تاريخ المراحيض العامة: العراقيون اخترعوها والرومان عبدوا آلهتهم فيها.. فما أول دولة فصلت بين الرجال والنساء؟

تم النشر: تم التحديث:
A
a

قد تكون الحمامات والمراحيض العامة موضوعاً غير محبب للبعض، لكنها في النهاية أمراً لا غنى عنه في تجمّع بشري حتى لو كنت تشعر بتأفف عند تناوله.

تقرير لموقع الديلي بيست الأميركي عرض لنشأة وتطور هذا المرفق الهام في الحضارات القديمة مع التركيز على الحمامات العامة لدى الرومان، رغم أنهم لم يكونوا أول من اخترعها.

وأشار التقرير إلى أنه بعد افتتاح مسرح ماكسيموس بروما مؤخراً عقب أعوام من التنقيب والتطوير، الذي كان مخصصاً لسباقات الخيول ويعد منافساً لمسرح الكولوسيوم الشهير، يستطيع المرء الاستمتاع بالعديد من الأشياء التاريخية بهذا الصرح أحدها أكبر مركز تسوق في العالم القديم.

أما معدة التقرير، فأحد أهم الأشياء التي أثارت اهتمامها في مسرح ماكسيموس، كانت المراحيض العامة القديمة المحفوظة بشكل جيد، التي استمدت المياه المستخدمة فيها من قناة مائية مجاورة.

وعلقت على هذه المراحيض قائلة: "إنها تبرهن على الهندسة الرومانية وتقدِّم دليلاً قاطعاً على أنَّ الرومان رغم تمتُّعهم باللياقة والذوق الرفيع، فإن ذلك لم يمنعهم من قضاء حوائجهم بشكل جماعي".

لم تكن الحمامات متعددة المقاعد المتواجدة في حلبة سباقات ماكسيموس، التي تسمى بالرومانية foricae، فريدة من نوعها، بل كانت منتشرة في أماكن عدة آنذاك، إذ وُجدت إحداها في أوستيا أنتيكا، الميناء القديم في روما، وكذلك وُجدت أخرى في أفسس بتركيا، وأخرى في تيمقاد بالجزائر، وأخرى في قصر الإمبراطور أدريان، من القرن الثاني، في تيفولي بإيطاليا.

كانت هذه الحمامات تتشابه إلى حد كبير، فهي عبارة عن مقاعد تتخللها فتحات تشبه فتحات المفاتيح يجلسون عليها، وعادة ما تتسع لما بين 8 إلى 20 شخصاً، ويبدو أنهم كانوا يقضون حاجتهم جنباً إلى جنب.

وعلى الرغم من كفاءة الرومان في الهندسة والسباكة فإنهم لم يكونوا أصحاب هذا الاختراع الهام "المرحاض".


أول من اخترع المرحاض


وفقاً لأوجوستا ماكماهون، عالمة الآثار في جامعة كامبريدج، فقد حُفرت أول مراحيض بسيطة في بلاد ما بين النهرين، وكان قطر المرحاض متراً تقريباً، وكان لا بد لمن يستخدم هذا المرحاض أن يجلس القرفصاء، وكانت تحفر هذه الحفر في صف بالتوازي مع أسطوانات سيراميكية مجوفة تمنع الفضلات من التسرب.

ثم اخترع المينويون (سكان جزيرة كريت اليونانية القدماء) بعد ما يقرب من 1000 عام نزح الفضلات بتدفق المياه، إذ اكتُشف أول مرحاض يُنظف بالمياه في قصر كنوسوس في كريت، حيث كانت تزاح الفضلات من الحمامات إلى المجاري. بحلول الحقبة الهلنستية، اتسعت رقعة استخدام المراحيض العامة في الأوساط الغنية.

وأصبحت المراحيض العامة القديمة أماكن لتناقل الإشاعات وتبادل التهكمات بسبب الطريقة الجماعية في استخدامها، وقد منع الإمبراطور تيبريوس الناس من اصطحاب صورته التي طبعت على النقود أو الخواتم داخل هذه المراحيض. وقد اكتشف علماء الآثار بعض الألعاب العالقة بين مقاعد الحمامات، وهو ما يشير إلى وجود تفاعل اجتماعي آنذاك بين مستخدمي المراحيض.

وكانت توجد بعض مساحات الخصوصية للأيسر حالاً في هذا المجتمع، إذ تشير المشناه -وهي التعاليم اليهودية القديمة- إلى وجود ما يسمى "مرحاض الحياء"، وهي مراحيض مغلقة توجد في المعبد، ويبدو كذلك أنه كانت توجد مراحيض خاصة بالقادة العسكريين في الحصون الرومانية. وُجدت أيضاً مراحيض ذات كرسي واحد في قصر أدريان، أُعدت لاستخدام الإمبراطور وذوي المكانة الاجتماعية العالية. وكما قالت جيما جانسين، فإن كل هذه المؤشرات تؤكد أن الحمامات الخاصة كانت تٌعَد ترفاً لا يملكه إلا الأغنياء.


