ما أو سوى ذلك، أدركت في تلك اللحظة أن لا خيار أمامي سوى العودة إلى المملكة العربية السعودية".

في مذكراته التي وصفت بأنها قصة صعود نجم من أسمال البداوة إلى قمة المجد، يروي النعيمي قصة تسلقه من فقر الطفولة حينما كان بدوياً مرتحلاً حتى تربعه على قمة هرم النفط العالمي.

ولعل انخفاض أسعار النفط طيلة العامين السابقين قد سلّط مزيداً من الأضواء على النعيمي الذي تزعم قرار منظمة أوبك في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014 في رفع القيود عن حجم صادرات النفط في مواجهة المنافسة المتنامية، وهي خطوة ما زال النعيمي يدافع عنها.

وقد أشار النعيمي الذي ترأس وزارة النفط حتى مايو/أيار من هذا العام إلى ما فعلته المملكة العربية السعودية في الثمانينات، حينما قطعت إنتاجها وأوقفته من طرف واحد دعماً ونصرة لحلفائها وأصدقائها، حيث أسف قائلاً إن ذاك كان "قراراً مؤسفاً".

من المزمع اجتماع وزراء أوبك هذا الشهر مرة أخرى، حيث سيحاولون تغيير سياسة الإنتاج اللامحدود هذه التي ضربت اقتصاد كل دول النفط وأنزلت بها البلاء. وقال النعيمي إنه "سيترك التاريخ ليحكم على الأمر بنفسه".

وعلى امتداد سنوات عمره الـ81 شهد النعيمي قفزة بلاده السعودية وكيف غيرتها ثروة الموارد النفطية من أفقر دول العالم إلى أكبر دولة مصدرة للنفط. لم يكن طريق نجاحه سهلاً، بل كان محفوفاً بالمصاعب التي تحمّلها.


شظف العيش


في الثلاثينيات عندما اكتشف المنقبون الأميركان وجود آبار النفط في السعودية كانت عائلته على حافة الفاقة توشك على الهلاك من شظف العيش، فالماء كان شحيحاً والطعام مفقوداً حتى أن النعيمي لم يحظ بزوج أحذية حتى بلغ الـ9 من العمر.

ثم شاءت الأقدار أن يعمل صبياً بعمر الـ12 في شركة أرامكو التي كانت آنذاك أميركية الإدارة، وقتما كانت السعودية مقبلة على عهد فجر اقتصاد جديد. كانت تلك الفرصة التي حولت مسار حياته إلى الأبد، فالشركة أشرفت وأنفقت على تعليمه، كما سانده عدة مديرين تنفيذيين أميركان في الشركة ودعموا صعوده سُلّم المسؤولية والمناصب حتى غدا المدير التنفيذي لأرامكو عام 1988.

أدرك النعيمي أنه "سريع التعلم والتأقلم" ما خوله أن يسير في ركاب الملوك وصحبتهم من جهة ومع عامة الشعب من جهة أخرى، وفق ما قال عنه أحد السفراء الأميركان في السعودية.

كان دوماً متوسطاً في كل شيء، يأخذ موقعاً وسطاً بين أفراد قبيلته البدو التقليديين وبين المجددين في السعودية، بين الموظفين السعوديين وبين مديري أرامكو الأميركان، أو حتى بين الشركة نفسها وبين وزارة النفط السعودية.

بيد أنه عند كل منعطف كان دوماً مخلصاً وفياً للمملكة وجاهد قلباً وقالباً من أجل مصلحة أرامكو والسعودية داخل البلاد وخارجها.


انتقال أرامكو


كذلك شهد النعيمي انتقال إدارة الشركة من أيدي الأميركان إلى السعوديين أبناء وطنه على مستوى المناصب المتعددة، كما أسهم في دفع التدخل الأجنبي بعيداً وحال دون المحاولات الغربية الأجنبية للتدخل أو الاستئثار بالسلطة أو التحكم بموارد المملكة وثرواتها النفطية بالغة الأهمية.

ولا يُسهب الكتاب كثيراً بل يذكر بشكل مقتضب جداً ما يدور في اجتماعات أوبك المشحونة بالتوتر. يقول عنه جون براون الرئيس السابق لشركة النفط البريطانية British Petroleum: "لم تند عن النعيمي كلمة باطل قط، لكنه أحياناً يكتم الحقيقة كلها".

في كتابه يرسخ النعيمي رسالة أن أي سعودي سواء كان نبيلاً من العائلة المالكة أم لا بوسعه صعود درجات النجاح ما دام يتمتع بالعزيمة والطموح. لكنه استفاد أيضاً من دعم المديرين الأميركان الذين اكتشفوا موهبته، واستفاد من السياسات الحكومية التي عينت السعوديين في المواقع الإدارية الرفيعة، فضلاً عن تعليمه الراقي ولا ننسى الأهم ألا وهو الملك الراحل عبدالله الذي وثق به ثقة عمياء ولم يتدخل مطلقاً في عمله.

"العمل الدؤوب والحظ وإرضاء المديرين وتبييض وجوههم" هي المفاتيح التي يقول النعيمي إنها أسرار حياته المهنية في صناعة البترول. أما استبداله الآن بوزير نفط جديد على عهد الملك الجديد سلمان فيأتي في الوقت الذي تبحث فيه المملكة عن مصادر وموارد أخرى غير تلك التي اعتمدت عليها بكثرة في العقود الأخيرة.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.