قلق من الذهاب للمراحيض



وعلى الرغم من وجود الكثير من الأدلة التي تشير إلى وجود تفاعل اجتماعي في الحمامات القديمة، فإن هناك بعض المؤشرات على أن الرومان كانوا يقلقون بشأن الذهاب إلى المراحيض العامة، إذ إن الموضوع لم يكن يتعلق بمجرد قضاء الحاجة، فقد كانت هناك بعض الكتابات الإرشادية الرومانية على الجدران تقول: "لا تقضِ حاجتك هنا"، لكن كان الأمر يتعلق بالسلامة، فالحمامات القديمة، مثل أي شيء آخر في العالم القديم، كانت تتطلب الحماية من قوى الشر.

وقالت الدكتورة ماري جين كويلر، مساعدة مدير جامعة تكساس لحفريات معبد أوستيا لموقع The Daily Beast، إنه "خلال إحدى زياراتي الأولى لمعبد أوستيا الروماني، كنت في شدة الذهول عند اكتشاف تفاصيل مذبح وضريح للإله فورتونا في أحد مراحيض مقر رجال الإطفاء، اعتقدتُ للوهلة الأولى أنها مجرد صدفة، لكن علمت لاحقاً أن فورتونا كثيراً ما كانت يُربَط بينها وبين بالمراحيض العامة والحمامات".

وأضافت كويلر أن "معرفة ذلك لم تقتصر على هذا الكشف الأثري فقط، فقد كان الكاتب المسيحي إكليمندس الإسكندري كثيراً ما يسخر من الرومان بسبب وضعهم أعظم آلهتهم في المراحيض، وكان يقول إن هذه المراحيض هي المعبد المناسب لها". دع سخرية إكليمندس جانباً، فقد كانت هناك بالفعل بعض الأسباب المقلقة، إذ يبدو أن الفئران وبعض الحيوانات الأخرى اتخذت من المجاري وأنظمة المراحيض الرومانية مسكناً لها، وهو ما يمثل خطراً داهماً على الرجال الجالسين على كراسي المراحيض، وهو ما يجعل التعبد للآلهة فكرة غير سيئة.

الفصل بين الجنسين


ومن الخصائص المثيرة للاهتمام في الحمامات القديمة، وحمامات القرون الوسطى، عدم وجود أي مؤشرات على الفصل بين الجنسين، بالرغم من أن النساء كُنَّ ممنوعات من الدخول أو المشاركة في كثير من أماكن تواجد الرجال، فإن المراحيض لم تكن إحدى هذه الأماكن الممنوعة.

كان الفصل بين الجنسين في الحمامات العامة، أحد اجتهادات العصر الفيكتوري، ببريطانيا كإحدى مساهماتهم الداعمة لحقوق المرأة، إذ كان يقتصر استخدام الحمامات العامة على الرجال حتى بدأ الفصل بين الجنسين في القرن التاسع عشر، فقد كانت النساء مقيدة بشكل كبير في بيوتهن، وكن يقضين حاجاتهن من خلال الميازيب أو باستخدام "urinettes"، وهي أداة صغيرة محمولة، توثق تحت التنانير لقضاء الحاجة، ولم تكُن هذه الخيارات محبَّبة تقريباً.

ومن ثم، كان الفصل بين الجنسين في استخدام الحمامات العامة خطوة إيجابية في الحقيقة، ومكّن قانون ولاية ماساتشوستس الأميركية لعام 1887 النساء من عدم كبت دخولهن الحمامات أثناء أداء وظائفهن، إذ أجبر هذا القانون أرباب الأعمال على تخصيص حمامات مستقلة للسيدات.

وبرز الوعي بالفصل بين الجنسين في استخدام الحمامات العامة نسبياً في التاريخ الحديث، وذلك بعد قانون HB2 في ولاية كارولينا الشمالية الأميركية، الذي يفرض على الناس استخدام الحمامات العامة وفقاً لجنسهم المسجل في شهادة الميلاد، وقد لاحظ المعلقون الثقافيون أن الفصل بين الجنسين ظاهرة جديدة نسبياً.

ويُعَد تاريخ الحمامات أكثر إثارة للاهتمام مما يعتقد البعض، فهو يعطينا نظرة عامة على النظم الطبقية في المجتمع، والسياسات الجنسية، والنظم الغذائية القديمة، لمن يرغبون بالتعمق في الأمر، أما إذا لم تستهوِك أيّ من هذه الأشياء، ففي حلبة ماكسيموس ستجد الألعاب والمتاجر القديمة.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.